تسير العلاقات المغربية المصرية في منحى تصاعدي يؤشر على مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية، تتجاوز الطابع البروتوكولي التقليدي نحو تعاون ملموس يخدم المصالح المشتركة للبلدين. فقد بات واضحًا أن هناك إرادة سياسية متبادلة بين الرباط والقاهرة لإرساء نموذج من العلاقات الثنائية المتوازنة، المبنية على التكامل الاقتصادي والتنسيق السياسي.
وتُعد الزيارات الرسمية المتبادلة في الأشهر الأخيرة، سواء على مستوى وزراء الخارجية أو التجارة، دليلاً ملموسًا على هذا التحول. كما يشكل الاتفاق الذي تم التوصل إليه في فبراير 2025 لتيسير التبادل التجاري ونفاذ الاستثمارات، خطوة عملية في اتجاه تعزيز الحضور الاقتصادي المتبادل.
في المقابل، يشكل دعم مصر الواضح مؤخرًا للوحدة الترابية للمغرب بخصوص قضية الصحراء، مؤشرًا مهمًا على تغير إيجابي في الموقف المصري، قد يفتح آفاقًا أوسع للتنسيق السياسي، خصوصًا في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة.
♦تقارب مغربي–مصري يعيد رسم المحور العربي
قال المحلل السياسي المغربي محمد شقير، إن العلاقات المغربية المصرية تشهد اليوم مرحلة دقيقة تتقاطع فيها الاعتبارات الجيوسياسية مع الحسابات الاقتصادية، مشددًا على أن هذا التقارب الثنائي هو ثمرة تحولات أعمق تشهدها المنطقة العربية في اتجاه إعادة بناء محور عربي متوازن، قادر على التأثير الإيجابي في الملفات الإقليمية والدفاع عن المصالح المشتركة للدول.
وفي تصريح لجريدة “شفاف”، أوضح شقير أن السياق الإقليمي والدولي يدفع في اتجاه بلورة علاقات جديدة تقوم على البراغماتية والتقارب العقلاني، بدل الاستقطاب الإيديولوجي الذي طبع العلاقات العربية في فترات سابقة.
وقال المتحدث إن ما نتابعه اليوم من تطورات في العلاقات المغربية المصرية، سواء من خلال اللقاءات الرسمية المتكررة أو الاتفاقيات الاقتصادية الموقعة، هو انعكاس لنضج سياسي لدى الطرفين، ووعي متقدم بأهمية توحيد الجهود في ظل التحديات التي تواجه العالم العربي.
وأشار شقير إلى أن هذا التقارب لا يمكن عزله عن المسارات الكبرى التي يقودها المغرب بقيادة جلالة الملك محمد السادس، سواء على المستوى الإفريقي أو في محيطه المتوسطي والعربي، إذ أن المغرب بات يعتمد على دبلوماسية متكاملة الأبعاد، تقوم على الحضور الاقتصادي والثقافي والديني، وتتجاوز منطق العلاقات التقليدية إلى هندسة شراكات استراتيجية، كما هو الحال مع مصر، التي تعتبر دولة محورية ومركزية في المشرق العربي.
وأكد المحلل السياسي أن القاهرة والرباط تتقاطعان في العديد من القضايا الإقليمية، بما فيها وحدة الدول، ومحاربة الإرهاب، ودعم الاستقرار، وهو ما يجعل من التقارب بينهما أكثر من مجرد تنسيق ثنائي، بل قاعدة صلبة لبناء محور عربي عقلاني يوازن بين القضايا الوطنية والمصالح الاقتصادية والتحديات الأمنية المشتركة.
وأضاف أن هذا ما يفسر، من وجهة نظره، الدعم المصري الصريح للوحدة الترابية للمغرب، وموقفها الواضح من مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلاً واقعياً وذا مصداقية، في انسجام مع قرارات مجلس الأمن الدولي.
♦شراكة مغربية–مصرية لتكريس تعاون اقتصادي مستدام
وحول الخطوات الاقتصادية الأخيرة بين المغرب ومصر، اعتبر شقير أن تفعيل آليات التعاون الاقتصادي بين البلدين، لاسيما في مجالات التبادل التجاري والاستثمار والبنيات التحتية، يعكس تحولاً نوعياً في علاقاتهما، ويمثل ترجمة فعلية للرغبة السياسية في تعميق الروابط الثنائية.
وأبرز أن فتح السوق المغربية أمام المستثمرين المصريين، كما الانفتاح المصري على المنتجات المغربية، هو مدخل أساسي لإعادة التوازن إلى المبادلات الاقتصادية التي ظلت ضعيفة مقارنة بحجم وإمكانات البلدين.
