اُثار التقرير العالمي حول التنمية البشرية لـ 2024-2023، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية، نقاشا مستفيضا بالمغرب رغم ارتقائه في هذا التصنيف العالمي بثلاث رتب؛ حيث انتقل من المركز 123 إلى 120 بمؤشر بلغ 0.698، إذ تركز هذا الجدل حول تفوق عديد البلدان الإفريقية والعربية التي تشهد حروبا وأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية على الرباط، وهو ما يطرح تساؤلات عديدة عن أسباب هذا الخلل وانعكاسات هذا المؤشر على الواقع، والحلول الممكنة لتجاوز الإشكاليات المطروحة.
♦ مؤشر التنمية وتصنيف المغرب
يعد مؤشر التنمية البشرية (Human Development Index) المعروف اختصارا بـ “HDI” مركبا إحصائيا لمتوسط العمر المتوقع، والتعليم (متوسط سنوات الدراسة المكتملة والسنوات المتوقعة من الدراسة عند الدخول في نظام التعليم)، ومؤشرات دخل الفرد، والتي تُستخدم لتصنيف البلدان إلى أربعة مستويات للتنمية البشرية.
ويصدر مؤشر التنمية البشرية عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سنويا من ضمن تقرير التنمية البشرية، وهو مؤشر مركب يعبر عن مستوى رفاهية الشعوب في العالم من خلال ثلاثة أبعاد (الصحة والمعرفة ومستوى المعيشة)، والتي تتمثل في أربع مؤشرات؛ وهي العمر المأمول عند الولادة، والعدد المتوقع، ومتوسط سنوات الدراسة، ونصيب الفرد من الناتج الإجمالي.
ويقيس التقرير 193 دولة بناءً على بيانات إحصائية ويوفر ترتيب ونتيجة من 0 إلى 1 (0=الأسوأ، 1=الأفضل) على المؤشر العام فقط (لا يوفر ترتيب أو نتيجة على مستوى المؤشرات).
وظل المغرب بالرغم من تقدمه بثلاث مراتب متأخرا على عديد البلدان العربية والإفريقية التي تعيش أوضاعا صعبة على كافة المستويات وأزمات مرتبطة بمختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث تفوقت كل من فلسطين (111) ولبنان (109) وليبيا (92) والجزائر (93) وتونس (101) وسيشيل (67) وموريشيوس (72) ومصر (105) وجنوب إفريقيا (110) وبوتسوانا (114) على المغرب؛ الذي لم يستطع على المستويين المغاربي وشمال إفريقيا التقدم إلا على موريتانيا (164) في مؤشر التنمية البشرية.
وتشير البيانات الرسمية في المغرب، إلى أن أمل الحياة عند الولادة المعبر عن مستوى الخدمات الصحية يبلغ 75 سنة ببلادنا، فيما مؤشر معدل السنوات التي يقضيها كل مواطن في التعليم فلا تتجاوز عتبة ست سنوات أي المستوى الابتدائي، أما حصة الفرد من الناتج الداخلي الإجمالي؛ فيصل نصيب كل مغربي إلى 8 آلاف دولار سنويا.
♦ دلالات وانعكاسات المؤشر
يرى عمر الكتاني، المحلل والخبير الاقتصادي، في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا التقدم الحاصل للمغرب في مؤشر التنمية البشرية يبقى إيجابيا على العموم، لافتا إلى أن نسبية التغير بثلاث نقاط فوق الرتبة 100 يعد أمرا متواضعا بالنسبة لبلادنا في ظل الإمكانيات التي تزخر بها.
وأضاف الكتاني أن هذا المؤشر لا يتناسب واستقلال المغرب منذ ما يزيد عن 60 عاما، معتبرا أن هذا التقدم بالنسبة لبلد يشهد الاستقرار والأمان منذ عقود لا يعد كافيا، مشيرا إلى أن المغرب خلال 30 سنة الأخيرة لو اشتغل بشكل صحيح في هذا الجانب لا كان بإمكانه الارتقاء لتصنيف أفضل.
وأرجع المحلل والخبير الاقتصادي، عدم حدوث تقدم بارز في مؤشر التنمية البشرية للمغرب إلى التقسيم الذي يضعه اليوم، والمتمثل في وجود فئتين؛ أولاها متعلمة وتعيش غالبيتها بالمدن، وثانيها غير متمدرسة وتتموقع بالأرياف والقرى أساسا.
وأبرز أن نسبة سكان البادية كانت خلال الأمس القريب تشكل 60 % لتصبح الآن 40 %، مشيرا إلى أن هذه الفئة تعد خارج التغطية التعليمية الجامعية والتكوين المهني، إلى جانب كون المنتسبين لها يشتغلون فقط بالمعرفة والخبرات التي يكتسبونها من آبائهم وأمهاتهم، وتحديدا في قطاع الفلاحة.
