بالتزامن مع الأجواء الحماسية التي يعيشها الشارع المغربي إثر مشاركة المنتخب الوطني في نهائيات كأس العالم لأقل من 20 سنة، عادت المقاهي إلى واجهة النقاش باعتبارها الفضاء الأكثر احتضانا للجماهير خلال المباريات.
وهذا الإقبال المتزايد على المقاهي أعاد إلى الواجهة مجموعة من القضايا المرتبطة بتنظيم القطاع، خاصة ما يتعلق بساعات الإغلاق، والرسوم المحلية، والضغوط الجبائية التي تثقل كاهل المهنيين.
وفي خضم هذه الدينامية، تؤكد الجمعية الوطنية لأرباب المقاهي والمطاعم على ضرورة استثمار هذه المناسبة لتسليط الضوء على واقع المهنة، وفتح نقاش جاد حول الإصلاحات المنتظرة التي من شأنها أن تعيد التوازن لهذا القطاع الحيوي الذي يلعب دورًا اجتماعيًا واقتصاديًا مهمًا في الحياة اليومية للمغاربة.
♦المرونة القانونية والاستثناء الوطني
أكد نور الدين الحراق، رئيس الجمعية الوطنية لأرباب المقاهي والمطاعم بالمغرب، أن الأجواء التي يعيشها المغاربة بمناسبة نهائيات كأس العالم للشباب تمثل لحظة وطنية جامعة، تعكس روح الانتماء والالتفاف حول المنتخب الوطني.
وأوضح رئيس الجمعية الوطنية لأرباب المقاهي والمطاعم بالمغرب في تصريح لجريدة “شفاف”، أن المقاهي، بوصفها فضاءات جماعية للتشجيع والاحتفال، تُعد جزءا من هذا النبض الشعبي، وتتحمل بدورها مسؤولية الحفاظ على النظام واحترام القوانين، دون أن تنعزل عن الحدث الوطني.
وأبان الحراق أن القوانين المنظمة لتوقيت إغلاق المقاهي تختلف حسب المدن، حيث تحدد في الغالب عند الساعة الحادية عشرة ليلًا، مع وجود استثناءات لمقاهٍ حاصلة على تراخيص تمديد النشاط إلى منتصف الليل أو إلى الساعة الواحدة صباحا.
وأضاف أن وزارة الداخلية والسلطات المحلية تتعامل غالبا بقدر من المرونة في مثل هذه المناسبات، لأن «الأمر لا يتعلق بحدث تجاري أو ربحي، بل بلحظة وطنية جامعة، تجعل السلطات نفسها أمام واجب التفاعل بإيجابية مع المواطنين».
وأشار إلى أن هذه المرونة لا تعني تجاوز القانون، بل هي استجابة ظرفية لما تمثله المباريات من قيمة رمزية عند المغاربة، مبينا أنه في مثل هذه الأوقات، السلطات تتفهم أن المنتخب الوطني ليس مجرد فريق رياضي، بل رمز للهوية والانتماء، ومن الطبيعي أن يُسمح للمقاهي بالبقاء مفتوحة إلى حدود نهاية المباريات، ما دام ذلك يتم في أجواء منظمة ومسؤولة.
وشدد الحراق على أن النقل التلفزيوني للمباريات داخل المقاهي سيكون متاحا بشكل عادي، دون عراقيل، ما دام الفضاء يحترم الترتيبات الأمنية والتنظيمية، مؤكدا أن الجمعية دعت جميع المهنيين إلى الالتزام بالضوابط القانونية، وتجنب أي ممارسات قد تخلق توترًا مع السلطات المحلية أو تسيء لصورة المهنة.
♦الأسعار، المناسبة، والمسؤولية الوطنية
وفيما يتعلق بمسألة الأسعار خلال المباريات، أكد نور الدين الحراق أن المقاهي المغربية لن ترفع أسعار المشروبات أو الخدمات بمناسبة بث مباريات المنتخب الوطني، مشددا على أن الفرحة الوطنية لا تُباع ولا تُشترى، والمقاهي يجب أن تكون جزءًا من هذه الفرحة، لا سببًا في استغلالها.
وأظهر المتحدث أن الجمعية وجهت توجيهات واضحة لأعضائها بعدم الزيادة في الأسعار تحت أي مبرر، مبرزا أن هذه المناسبات يجب أن تُترجم إلى أجواء تضامن وفرح جماعي، وليس إلى مضاربة أو استغلال تجاري، وموضحا أن بعض الحالات الفردية التي قد تقدم على الزيادة لا تمثل روح المهنيين، بل تبقى تصرفات معزولة لا تعبّر عن توجه القطاع.