كما توقف شقير عند دلالة إعلان وزير الخارجية المصري استعداد بلاده للمساهمة في مشاريع البنية التحتية التي يستعد المغرب لتنفيذها في إطار تنظيم كأس العالم 2030، معتبراً أن ذلك يعكس وعياً مصرياً بفرص التعاون جنوب-جنوب، وخصوصاً في المجالات المرتبطة بالبناء، واللوجستيك، والسياحة، والطاقات المتجددة.
وشدد المتحدث على أن استثمار هذا الزخم يتطلب تعزيز الإطار المؤسساتي للعلاقات الثنائية، وذلك عبر تفعيل اللجنة المشتركة العليا، وتنظيم لقاءات منتظمة بين الفاعلين الاقتصاديين، والانفتاح على المبادرات الثقافية والأكاديمية التي من شأنها ترسيخ الوعي الجماعي بأهمية التقارب بين شعبي البلدين. وأكد أن التحدي ليس في التقارب بين القيادات السياسية، بل في بناء شبكة من العلاقات المستدامة تشمل رجال الأعمال، والمجتمع المدني، والنخب الثقافية، حتى تصبح العلاقة المغربية المصرية نموذجاً حياً للتعاون العربي.
♦الرباط والقاهرة في قلب تحولات عربية داعمة للسيادة والوحدة
وفي سياق متصل، أشار شقير إلى أن هذا التحول لا ينفصل عن مناخ عربي متغير، بدأ يُفرز مواقف أكثر انسجامًا مع قضايا السيادة، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية، والتصدي لنزعات الانفصال، موضحًا أن موقف مصر الداعم للوحدة الترابية للمغرب ليس فقط موقف تضامني، بل يعكس إدراكاً استراتيجياً بأن المس بالسيادة الوطنية للدول العربية هو خطر يهدد الجميع.
وقال إن هذا الإدراك يتقاطع مع التحول الذي تشهده مواقف العديد من الدول العربية، كما حصل مؤخرًا مع سوريا بعد إغلاق ما يسمى بمكتب البوليساريو على أراضيها.
وأضاف شقير أن المغرب ظل لعقود يشتغل على تعزيز ثقافة احترام السيادة الوطنية في المنطقة، ليس فقط من خلال ملف الصحراء، بل أيضاً في مواقفه الثابتة من قضايا الدول العربية الأخرى، حيث دافع دائماً عن وحدة الدول العربية، ورفض مشاريع التقسيم أو التدخل الخارجي.
وأوضح أن هذا الموقف ساهم في ترسيخ صورة إيجابية للمغرب في الساحة العربية، وساعد على توسيع دائرة الدول الداعمة لوحدته الترابية.
وأكد محمد شقير أن المرحلة الراهنة تمثل لحظة تاريخية لإعادة بناء علاقات عربية تقوم على التفاهم والتكامل، مشيراً إلى أن المغرب ومصر مؤهلان للعب دور أساسي في هذا التحول، بحكم ما يجمعهما من تاريخ طويل وتجربة مؤسساتية وحنكة دبلوماسية.
وشدد على أن الرهان الحقيقي يتمثل في تحويل هذا التقارب السياسي والدبلوماسي إلى مشاريع ملموسة تعود بالنفع على شعبي البلدين، وتُسهم في تعزيز الاستقرار السياسي والاندماج الاقتصادي في الفضاء العربي.
واعتبر شقير أن الرؤية الملكية المغربية التي ترتكز على تنويع الشراكات وتعزيز التعاون جنوب-جنوب، تلتقي اليوم مع مقاربة مصرية قائمة على إعادة تموقع القاهرة كفاعل إقليمي متوازن، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية، تتجاوز الشعارات إلى الفعل، وتُكرس المغرب ومصر كقاطرتين للتعاون الإقليمي البناء.أكثر مع الرباط، وليس مع دول أخرى تعيش عزلة سياسية، ولا تملك نفس المقومات الجيوستراتيجية أو العلاقات الدولية المستقرة التي يتمتع بها المغرب.
كما شدد على أن نجاح هذه الدينامية الثنائية الجديدة مرهون بمدى قدرة البلدين على تفعيل الاتفاقيات القائمة، ومعالجة النقاط العالقة بمرونة، والانخراط في مشاريع تكاملية ذات بعد استراتيجي، تُسهم في تعزيز الأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة المغاربية والعربية بشكل أوسع.

