تطرح تساؤلات كثيرة عن أهمية شروع المغرب في إعداد مخطط لإحداث مناطق متخصصة في الصناعات العسكرية، وعن علاقة ذلك باستقلالية المملكة في مجال صناعة الأسلحة والتوقف عن استيرادها بكلفة باهظة من الخارج.
المغرب يرفع نفقات الدفاع في ميزانية 2024.. خبير استراتيجي يشرح الدلالات والأسباب
♦ مناطق صناعية عسكرية
قال عبد اللطيف لوديي، الوزير المنتدب المكلف بإدارة الدفاع الوطني، في وقت سابق إن المغرب بدأ خلال السنة الجارية العمل على إعداد تصور لإحداث مناطق صناعية متخصصة في مجال الصناعة الدفاعية، من خلال تأسيس صناعة دفاعية متطورة، مبرزا وجود مجموعة من الطلبات الأجنبية للاستثمار في هذا المجال بالمملكة.
وأفاد لوديي خلال حلوله بداية هذا الشهر على لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة المقيمين في الخارج بمجلس النواب، لتقديمه عرضا حول الميزانيات الفرعية برسم السنة المالية 2024، بأنه بعد دخول القانون رقم 10.20 المتعلق بعتاد وتجهيزات الدفاع والأمن والأسلحة والذخيرة حيز التنفيذ، توجه المغرب بخطى ثابتة نحو تأسيس صناعة دفاعية متطورة عبر الشراكات والاتفاقيات التي أبرمها مع عدد من الدول الرائدة في هذا المجال، وذلك بغية تطوير التجهيزات الذاتية للقوات المسلحة.
وأضاف أن إرساء المغرب أسس صناعة دفاعية متطورة من شأنه أن يلعب دورا مهما في التنمية الاقتصادية والتجارية، والتحقيق التدريجي للاستقلالية في مجال الصناعة الدفاعية، والاستفادة من نقل التكنولوجيا المتطورة واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وتوفير مناصب شغل جديدة.
♦ أسباب التوجه
في تصريح لجريدة “شفاف”، قال محمد شقير، أستاذ العلوم السياسية والخبير في المجال العسكري، إن نوجه المغرب نحو الصناعة العسكرية يأتي في إطار سياسة التسلح المتبعة من قبل المملكة في هذا الجانب، والذي فرضته عدة اعتبارات، أولها أن الرباط تعمل على التقليص من التكاليف المالية التي تصرف في هذا المجال، وخاصة أنها تتم بالعملة الصعبة.
وأضاف أن ثاني الأسباب تتعلق بتوجه المغرب وطموحه لكي يكون قوة إقليمية بالمنطقة، والذي يفرض عليه العمل على خلق نواة صناعية عسكرية بالمملكة على غرار بعض الدول سواءً أكانت عربية أو إفريقية، كمصر التي تقوم بتصنيع بعض المعدات العسكرية، وجنوب إفريقيا كذلك.
وأبرز أستاذ العلوم السياسية والخبير في المجال العسكري، أن للمملكة المغربية دوافع مهمة في هذا التوجه، أبرزها امتلاكها لعديد المقومات المرتبطة بهذا المجال، من بينها التقدم الذي أحرزته في صناعة الطائرات المدنية، وخلق مناطق صناعية خاصة بذلك، مثلما هو موجود في إقليم النواصر بضواحي مدينة الدار البيضاء.
خبير عسكري يبرز رهانات الجيش المغربي من صفقات التسلح الجديدة التي أبرمتها المملكة
وأوضح أن هذا التوجه المغربي مدعوم بمشاركة استثمارات أجنبية؛ إضافة إلى إبرام اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي تمتد من 2020 إلى 2030، والتي تضم مجموعة من البنود؛ على رأسها تشجيع الاستثمارات الخارجية للمساهمة في خلق الصناعة العسكرية بالمملكة المغربية.