وذهب الحراق إلى أن غالبية أرباب المقاهي يتحملون مصاريف مرتفعة أصلا، ومع ذلك يحاولون الحفاظ على الأسعار الثابتة رغم ارتفاع تكاليف التسيير والضرائب والرسوم، ومضيفا أ القطاع يعيش ضغطا جبائيا حقيقيا، لكن رغم ذلك، لا يمكن أن نحمّل الزبون هذا العبء في مناسبة وطنية، بل علينا أن نشارك الناس فرحتهم.
وفي قراءته لتأثير المناسبات الرياضية على النشاط الاقتصادي، بين الحراق أن مباريات المنتخب الوطني غالبا ما تُنعش الحركة في المقاهي، خاصة تلك الموجودة في المناطق الهامشية أو التي تعاني ركودا، في حين أن المقاهي الكبرى في المدن لا تراهن كثيرا على هذه الأحداث لأنها تشتغل بوتيرة مستقرة.
ولفت الحراق إلى أن بعض المباريات، خصوصا التي تُبث في أوقات متأخرة، قد تُحدث ارتباكا في نشاط المقاهي النهاري، حيث يضطر بعض أصحابها إلى تقليص ساعات العمل العادية لتخصيص الفضاء للمشاهدة الليلية، ما يجعل العائدات متفاوتة، مبرزا أنن كرة القدم ليست حلًا لأزمة القطاع، بل ظرف مؤقت يمنح دفعة محدودة لبعض المهنيين، بينما تبقى المشاكل البنيوية على حالها.
♦الإصلاح الجبائي وتنظيم القطاع
وعن مستقبل القطاع، كشف نور الدين الحراق أن الجمعية الوطنية لأرباب المقاهي والمطاعم بالمغرب تشتغل حاليا على مسارين متوازيين، وذلك عبر إصلاح النظام الجبائي وتنظيم الإطار القانوني للمهنة، ملمحا إلى أن اللقاءات التي جمعت الجمعية بوزارة الداخلية ومجالس جماعية متعددة أسفرت عن تقدم نسبي في الحوار حول تخفيف العبء الضريبي الذي يرهق المهنيين.
وأورد الحراق في هذا السياق أن وزارة الداخلية أبدت انفتاحا على مناقشة الجوانب الجبائية المرتبطة بالقطاع، موضحا أن الجمعية قدّمت مذكرة تفصيلية تتضمن مقترحات عملية تخص الرسوم المحلية والضرائب التي تثقل كاهل المهنيين.
واسترسل أن الحوار مع الوزارة يسير في اتجاه التوصل إلى اتفاق نهائي خلال المرحلة المقبلة، يهدف إلى تخفيف بعض الرسوم أو إعادة تنظيمها بما يتلاءم مع طبيعة نشاط المقاهي والمطاعم وحجمها الاقتصادي،
وأكد أن لإشكال ليس فقط في حجم الضرائب، بل في تكرارها وتعدد مصادرها، إذ يؤدي ذلك إلى إرهاق المهنيين ويدفع بعضهم إلى الإغلاق أو الإفلاس، ومشيرا إلى أن الجمعية تعمل أيضا على إعداد مشروع قانون منظم للقطاع، يهدف إلى ضبط العشوائية التي تطبعه، وتحديد شروط الممارسة والتنافسية، وضمان العدالة بين المهنيين.
وقال الحراق إن القطاع في حاجة إلى إطار قانوني منظم وواضح، يضمن حماية المستثمرين الصغار ويُرسخ مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المهنيين، مشيرا إلى أن استمرار المهنة دون معايير محددة يعرقل جهود الإصلاح ويؤثر على تنافسية السوق.
وشدّد الحراق على أن التحدي اليوم ليس في تدبير الأزمات الآنية، بل في بناء إصلاح شامل يُعيد تنظيم القطاع من جذوره، عبر تحسين ظروف العمل، وتبسيط المساطر، وضمان الحقوق الاجتماعية للأجراء، مضيفا أن القطاع لا يحتاج إلى حلول آنية، بل إلى رؤية هيكلية تضمن استقراره واستدامته.
وذهب نور الدين الحراق إلى أن الجمعية الوطنية لأرباب المقاهي والمطاعم ستواصل التنسيق مع السلطات والقطاعات الحكومية المعنية من أجل بلورة إصلاحات واقعية ومنصفة، معتبرا أن تنظيم القطاع وتخفيف الضغط الجبائي عنه لا يخدم المهنيين وحدهم، بل يصب في مصلحة المواطن والدولة على حد سواء.
وخَلُصَ نور الدين الحراق إلى أن مهنيي القطاع يسعون إلى الحفاظ على التوازن بين احترام القانون وحق المواطنين في الفرح، مؤكّدا أن المقاهي فضاء اجتماعي بامتياز، وأن استقرار أوضاعها ينعكس مباشرة على استقرار جزء مهم من الاقتصاد الوطني.

