تشير معطيات حديثة إلى أن منطقة شمال إفريقيا تقف على أعتاب تحولات عسكرية لافتة، في ظل تقارير تفيد بدخول المغرب في مفاوضات لتقييم اقتناء مقاتلات سوخوي “سو-35” (Su-35) الروسية، وهي خطوة تعكس تسارع وتيرة التحديث العسكري في المملكة واستجابتها للتحولات المتسارعة في البيئة الأمنية الإقليمية.
ويبرز هذا التوجه في سياق تنافس عسكري متصاعد بالمنطقة، خاصة بين المغرب والجزائر، حيث يرتقب أن يشكل إدماج هذه المقاتلات، في حال إتمام الصفقة، نقلة نوعية في القدرات العملياتية للقوات الجوية المغربية، مع ما يحمله ذلك من أبعاد استراتيجية تتجاوز مجرد التحديث التقني إلى إعادة رسم توازنات الردع الإقليمي.
❖ تحرك مدروس
يرى هشام معتضد، الخبير في العلاقات الدولية والباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، أن دخول المغرب في مفاوضات لاقتناء مقاتلات سوخوي “سو-35” لا يمكن اختزاله في كونه صفقة عسكرية تقليدية، بل هو تحرك مدروس يندرج ضمن هندسة استراتيجية إقليمية دقيقة.
وأبرز معتضد في تصريح لجريدة “شفاف”، أن المملكة المغربية وفق هذا الطرح، تسعى إلى توسيع نطاق خياراتها الدفاعية، خصوصًا في مجال الردع الجوي، بما يمنحها قدرة أكبر على التكيف مع التحولات المتسارعة في محيطها الإقليمي.
وأكد الباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية أن هذه الخطوة تعكس رغبة واضحة في تحقيق مرونة تكتيكية متقدمة، عبر إدماج منظومات قتالية عالية الأداء، بما يسمح بتجاوز محدودية الاعتماد على مصدر واحد للتسليح.
ولفت إلى أن المغرب، الذي اعتمد لسنوات على مقاتلات “F-16 Viper” الأمريكية، بات اليوم يتجه نحو تنويع بنيته الجوية بما يعزز من قدرته على التعامل مع سيناريوهات متعددة.
وهذا التوجه، بحسب الخبير، يندرج أيضًا في إطار استباقي، يهدف إلى تحصين القدرات الدفاعية للمملكة في ظل بيئة تتسم بعدم اليقين، حيث لم يعد التوازن العسكري قائما فقط على الكم، بل على جودة المنظومات وقدرتها على خلق تفوق نوعي في لحظات الحسم.
❖ تفوق نوعي
من زاوية عملياتية، يبرز هشام معتضد أن إدماج مقاتلات سوخوي “سو-35” سيمنح القوات الجوية المغربية تفوقًا نوعيًا، بالنظر إلى الخصائص التقنية المتقدمة التي تتمتع بها هذه الطائرات؛ سواءً من حيث المناورة أو قدرات الرصد والاستهداف بعيدة المدى.
وأضاف أن هذه القدرات تكتسي أهمية خاصة في سياقات جغرافية معقدة، مثل التحليق فوق المناطق الصحراوية الشاسعة أو على امتداد الحدود الشرقية، حيث يصبح عامل المدى والقدرة على الاشتباك عن بعد محددًا رئيسيًا في ميزان القوى.
واعتبر الباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، أن من شأن الحصول على هذه الطائرة المقاتلة أن يرفع من جاهزية القوات الجوية المغربية ويمنحها قدرة أكبر على فرض التفوق في أي سيناريو محتمل.
المغرب يتهيأ لبناء صناعة عسكرية محلية.. فهل اقتربت المملكة من مرحلة الاستقلال العسكري؟
وأشار إلى أن هذه الخطوة تعكس تحولاً في العقيدة القتالية المغربية، من نموذج يعتمد على منصة واحدة رئيسية، إلى نموذج متعدد الطبقات يجمع بين قدرات هجومية ودفاعية متكاملة.
وهذا التحول، في نظر الخبير في العلاقات الدولية، يعزز من تعقيد المشهد العملياتي بالنسبة لأي خصم محتمل، ويجعل من الصعب التنبؤ بقدرات المغرب الجوية بدقة.
❖ تعقيد استراتيجي
على المستوى الاستراتيجي، يوضح هشام معتضد أن توجه المغرب نحو الجمع بين أنظمة غربية وروسية يخلق ما يمكن وصفه بـ”التعقيد الاستراتيجي”، وهو عنصر حاسم في معادلات الردع الحديثة.
ولفت الباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، أن تنويع مصادر التسليح لا يمنح فقط قدرات تقنية إضافية، بل يخلق أيضًا حالة من الغموض البناء حول الإمكانيات الحقيقية للمملكة.
التمرين الجوي “ماراثون 25”.. هل يفتح جبهة جديدة للمغرب أم تعيد فرنسا حسابات نفوذها؟
وأكد أن هذا التعقيد يجعل من الصعب على الأطراف المنافسة بناء تصورات دقيقة حول القدرات العملياتية المغربية أو استراتيجياتها المستقبلية، وهو ما يرفع من فعالية الردع دون الحاجة إلى الدخول في سباق تسلح تقليدي قائم على الاستعراض الكمي.