واستطرد أن 40 % من المغاربة وفق ما سبق يرتبط إنتاجهم بتساقط الأمطار، لكونهم يفتقدون للعلم ويقتصر عملهم على الاشتغال في الفلاحة، لافتا إلى أن الدولة تربط التنمية في البادية بشكل تلقائي بالإصلاح الفلاحي، ولا تشير في ذلك إلى تطوير المجال الترابي ذات الطابع الريفي، الذي يعني القيام بإصلاحات على مستوى كافة المجالات، وفي مقدمتها التعليم.
الأزمة المائية بالمغرب ..هل تؤدي البلاد فاتورة غياب عقلنة تدبير الموارد؟
ولفت إلى أن المغرب يضيع عليه بسبب ما سبق ذكره حوالي 40 نقطة فيما يخص الموارد البشرية، مشيرا إلى أن حصول 40 % من سكان البادية على مستوى تعليمي يصل للبكالوريا سيغير الكثير في تصنيف المملكة بمؤشر التنمية وستكون له نتائج إيجابية اجتماعيا واقتصاديا.
وتابع أن الدول المتقدمة أو الساعية لذلك من المفروض أن تكون نسبة المتعلمين بها تتراوح ما بين 85 % و90 %، معتبرا أن المغرب في هذا الجانب بعيد كل البعد عن بلوغ هذا الرقم الذي يعد أداة ومفتاحا لإقلاع الدول وتحقيق التنمية المنشودة بها.
واعتبر أن التأخر الذي يشهده المغرب على مستوى التنمية لم يأتي صدفة بل كان نتيجة توجه الحكومات منذ مرحلة ما بعد الاستقلال ولحدود الآن، حيث ظل المسؤولون يحصرون البادية في الفلاحة فقط، والمدينة في النشاطات الصناعية والتجارية المختلفة.
وأردف أن تأثير هذه التفرقة انعكس سلبا على البلاد خلال سنوات الجفاف الأخيرة، مشيرا إلى أن إنتاج القمح الذي لا يتجاوز 30 % من حاجيات المغرب، والذي يكفي نسبيا لسد رمق منتجيه من الفلاحين، ولا يساهم في التنمية الاقتصادية بشكل عام، موضحا أن فاجعة زلزال الحوز أثبتت أن ساكنة هذه المنطقة ينتمون للريف المهمش.
♦ الحلول المطروحة
شدد عمر الكتاني على ضرورة تغيير النظرة القائمة على توارث المهن الفلاحية بالقرى، وتوفير الإمكانيات والظروف والتحصيل العلمي اللازم من أجل أن يصبح أبناء الفلاحين أطباء ومهندسين، وليس بالضرورة أن يمارسوا العمل الذي وجدوا عليه آباءهم، مبرزا أن ذلك يلزمه سياسات عمومية واضحة وناجعة.
واستطرد أنه على الدولة الاهتمام أكثر بالمجال الترابي القروي وساكنته، ولاسيما فئة النساء اللاتي تستشري فيهن الأمية، موضحا أن المرأة في حالة تعلمها فهي ستساهم بشكل مباشر في محاربة الجهل بالريف عن طريق حرصها على تلقي أبنائها التعليم اللازم وضمان تفوقهم الدراسي، وبالتالي تفادي إعادة إنتاج الفقر السائد بالبادية.
وأوضح المتحدث ذاته، أن وضع الحكومة لسياسات عمومية فعالة في هذا الإطار، من شأنه إيقاف زحف الهجرة المتواصل منذ عقود في المغرب من القرى نحو المدن، التي تتراوح ما بين 100 ألف و150 ألف شخص سنويا.
تنظيم “كان 2025” بالمغرب.. ماهي المكاسب التي ستجنيها المملكة؟
وأبرز أن إحداث تغيير حقيقي بالبوادي على مستوى التعليم والصحة والشغل وغير ذلك؛ من شأنه أن ينهي المشاكل التي يعيشها المغرب على كافة المستويات، موضحا أن الإشكاليات التي تعرفها المدن الكبرى ببلادنا سببها القرية، التي تفتقد منذ الاستقلال لمرتكزات العيش الكريم والتأهيل والتكوين العلمي لساكنتها، ما يؤدي لتصديرها الفقر والانحراف إلى المدينة، وذلك نتيجة الجهل المستشري في الريف.
وأردف أن تحقيق التنمية بالبوادي ستستفيد منه البلد كثيرا، وسيخفف الأعباء المالية على الدولة، حيث أنها لن تضطر لبناء السجون والمحاكم والرفع من موظفيها بالأمن وغيرها من المؤسسات، من أجل التصدي لهذه الظواهر التي يعد مصدرها الأول القرية للأسف.
ولفت المحلل والخبير الاقتصادي إلى أن معالجة الإشكاليات التي تعرفها القرى يحتاج لاستراتيجية واضحة مبنية على تشخيص ميداني لهذه المناطق، وعدم الاكتفاء بطرح برامج لا ترتبط بالواقع المعيشي لساكنة البوادي، ولا تتجاوز كونها مجرد ذر للرماد في العيون مثلما يحدث اليوم.

