كشفت وكالة الأنباء الروسية “سبوتنيك” في تقرير لها، عن أن المغرب من ضمن الدول التي أبدت اهتمامها بالحصول على منظومة الدفاع الجوي الروسية “إس-400″، مشيرة إلى أن الجزائر انضمت أيضًا إلى نادي مالكي (S-400) بعد توقيع صفقة بمليارات الدولارات مع روسيا في عام 2021، وهو ما هذا يطرح مجموعة من التساؤلات عن أسباب اهتمام الرباط بهذا السلاح الروسي، ومدى ارتباط ذلك بموازين القوى داخل المنطقة، وتأثير هذا الأمر على علاقاتها بحلفائها الغربيين؛ وعلى رأسهم أمريكا.
♦ منظومة “إس-400”
تعد منظومة الدفاع الصاروخي “إس-400” واحدة من أكثر أنظمة الدفاع الجوي تطورًا في العالم، حيث طورتها شركة “ألماز أنتي” الروسية، ودخلت الخدمة عام 2007 لتحل محل أنظمة “إس-300” الأقدم، وصممت بشكل أساسي لمواجهة التهديدات الجوية المعقدة مثل الطائرات المقاتلة، والطائرات بدون طيار، والصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، مما يجعلها نظامًا استراتيجيًا متعدد الطبقات.
وتتميز “إس-400” بقدرات تقنية فائقة، حيث تستطيع اكتشاف الأهداف على مسافة تصل إلى 600 كيلومتر، واستهدافها بدقة على بعد 400 كيلومتر، حيث تعمل هذه المنظومة على ترددات متعددة، ما يجعلها قادرة على تجاوز التشويش الإلكتروني.
وتدعم أنواعًا مختلفة من الصواريخ مثل “40N6E” بعيدة المدى و”9M96E” متوسطة المدى، مما يتيح لها التعامل مع أهداف على ارتفاعات تتراوح بين 10 أمتار و30 كيلومترًا، كما تمتد قدرتها على الاشتباك مع الطائرات إلى مدى يتراوح ما بين 2.5 كيلومتر و380 كيلومترًا، ومع الصواريخ الهجومية إلى مدى بين 5 و60 كيلومترًا.
????RUSSIAN S-400 AIR DEFENSE: WHO ALREADY BOUGHT IT AND WHO WANTS IT?
Having spent years refusing to allow Turkiye to acquire F-35 jets unless it cancels the purchase of Russian S-400 air defense systems, the US has finally relented and withdrawn its objections, Turkiye’s Defense… https://t.co/mvkPjyYjJI pic.twitter.com/PWdn1YcJqb
— Sputnik (@SputnikInt) November 27, 2024
وتوسعت مبيعات “إس-400” لتشمل دولًا عديدة، أبرزها تركيا، التي أثارت جدلاً دوليًا بشرائها المنظومة رغم عضويتها في حلف الناتو، كما حصلت الهند والصين على هذه المنظومة، بالإضافة إلى دول أخرى مثل بيلاروسيا والجزائر، ويعكس انتشارها عالميًا الثقة بقدراتها الدفاعية وتفوقها التكنولوجي.
وتوفر منظومة “إس-400” ميزات استراتيجية فريدة، إذ تجمع بين المدى الطويل والقدرة على استهداف تهديدات متعددة في وقت واحد، وتتميز بسرعة انتشارها وسهولة تشغيلها، مما يجعلها خيارًا مثاليًا للدفاع عن الأجواء السيادية للدول، بالإضافة إلى ذلك، فإن تصميمها يسمح بتكاملها مع أنظمة دفاعية أخرى، ما يزيد من فعاليتها في البيئات القتالية المختلفة.
وتشمل قائمة الدول التي وقعت عقودًا مع روسيا، كل من الصين في 2014، تلتها تركيا في عام 2017، ثم الهند في 2018، والجزائر في 2021، وذلك إضافة لبيلاروسيا، التي حصلت على منظومتين مجانًا من موسكو في 2016، بينما أبدت 13 دولة أخرى اهتمامها بالحصول عليها، ومن بينها دول عربية؛ وهي المغرب ومصر وقطر والعراق.
وساهمت مبيعات “إس-400” في تعزيز النفوذ الروسي عالميًا، حيث أصبحت أداة دبلوماسية واستراتيجية لتعزيز العلاقات العسكرية مع الدول المشترية، وفي الوقت نفسه، أثارت توترات مع الولايات المتحدة وحلفائها، خاصة فيما يتعلق بسياسات تصدير السلاح وتقنيات الدفاع الجوي المتطورة.
وأفاد تقرير صادر عن معهد ستوكهولم لأبحاث السلام في مارس 2024 بأن روسيا ليست ضمن أكبر مورّدي الأسلحة للمغرب، بخلاف الجزائر التي تستورد 48 % من حاجاتها الدفاعية من موسكو، فيما تتصدر أمريكا قائمة مصدري السلاح للرباط بنسبة 69%، تليها فرنسا بنسبة 14%، ثم إسرائيل بنسبة 11% من إجمالي مشتريات الأسلحة المغربية خلال السنوات الأربع الماضية.
