كشف تقرير “مؤشر التحول لسنة 2026” الصادر عن مؤسسة “برتلسمان” عن وجود فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي حول الديمقراطية واقتصاد السوق، وبين الممارسة الفعلية، مبرزا أن النظام السياسي ما يزال ذا طابع استبدادي، وأن الاقتصاد يعاني من الريع وتضارب المصالح، في ظل استمرار الفقر والبطالة وضعف الحكامة.
وأظهر التقرير تراجع المغرب إلى المرتبة 91 من أصل 137 دولة، بنقطة 4.4 من 10، مع تسجيل أداء متواضع في مؤشرات التحول السياسي والاقتصادي وجودة الحكامة، ما يعكس بطء وتيرة الإصلاحات.
وصف التقرير المشهد السياسي بأنه قائم على مركزية قوية للسلطة بيد المؤسسة الملكية، مقابل ضعف الأحزاب والمؤسسات المنتخبة، التي تعاني من فقدان الثقة بسبب محدودية استقلاليتها وتزايد الانتقادات المرتبطة بالفساد.
ولاحظ أن الانتخابات لا تؤدي في الغالب إلى تغييرات سياسية ملموسة، ما يكرس حالة الإحباط لدى المواطنين، خاصة الشباب، ويدفع نحو عزوف سياسي متزايد وانخراط أكبر في أشكال الاحتجاج خارج القنوات الرسمية.
وأكد أن تركيز السلط في يد الملك يشمل السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، إلى جانب إشرافه على ملفات السيادة، وهو ما يحد من فعالية المؤسسات المنتخبة ويجعل دورها محدودا في صناعة القرار.
وأشار إلى أن جهود اللامركزية وتعزيز المساءلة تظل محدودة الأثر، في ظل غياب مؤسسات قوية ومستقلة، مما يجعل مسار الإصلاح أقرب إلى الطابع الشكلي منه إلى التحول الجوهري.
وسجل التقرير تعثر الأحزاب السياسية في التأثير الفعلي، مع اعتبار بعض أحزاب الأغلبية غير مطالبة بإصلاحات عميقة، في حين يواجه حزب العدالة والتنمية تراجعا في المصداقية، وسط تشتت أحزاب اليسار.
ولفت إلى أن الفعل السياسي بات ينتقل تدريجيا خارج الإطار الحزبي، حيث يفضل الشباب الحركات الاحتجاجية والمشاركة غير النظامية، مقابل ضعف المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية.
وأبرز أن الحقوق والحريات، رغم ضمانها دستوريا، تواجه قيودا على أرض الواقع، مع تسجيل تضييق على منظمات حقوق الإنسان، ومتابعات في حق الصحافيين والنشطاء، ما ينعكس على حرية التعبير ويدفع نحو الرقابة الذاتية.
وأضاف أن الإفراج عن بعض الصحافيين لا يعكس، وفق التقرير، تحولا حقيقيا، في ظل استمرار اعتقال نشطاء آخرين، واستعمال القضاء في مواجهة المعارضين، ما يثير تساؤلات حول استقلاليته.
وسجل استمرار تفشي الفساد رغم وجود ترسانة قانونية، نتيجة ضعف آليات المحاسبة، واستمرار تداخل المصالح بين الفاعلين السياسيين والاقتصاديين، مما يحد من ثقة المواطنين في المؤسسات.
ورغم ذلك، أشار التقرير إلى قدرة النظام على احتواء التوترات الاجتماعية والسياسية، مستندا إلى نفوذ مؤسساتي ورمزي يساهم في الحفاظ على الاستقرار.
أفاد التقرير بأن الاقتصاد المغربي يعاني من ممارسات احتكارية، وهيمنة الدولة على قطاعات استراتيجية، إلى جانب انتشار اقتصاد الريع، وضعف العدالة في توزيع الثروة، واستمرار مظاهر الفقر والهشاشة.
ونبه إلى أن تداخل السلطة السياسية بالمصالح الاقتصادية يعزز تضارب المصالح، في ظل حضور فاعلين نافذين في دوائر القرار، ما يؤثر على شفافية السوق.
وسجل ضعف المنافسة وارتفاع معدلات البطالة، خصوصا في صفوف الشباب، مع تدني الأجور واستمرار التفاوتات الاجتماعية، إضافة إلى هشاشة الاقتصاد أمام التقلبات المناخية.
وأشار إلى معاناة المناطق القروية من العزلة وضعف البنيات التحتية، ما يحد من فرص التنمية ويعمق الفوارق المجالية.
ولفت إلى استمرار الإشكالات المرتبطة بحق الملكية، من خلال حالات نزع الملكية والتعويض غير الكافي، بما يؤثر على الفئات الهشة.
وفي المقابل، سجل التقرير بعض المؤشرات الإيجابية، من بينها تعزيز الانفتاح التجاري، وتطور قطاع السيارات، وتحسن أداء القطاع البنكي، إلى جانب تراجع عجز الميزان التجاري بفضل الصادرات والتحويلات.
أبرز التقرير أن تنفيذ السياسات العمومية يواجه صعوبات، رغم وضوح التوجهات الاستراتيجية، بسبب البيروقراطية وضعف التنسيق ونقص الموارد.
واستشهد بعدد من النماذج، منها مشاريع كبرى لم تحقق أهدافها بالكامل، أو لم يتم تصحيح اختلالاتها، إلى جانب ضعف تطبيق بعض القوانين على أرض الواقع.
وسجل محدودية نتائج إصلاحات قطاع التعليم، بسبب الاكتظاظ وضعف التكوين وعدم ملاءمة المخرجات مع سوق الشغل، ما يساهم في ارتفاع بطالة الشباب.
وأكد أن الفساد والمحسوبية يعرقلان التنمية، في ظل هيمنة القرار المركزي وضعف آليات التقييم، وغياب ثقافة المحاسبة.
وأشار إلى استمرار اختلالات الإدارة العمومية، المرتبطة بعدم الكفاءة وتأثير الولاءات في التعيينات، رغم بعض محاولات الإصلاح.
وانتقد ضعف تفعيل آليات مكافحة الفساد، وعدم احترام بعض القوانين المرتبطة بالحكامة، إلى جانب عدم تفعيل توصيات المؤسسات الرقابية، مما يحد من فعالية الإصلاحات.