وتابع المتحدث ذاته، القول إن اتفاق “أبراهام” الذي يشمل إلى جانب المغرب كل من أمريكا وإسرائيل؛ كان من بين بنوده خلق وتوطين الصناعة العسكرية بالمملكة، ومساعدة هذين الطرفين للمملكة على بلوغ وتحقيق هذا الهدف.
♦ الخطوط العريضة للصناعة العسكرية
يوضح محمد شقير أنه في إطار اعتماد المغرب في السنوات الأخيرة على استيراد الطائرات بدون طيار وحاجة الجيش لهذا النوع من الأسلحة، فإنه أصبح يركز بشدة على هذه النوعية من السلاح، ويعمل على الاستعانة بإسرائيل لإحداث هذا النوع من المصانع.
وأشار الخبير في المجال العسكري إلى أن المغرب أصدر مجموعة من المراسيم والقوانين لتيسيير أمر إحداث مناطق صناعية متخصصة في مجال الصناعة الدفاعية، وكذا التشجيع على أمر الاستثمار في هذا المجال.
وأوضح أن الهدف من هذا المخطط لا يرتبط بإيقاف استيراد المعدات العسكرية من الخارج، بل العمل على تكريس تواجده وتموقعه كقوة إقليمية في المنطقة، وخلق صناعة عسكرية بإمكانه من خلالها تحريك عجلة الاقتصاد الوطنية، وخلق فرص عمل.
“وول ستريت جورنال”: المغرب أول بلد إفريقي يدخل نادي مصنعي “الدرون” الحربية
وأبرز أن نجاح المغرب في خلق أقطاب للصناعة العسكرية، سيمكنه من التوجه بشكل استراتيجي نحو السوق الإفريقية، وتصدير لها نوعيه من الأسلحة أو قطع الغيار الخاصة بالمجال العسكري، وتقليص الاعتماد على الخارج فيما يخص حاجياته المرتبط بهذا الجانب.
وأوضح أنه لا توجد قوة إقليمية بدون صناعة عسكرية، ومن الأمثلة على ذلك تركيا ومصر، مبرزا أنه في هذا السياق يبرز الطموح المغربي، والذي يحتم عليه تحقيقه التوجه نحو هذا النوع من الصناعات، وهو ما يعني أنه لن يركز على صناعات جميع الآليات، بل سيكتفي بأصناف ومعدات بعينها كطائرات “الدرون”، نظرا لاحتياجاته الداخلية والعمل على تصديرها نحو السوق الإفريقية على المستويين المتوسط والبعيد.
♦ التكنولوجيا العسكرية والعوائق المطروحة
يشير محمد شقير إلى أنه كما أن هناك تقسيم في مجال الصناعات المدنية، فإن الأمر ذاته تخضع له نظيرتها العسكرية، وبموجب ذلك فعدد من الدول مع مرور الوقت تتخلى على نوع من المجالات الصناعية، وهو ما يسمح لبلدان تحظى بشراكات استراتيجية مع كبرى المصنعين في هذا الميدان باستقطاب وتوطين نوع من صناعة الأسلحة، مثلما هو الحال مع المغرب.
وشدد على أن هذا الأمر لا يشمل التكنولوجيا العسكرية، التي تدخل ضمن المجالات التي تختص بها حصرا الدول الكبرى والعظمى، مشيرا إلى أن هناك استثناءات قليلة في هذا الجانب؛ مثلما هو الحال مع كل من تركيا وباكستان، مبرزا أنه حاليا يخضع المجال في جانبه الصناعي إلى التقسيم والتوسيع، وهو ما يمكن للرباط الاستفادة منه.
وفيما يخص العوائق المرتقبة أو المطروحة، يشير شقير إلى أن المغرب سيكتفي بالتركيز على نوع بعينه من الصناعات وليس جميعها، موضحا أن المملكة تفتقر للمقومات الرئيسية للدخول في مجال صناعة التكنولوجيا العسكرية، إضافة لأن بعض الدول العظمى لن تسمح له بولوج هذا الميدان.