وأبرز أن هذا التوجه يعكس قدرة المغرب على المناورة بين القوى الكبرى؛ سواءً الولايات المتحدة أو روسيا، بما يتيح له تحقيق مكاسب دبلوماسية واستراتيجية دون الارتهان إلى طرف واحد، وهو ما يعزز من موقع المملكة كفاعل مستقل قادر على التكيف مع التحولات الدولية.
❖ ديناميات الردع
في قراءته للبعد الإقليمي، يشير هشام معتضد إلى أن إدماج مقاتلات سوخوي “سو-35” قد يدفع إلى إعادة تقييم مستمرة للاستراتيجية الدفاعية لدى الجزائر، بما يفتح المجال أمام ديناميات تنافسية جديدة في المنطقة.
ويرى أن هذه الديناميات لا تقتصر على الجانب التقني، بل تمتد إلى مستويات أكثر تعقيدًا، تشمل الجاهزية العملياتية والتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى، فالمغرب من خلال هذه الخطوة، لا يسعى فقط إلى تعزيز قدراته، بل إلى خلق حالة من عدم اليقين لدى الطرف الآخر.
وهذه الحالة بحسب الخبير، ترفع من كلفة أي مغامرة عسكرية محتملة، وتجعل من الصعب على أي طرف اتخاذ قرارات عدائية دون احتساب دقيق للمخاطر، وهو ما يعزز من فعالية الردع ويكرس نوعًا من التوازن غير المباشر في المنطقة.
❖ امتداد دولي
يتجاوز تأثير هذا التوجه، وفق تحليل هشام معتضد، الإطار الإقليمي ليشمل موقع المغرب في الفضاء الدولي، فامتلاك منظومات متقدمة ومتنوعة يمنح المملكة ورقة إضافية في المفاوضات الأمنية متعددة الأطراف؛ سواءً مع الولايات المتحدة أو أوروبا.
وأشار إلى أن الجمع بين معدات روسية وأمريكية يتيح للمغرب توسيع هامش خياراته في التعاون الدفاعي، كما يعزز من قدرته على استقطاب شراكات تقنية وعسكرية جديدة، وهو ما قد ينعكس إيجابًا على موقعه في ترتيبات الأمن الإقليمي، خاصة في منطقة الساحل.
سباق أوروبي على تزويد المغرب بغواصتين عسكريتين.. لماذا تراهن المملكة على هذا النوع من السلاح؟
وأبرز الخبير في العلاقات الدولية أن هذا التنوع يمنح المغرب قدرة أكبر على التكيف مع التحولات في موازين القوى الدولية، ويجعله طرفًا فاعلاً في معادلات تتجاوز حدوده الجغرافية نحو أدوار إقليمية أوسع.
❖ مرونة تشغيلية
على المستوى التكتيكي، يؤكد هشام معتضد أن إدماج مقاتلات سوخوي “سو-35” يتطلب تحديثًا شاملاً في البنية اللوجستية والتدريبية للقوات الجوية المغربية، ما يعكس توجها نحو برنامج تطوير طويل الأمد.
وأضاف أن هذا البرنامج يشمل مجالات متعددة، من بينها الصيانة والتدريب على سيناريوهات متنوعة، فضلاً عن تطوير قدرات العمل المشترك بين المنظومات الغربية والشرقية، وهي عملية معقدة، لكنها تفتح المجال أمام بناء قدرات تشغيلية مرنة وغير مسبوقة في المنطقة.
وهذه المرونة، بحسب الباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، ستمنح المغرب قدرة على إدارة العمليات الجوية بكفاءة أعلى، كما ستعزز من جاهزيته لمواجهة تحديات متعددة في بيئة أمنية متغيرة.
❖ رسالة قوة
في بعده السياسي، يرى هشام معتضد أن هذا التوجه يحمل رسالة واضحة إلى الفاعلين الإقليميين والدوليين، مفادها أن المغرب يمتلك الإرادة والقدرة على الدفاع عن مصالحه الاستراتيجية.
وأكد أن الحديث عن مقاتلات سوخوي “سو-35” لا يقتصر على الجانب التقني، بل يعكس أيضًا قوة سياسية ورمزية ضمن معادلات التوازن الإقليمي، فامتلاك هذه القدرات يعزز من مكانة المغرب كشريك موثوق في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.
وأشار إلى أن هذا التوجه يندرج ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى الحفاظ على مساحة المناورة الاستراتيجية، عبر الموازنة بين القوة العسكرية والتأثير الدبلوماسي.
❖ رؤية شاملة
يبرز هشام معتضد إلى أن توجه المغرب نحو اقتناء مقاتلات سوخوي “سو-“35 يمثل جزءًا من استراتيجية شاملة تجمع بين الردع العسكري والتموقع السياسي.
واعتبر أن المملكة وفق هذا المنظور، لا تسعى فقط إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، بل إلى توظيف هذه القدرات ضمن هندسة استراتيجية أوسع، تقوم على التفاعل الذكي مع التوازنات الدولية والإقليمية.
وشدد على أن التسلح بالنسبة للمغرب أصبح أداة متعددة الأبعاد، لا تقتصر على القوة الصلبة، بل تمتد لتشمل التأثير الدبلوماسي وإعادة تشكيل موازين القوى، بما يعزز من موقع المغرب كفاعل محوري في محيطه الإقليمي والدولي.

