في سياق رئاستها لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي خلال شهر مارس الجاري، نظمت المملكة المغربية مشاورات غير رسمية بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا مع عدد من الدول الإفريقية التي تمر بمرحلة انتقال سياسي، شملت بوركينا فاسو، الغابون، مالي، النيجر، غينيا، والسودان.
الخطوة التي تندرج ضمن اختصاصات المجلس، لقيت ترحيبًا وإشادة من وزراء خارجية الدول المشاركة، الذين اعتبروا المبادرة المغربية مساهمة بنّاءة في دعم الحوار وتعزيز التواصل مع مؤسسات الاتحاد الإفريقي.
وأكدت الرسائل التي توصل بها وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، على أهمية المقاربة المغربية القائمة على الاستماع والتفاعل، بما يتماشى مع خصوصيات كل بلد.
وقد مكنت هذه المشاورات من تبادل الرؤى حول التحديات التي تواجه هذه الدول، والفرص المتاحة لتسريع مساراتها الانتقالية نحو الاستقرار والنظام الدستوري. حيث هذه الفرصة أتاحت للدول المعلقة عضويتها التعبير عن تطلعات شعوبها في إطار مؤسسات الاتحاد الإفريقي.
كما تأتي هذه المبادرة في وقت حساس تمر فيه القارة بتحولات عميقة، ما يمنح هذا النوع من اللقاءات بعدًا إنسانيًا يتجاوز البعد السياسي، في سبيل تعزيز السلم والاستقرار داخل القارة.
♦المغرب يكرس موقعه الريادي كفاعل استراتيجي في حل النزاعات
أكد عباس الوردي، المحلل السياسي، وأستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن المغرب يكرس موقعه الريادي كفاعل استراتيجي في حل النزاعات، ليس فقط على مستوى الأزمات الأمنية والسياسية، بل أيضًا في الخلافات المتعلقة بوحدة الصف داخل البيت الإفريقي.
وأوضح المحلل السياسي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن اعتماد المغرب لنهج الوساطة لا ينفصل عن الرؤية الملكية بعيدة المدى، والتي أرساها جلالة الملك محمد السادس، منذ اعتلائه عرش المملكة، حيث أرسى دعائم دبلوماسية هادئة، فعالة ومتزنة، هدفها الأسمى تعزيز التضامن الإفريقي، وتكريس وحدة المصير المشترك بين بلدان القارة السمراء.
وأشار الأستاذ الجامعي إلى أن زيارات جلالة الملك إلى أكثر من 50 دولة إفريقية على مدى 25 سنة من حكمه، تعكس التزامًا استثنائيًا تجاه القارة، وتُترجم توجهًا ملكيًا استراتيجيا يرتكز على العمل التشاركي والتنمية المستدامة، إضافة إلى ذلك فهو يعزز حضور المغرب داخل مختلف مؤسسات الاتحاد الإفريقي، سواء تعلق الأمر بالمجالات الاقتصادية، أو الأمنية، أو التنموية.
وأبان الوردي أن الدور الذي يضطلع به جلالة الملك محمد السادس، بصفته أمير المؤمنين، لا يقتصر فقط على البعد الديني والروحي، بل يمتد إلى أبعاد استراتيجية، حيث أصبح المغرب يحظى بمكانة مرموقة وموثوق بها داخل القارة الإفريقية، باعتباره بلد الحدوة والقدوة في التعاطي مع قضايا القارة، ومصدرًا موثوقًا للوساطة الإيجابية والفعالة في حل النزاعات.
وأضاف المتحدث أن المغرب يقدم نموذجًا استثنائيًا على مستوى العمل الإفريقي المشترك، من خلال قدرته على تقديم حلول ناجعة لأزمات إقليمية معقدة، وإعادة ترتيب الأولويات وفق مقاربة تضع الإنسان الإفريقي في صلب الاهتمام. مبرزا أن الأخير هو ما مكنه من كسب احترام وتقدير دول مثل مالي وبوركينا فاسو، التي أشادت بدور الرباط في دعم الاستقرار السياسي، والعدالة الاجتماعية، والتماسك المجتمعي داخل بلدانها.
كما شدد الوردي على أهمية الخطاب الملكي الوسطي والمعتدل، الذي يشكل ركيزة أساسية في تكريس السلم والأمن داخل القارة، ومرجعية محورية في التعاطي مع الملفات السياسية الشائكة، وخصوصًا داخل أروقة مجلس السلم والأمن الإفريقي.
