احتضنت العاصمة المغربية الرباط، يوم أمس الثلاثاء، الاجتماع الخامس للتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين، تحت شعار “استدامة الزخم لعملية السلام: الدروس المستفادة، قصص النجاح، والخطوات القادمة”، بمشاركة وفود عن أكثر من خمسين دولة ومنظمة دولية وإقليمية، وتميز هذا الحدث، الذي نظم بشراكة بين المملكة المغربية وهولندا، برسائل دبلوماسية قوية تؤكد على انخراط المغرب، انطلاقًا من مسؤوليته التاريخية ورئاسته للجنة القدس، في دعم خيار الدولتين باعتباره المدخل الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، في ظل الوضع المأساوي الذي تعيشه الأراضي الفلسطينية جراء استمرار العدوان الإسرائيلي، خاصة على قطاع غزة.
ووسط سياق إقليمي معقد ومفتوح على سيناريوهات غير مستقرة، بدا لافتا أن المغرب يسعى من خلال هذا الاجتماع إلى تعبئة الإرادة الدولية حول مقاربة عملية؛ تتجاوز منطق الشعارات إلى تبني خطوات ملموسة قابلة للتنفيذ لإعادة إحياء مسار السلام، ما يطرح تساؤلات حول إن كان يمثل هذا المسعى المغربي بداية بلورة محور دبلوماسي جديد يقوده من موقعه داخل المنظومة الدولية، والكيفية التي يمكن من خلالها لهذا الزخم أن يصمد في وجه التحولات الجيوسياسية والتوازنات المتغيرة في المنطقة، ثم إلى أي حد يستطيع المغرب التوفيق بين حضوره في هذا الملف الشائك وموقعه كفاعل إقليمي يحظى بثقة مختلف الأطراف الدولية المعنية.
♦ موقف مبدئي
يؤكد عبد الفتاح الفاتحي، الخبير في العلاقات الدولية، ومدير مركز الصحراء وإفريقيا للدراسات الاستراتيجية، أن استضافة المغرب للاجتماع الخامس للتحالف الدولي من أجل حل الدولتين ليس حدثًا عابرًا أو مبادرة ظرفية، بل يعكس موقفًا مبدئيًا وثابتًا للمملكة إزاء القضية الفلسطينية.
وشدد الفاتحي في تصريح لجريدة “شفاف”، على أن المغرب لم يتخلى في أي مرحلة عن التزامه التاريخي تجاه الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وهو التزام يتجلى على المستويين السياسي والميداني.
وأضاف أن ذلك؛ يبرز من خلال الدعم الدائم للمقدسيين من خلال وكالة بيت مال القدس، وعبر الانخراط المباشر في تخفيف معاناة سكان غزة عبر إرسال مساعدات إنسانية وطبية وإنشاء مستشفيات ميدانية.
رسالة الملك بمناسبة اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني.. قراءة في الدلالات والأبعاد السياسية
وأبرز الخبير في العلاقات الدولية، أن رئاسة المغرب للجنة القدس تمنحه شرعية دينية وسياسية مزدوجة للدفاع عن عروبة القدس ومكانتها الرمزية.
وتابع أن هذه الخصائص التي يتميز بها المغرب؛ تجعله أحد الأصوات القليلة التي تتحدث من موقع التوازن، بالنظر إلى علاقاته المتميزة مع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، ما يمنحه هامشًا حركيًا أكبر للتوسط والضغط في آن واحد.
♦ دعم ملموس
لا يقتصر الدور المغربي، بحسب الفاتحي، على تقديم الدعم الدبلوماسي للقضية الفلسطينية، بل يتجاوزه إلى الانخراط العملي في التخفيف من آثار الحصار والعدوان، خصوصًا في قطاع غزة.
وأشار إلى أن المساعدات التي ترسلها المملكة، من غذاء ودواء ومعدات طبية، ليست مبادرات موسمية أو مناسباتية، بل تعبّر عن رؤية استراتيجية لدعم الصمود الفلسطيني، تشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية.
وأوضح الخبير في العلاقات الدولية، أن المغرب عبر وكالة بيت مال القدس، يمول برامج لصالح الأيتام، ودعم المرأة المقدسية، وتعزيز التعليم، والدفاع عن الهوية الدينية والثقافية للمسجد الأقصى.
ولفت إلى أن هذا الحضور الميداني، يعكس فهمًا عميقًا لحاجة القضية الفلسطينية إلى دعم ملموس وليس إلى خطابات موسمية أو بيانات استنكار.
في هذا السياق، ذكر الفاتحي أن دعوة ناصر بوريطة إلى الانتقال من الشعارات إلى الخطوات العملية تعكس بوضوح هذا التوجه المغربي المتمايز في التعاطي مع الملف الفلسطيني.
♦ خطاب جريء
يرى الفاتحي أن الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة خلال هذا الاجتماع، يشكل تحولاً نوعيًا في المقاربة العربية للقضية الفلسطينية.