♦ الدلالات العسكرية
في تصريح لجريدة “شفاف”، يرى هشام معتضد، الخبير في العلاقات الدولية والأمنية، أن اهتمام المغرب بمنظومة “إس-400″ يحمل أبعادًا استراتيجية تهدف إلى تعزيز القدرات الدفاعية الجوية للمملكة في ظل التوترات الإقليمية المتزايدة.
وقال معتضد إن حصول الجزائر على هذه المنظومة عام 2021 قد دفع المغرب إلى البحث عن وسائل دفاعية متطورة للحفاظ على توازن القوى الإقليمي، مبرزا أن امتلاك منظومة متطورة كـ”إس-400” سيمنح الرباط قدرة أكبر على مواجهة التهديدات الجوية والصاروخية، مما يساهم في تعزيز موقفها الدفاعي وحماية مصالحها الاستراتيجية.
خبير عسكري يبرز رهانات الجيش المغربي من صفقات التسلح الجديدة التي أبرمتها المملكة
وأوضح أن هذا التوجه لا يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل يرتبط كذلك بالحفاظ على دور المغرب كفاعل رئيسي بالمنطقة في مواجهة الاستثمارات الجزائرية المتزايدة في القطاع الدفاعي، مبرزا أن الرباط تسعى لتأكيد قدرتها على مواكبة هذه التطورات وتجنب اختلال التوازن الاستراتيجي، مما يعكس حرصه على ضمان استقرار المنطقة وحماية حدوده ومصالحه الحيوية.
♦ الأبعاد الجيواستراتيجية
يبرز هشام معتضد أن اهتمام المغرب بمنظومة “إس-400” يمكن أن يعكس رغبة في تعزيز علاقاته مع روسيا، خاصة في المجال العسكري، موضحا أن هذا التحرك قد ينظر إليه كبادرة لتوسيع شراكاته الاستراتيجية مع قوى دولية كبرى مثل روسيا، ما يمنحه مجالاً أوسع للمناورة السياسية في القضايا الإقليمية والدولية.
وأضاف الخبير في العلاقات الدولية والأمنية، أن العلاقة مع روسيا، التي تُعد لاعبًا رئيسيًا في سوق الأسلحة العالمي، قد تفتح للمغرب آفاقًا للتعاون في مجالات أخرى مثل الطاقة والتكنولوجيا، مما يعزز مكانة الرباط كشريك متعدد الأبعاد.
ولفت إلى أن هذا التوجه لا يهدف إلى استبدال الحلفاء التقليديين للمغرب، بل إلى تنويع خياراته الاستراتيجية، معتبرا أن التقارب مع روسيا قد يكون وسيلة لتعزيز استقلالية القرار العسكري والدبلوماسي للمملكة، دون المساس بالعلاقات الوثيقة مع الشركاء الغربيين.
وشدد على أن الاهتمام بعقد صفقات للسلاح مع روسيا يعكس توازناً دقيقا يحرص المغرب على تحقيقه بين بناء شراكات جديدة والحفاظ على التحالفات القائمة، مشيرا إلى أن تنوع مصادر التسلح يُعتبر إحدى الركائز الأساسية للسياسة الدفاعية المغربية، واهتمامه بمنظومة “إس-400” يؤكد هذا التوجه.
وأردف أن المملكة لطالما حرصت على عدم الاعتماد الكامل على مورد واحد للأسلحة، مما يمنحها مرونة استراتيجية في مواجهة التحديات الدولية، لافتا إلى أن اقتناء هذه المنظومة الروسية سيعزز قدرات المغرب الدفاعية مع تقليل اعتماده على الشركاء التقليديين كفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.
وأبرز أن هذا التنويع يساعد المغرب على تحقيق استقلالية أكبر في قراراته العسكرية ويقلل من المخاطر المرتبطة بالضغوط السياسية التي قد تفرضها الدول الموردة، مشيرا إلى أن اهتمام الرباط بـ”إس-400″ يعكس سياسة بعيدة المدى تهدف إلى بناء منظومة دفاعية متكاملة تعتمد على مصادر متعددة، بما يخدم مصالح المملكة الوطنية والاستراتيجية.
وأوضح أن الاهتمام المغربي بمنظومة “إس-400” لن يثير قلق الحلفاء التقليديين، لأنه يمكن للمملكة إدارة هذه العلاقات بعناية، مبرزا أن الرباط توضح دائمًا أن اهتمامها بالمنظومة الروسية يهدف إلى تنويع خياراتها الدفاعية وليس التخلي عن حلفائه الغربيين.
المغرب يتهيأ لبناء صناعة عسكرية محلية.. فهل اقتربت المملكة من مرحلة الاستقلال العسكري؟
واستطرد أن الرباط أظهرت على مر السنين قدرتها على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، مما يجعل من هذا التوجه فرصة لتعزيز موقفها التفاوضي مع الشركاء التقليديين دون المساس بالتحالفات الراسخة.