وتابع بالقول: “نحن أمام بنية متجذرة، قوامها نبذ الفرقة، وإرساء منطق الوحدة، ورفض كل أشكال النعرات القطرية والعرقية، التي لا يمكن إلا أن تقوض أي مشروع تنموي إفريقي واعد. المغرب يراهن على بناء مناخ تعاون متوازن يشمل جميع الدول الإفريقية بدون إقصاء أو تمييز، ويدعو إلى التصدي بكل حزم للأصوات النشاز التي تسعى إلى بث الفتنة والانقسام داخل البيت الإفريقي الواحد.”
♦وساطة تستمد مشروعيتها من الإجماع الوطني
وفي السياق ذاته، نبه الوردي إلى أن المغرب لا يتردد في فضح الممارسات العدائية لبعض الأنظمة الإقليمية، وعلى رأسها النظام الجزائري، الذي اختار أن يتموقع خارج المنظومة الإفريقية الموحدة، عبر دعمه لمليشيات انفصالية واحتضانه لأجندات مشبوهة تهدد الأمن والاستقرار الإقليمي، بل وتسيء لصورة القارة على مستوى المحافل الدولية.
وتابع قائلا: “النظام الجزائري اليوم يعيش عزلة دبلوماسية غير مسبوقة، وفقد الثقة الإقليمية والدولية، بعدما جعل من احتضان الانفصال والإرهاب سياسة دولة، بدلًا من الانخراط في الجهود الجماعية لبناء إفريقيا موحدة، مستقرة ومزدهرة.”
وفي معرض حديثه عن قضية الصحراء المغربية، أبرز الوردي أن الوساطة المغربية تستمد مشروعيتها من الإجماع الوطني، الذي دعا إليه جلالة الملك محمد السادس في خطاب العرش والدورة البرلمانية السابقة، حيث نادى إلى ضرورة تعبئة جميع المغاربة، داخل الوطن وخارجه، للترافع على مغربية الصحراء، وشرح أبعاد ومكاسب المبادرات المغربية الرامية إلى إنهاء النزاع المفتعل.
واعتبر أن هذا الإجماع الوطني حول قضية الصحراء سيكون له أثر بالغ في طي نهائي لهذا الملف، وفي إفشال كل المناورات السياسية اليائسة التي تحاول بعض الأطراف الإقليمية تمريرها من خلال المنصات الإفريقية والدولية.
وأكد المحلل السياسي أن الأمم المتحدة بدورها باتت تثق في قدرات المغرب كوسيط نزيه وفعال، بعدما أثبت قدرته على تقريب وجهات النظر، وابتكار حلول سلمية ناجعة في عدد من الأزمات التي شهدتها الساحة الإفريقية والدولية.
وأشار الوردي إلى أن المغرب لا يوجه وساطته فقط نحو الخارج، بل يحرص أولاً على تقوية بيته الداخلي الإفريقي، عبر ترسيخ آليات التعاون جنوب-جنوب، وتفعيل المبادرات التنموية التضامنية، وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد، تستجيب لتطلعات الشعوب الإفريقية في الكرامة والازدهار والعدالة.
وأوضح أن جهود المغرب تصب في اتجاه تعزيز الأمن والسلم داخل إفريقيا، وتجفيف منابع التوترات، وتكريس خطاب متوازن ومنفتح، يقوم على التفاهم والحوار، ويرفض أي خطاب ظلامي أو إقصائي.
وخلص الوردي على أن النهضة الإفريقية التي دعت إليها المملكة منذ سنوات، لم تكن مجرد شعارات، بل أصبحت اليوم واقعًا ملموسًا، بفضل رؤية ملكية ثاقبة، ومبادرات ميدانية ملموسة، ومكانة إقليمية قوية، تجعل من المغرب قوة اقتراحية مؤثرة، وفاعلًا لا غنى عنه في مستقبل القارة السمراء.
وأكد أن إفريقيا اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التكتل حول مشروع تنموي موحد تقوده دول مسؤولة ورشيدة كالمغرب، أو الانجرار نحو مزيد من الانقسام والضعف تحت تأثير أنظمة معزولة فقدت بوصلتها.