وأبرز أنه خطاب يقطع مع مرحلة الشعارات الفضفاضة، ويدعو إلى تحمل مسؤولية جماعية في الانتقال إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ، من أجل إعادة بعث مسار السلام المتعثر.
بين إدانة العدوان الإسرائيلي والوساطة الفعالة.. هل ينجح المغرب في تحقيق التوازن الدبلوماسي؟
وأكد أنه (الخطاب) يمثل جرأة دبلوماسية في وقت يسود فيه التوظيف السياسي الضيق للقضية الفلسطينية من طرف بعض الفاعلين الإقليميين.
وشدد الفاتحي على أن الأزمة الحالية في غزة كشفت زيف الخطابات، وأبرزت الحاجة إلى مواقف صادقة ومبادرات واقعية على الأرض.
وأبرز أن المغرب يقدم نموذجًا مغايرًا، يزاوج بين دعم سياسي ثابت، ومساعدات ميدانية دائمة، ما يجعله شريكًا موثوقًا في أي عملية سياسية جادة تهدف لإقرار حل الدولتين.
♦ رهانات التحالف
بالنسبة إلى الفاتحي، فإن الاجتماع الخامس للتحالف الدولي من أجل حل الدولتين، الذي شاركت فيه أكثر من خمسين دولة ومنظمة دولية، يعكس إرادة دولية متجددة للعودة إلى منطق الشرعية الدولية، وقرارات مجلس الأمن، والمبادرات الأممية كإطار للحل.
ولفت إلى أن هذا التحالف، حتى وإن لم يكن يمتلك حاليًا آليات تنفيذية مباشرة، فإنه يشكل منصة قوية للضغط الدبلوماسي والإعلامي على إسرائيل من أجل وقف العدوان، والانخراط في مفاوضات جادة.
وأضاف أن المغرب، من خلال احتضانه لهذا الاجتماع، يسعى إلى مأسسة التحالف وتفعيل دوره، عبر استصدار توصيات واضحة وملزمة أخلاقيًا، بما يُعيد التوازن للنقاش الدولي حول القضية الفلسطينية.
وأوضح الخبير في العلاقات الدولية، أن اجتماع الرباط يوفر غطاءً سياسيًا للمبادرات الجادة الرامية إلى فرض احترام القانون الدولي الإنساني، ووقف الجرائم المرتكبة في حق المدنيين.
♦ اختراق دبلوماسي
يرى الفاتحي أن المغرب يمتلك من المؤهلات ما يجعله فاعلاً أساسيًا في أي تسوية محتملة للنزاع الفلسطيني-الإسرائيلي؛ بفضل رئاسته للجنة القدس، وموثوقيته العالية لدى الأطراف المتنازعة، وحضوره المتوازن داخل المنتظم الدولي.
وأشار الخبير في العلاقات الدولية، إلى أنه بفضل الخصائص المذكورة، يمكن للمملكة أن تلعب دور الوسيط النزيه الذي يسعى إلى إقناع كل طرف بجدوى خيار الدولتين كحل وحيد يضمن الأمن والاستقرار.
كما أن ملوك الدولة العلوية، حسب الفاتحي، تعاقبوا على دعم القضية الفلسطينية، ليس فقط في بعدها السياسي، ولكن من خلال دعم يومي وميداني يعكس عمق التزامهم الديني والأخلاقي بهذه القضية.
واعتبر أن هذا الرصيد التاريخي، إلى جانب الدينامية الدبلوماسية التي تقودها المملكة في المنتديات الدولية، يجعل من المغرب مرشحًا طبيعيًا لإحداث اختراق حقيقي في مسار السلام، خصوصًا في ظل عجز قوى إقليمية أخرى عن القيام بهذا الدور.
وأردف أن اللحظة الراهنة تقتضي تضافر الجهود لإخراج القضية الفلسطينية من عنق الزجاجة، مبرزا أنه مع استمرار المجازر في غزة، وتفاقم المأساة الإنسانية، فإن العالم أمام اختبار حقيقي لإرادته السياسية.
خطاب الملك في قمة بغداد.. دعوة صريحة لإحياء التضامن العربي ومواجهة التدخلات والانفصالات
واستطرد أنه في هذا السياق، يبدو صوت المغرب عقلانيًا وواقعيًا، من خلال المطالبة بتجاوز منطق الشعارات نحو العمل الملموس، وبضرورة عودة إسرائيل إلى طاولة المفاوضات على أساس حل الدولتين، ووفق مقررات الشرعية الدولية.
ويؤكد الفاتحي أن المغرب، بما راكمه من مصداقية وثقة، يمتلك القدرة على قيادة جبهة دبلوماسية جديدة قوامها الواقعية والتعددية والانخراط الميداني، من أجل بلورة حل دائم يضمن الحق الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، ويحمي أمن واستقرار المنطقة برمتها.