خبير أمني يعدد مكاسب المملكة العسكرية من صفقة طائرات “بيرقدار آقنجي” التركية
ولفت إلى أن مهما كانت الشراكة التي تربط الرباط بحلفائها الاستراتيجيين من الصعب أن يسمح لها بتوطين التكنولوجيا العسكرية، مبرزا أن هذه الصناعة لا تزال محتكرة من طرف الدول العريقة في هذا المجال، مثلما هو الحال مع أمريكا وفرنسا وبلجيكا وغيرها، التي تحتكر مثلا صناعة الطائرات العسكرية المتطورة كـ “إف 16″ الأمريكية و”رافال” الفرنسية.
واعتبر أن إحداث مناطق صناعية متخصصة في مجال الصناعة الدفاعية، ستتم في إطار تقسيم العمل وتخصص المغرب في نوع من الصناعات العسكرية التي بإمكانه فيها الاعتماد على نفسه أو عبر شراكات مع بعض الدول التي ستستفيد بدورها من هذا الأمر، موضحا أن الشركاء يرونا أيضا بأن المملكة لا تتوفر على كافة المقومات التي من الممكن أن تجعله يصنع التكنولوجيا العسكرية.
واستطرد أستاذ العلوم السياسية قائلا إنه يصعب على المغرب منافسة أو الدخول مع الدول العظمى في صناعة التكنولوجيا العسكرية، مبرزا أنه سيستمر في استيراد المعدات والآليات المرتبطة بهذا النوع من الأسلحة.
♦ الكفاءة الصناعية
يلفت محمد شقير إلى أن الصناعة المغربية ستستهدف تلبية حاجاته الداخلية، ومن تمت العمل على التصدير نحو إفريقيا، وهو ما يفرض عليه الاشتغال على معايير الجودة والكفاءة الصناعية المطلوبة، مؤكدا على أن المملكة ستخرص بهذا الخصوص في بداية ولوجه التصنيع العسكري على هذا الأمر، لاسيما وأنها مقبلة على التواجد في سوق السلاح الدولي.
وأضاف أن هذه الصناعة لن تقتصر على الدولة، بل ستكون مفتوحة أمام الاستثمارات الاجنبية، في إطار شراكات مع الشركات الرائدة في مجال صناعة الأسلحة، موضحا أن هذه الأخيرة ستسعى لا محالة للحفاظ على سمعتها الدولية وستحرص على الجودة وعدم وجود اختلالات أو اختلافات على ما تنتجه في بلد المنشأ أو مقرها الرئيسي.
ويرى الخبير في المجال العسكري أن الرباط ستكون حريصة أيضا على أن تتوفر صناعتها العسكرية على الجودة الكافية، وأن تتضمن كافة المقومات المرتبطة بذلك، مبرزا أن تخطيط المملكة المغربية لهذا الأمر يأتي بتأني ووفق خطة مدروسة تتوخى المردودية والنجاعة بعيدا عن الاستعجال.
♦ التنافس بين المغرب والجزائر
يشدد محمد شقير على التنافس والصراع بين المغرب والجزائر دخل باب العمل على توطين الصناعة العسكرية، مشيرا إلى أن الزيارة الأخيرة للسعيد شنقريحة، رئيس أركان الجيش الجزائري إلى الصين تدخل في إطار هذه المنافسة الإقليمية.
وأبرز المتحدث ذاته، أن زيارة قائد الجيش الجزائري ركزت على مساعدة الصين للجزائر في صناعة الطائرات العسكرية بدون طيار، وذلك بعدما علمت الجارة الشرقية أن المغرب قريب من الانطلاق في عملية صناعة “الدرونات” الحربية، معتبرا أن ذلك يدخل في باب التنافس والنفوذ سواءً بشمال إفريقيا أو بمنطقة الساحل الإفريقي.
وأضاف أن التنافس بين البلدين تجاوز اليوم شراء أهم التكنولوجيا العسكرية إلى مجال توطين صناعة الأسلحة، مبرزا أن الجزائر تحاول عدم جعل المغرب يتحرك بحرية في هذا الإطار، وتسعى إلى خلق صناعة عسكرية في نفس المجال الذي شرعت المملكة المغربية في التوجه نحوه.

