وسط تجاذبات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة، يبرز المغرب كاستثناء إيجابي في منطقة المغرب العربي، التي تواجه تحديات متنامية بسبب الأزمات العالمية والإقليمية، وذلك رغم تفاقم الاختلالات السياسية والاقتصادية في جواره الإقليمي.
واستطاع المغرب أن يحافظ على استقراره الداخلي، ويواصل تعزيز شراكاته الاستراتيجية، خاصة مع الاتحاد الأوروبي، مستفيدًا من مقاربته البراغماتية وقدرته على تكييف سياساته الخارجية مع التحولات الدولية.
وفي هذا السياق، يكشف تقرير نشرته مجلة “أتالايار” الإسبانية، عن تعقيدات الوضع في المنطقة المغاربية، مسلطًا الضوء على عوامل التأزم الإقليمي.
♦ أزمة تجارية جديدة
يبرز تقرير “أتالايار”، أن الأزمة التجارية العالمية، التي فجرها قرار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية واسعة النطاق، أدت إلى تفاقم حالة الارتباك الاقتصادي في دول المغرب العربي.
ورغم أن التأثير المباشر للأزمة كان محدودًا في البداية، إلا أن تداعياتها غير المباشرة قد تكون أشد وقعًا، خاصة إذا ما انزلقت أوروبا، الشريك الاقتصادي الأول لدول المنطقة، إلى ركود اقتصادي.
وتوضح المجلة أن اتحاد المغرب العربي، الذي تأسس سنة 1989 بهدف إنشاء سوق مشتركة بين دوله الخمس، ظل حلمًا بعيد المنال، إذ تفاوضت معظم الدول الأعضاء منفردة مع الاتحاد الأوروبي بشأن اتفاقيات الشراكة، مما عمّق الانقسامات الداخلية، وترك المنطقة دون أي تنسيق اقتصادي فعال.
ووفق المصدر ذاته، فإن الخبراء يقدرون كلفة “اللا اتحاد المغاربي” بخسائر بمليارات الدولارات ونسب نمو مهمة ضائعة من الناتج المحلي الإجمالي.
♦ نزاع الصحراء وتأثيره
يُعتبر النزاع حول الصحراء المغربية عاملًا رئيسيًا في تفتيت المغرب العربي، وفق ما تؤكده “أتالايار”، إذ تتسبب معارضة الجزائر المستمرة للوحدة الترابية للمغرب في سد أفق التعاون الإقليمي، وسط تزايد العزلة الجزائرية وتعنتها السياسي.
ولولا هذا النزاع المفتعل، يرى الخبراء أنه لكان بالإمكان بناء تكتل إقليمي قوي يواجه التحديات الاقتصادية العالمية بتماسك أكبر.
ومع استمرار إغلاق الحدود البرية بين المغرب والجزائر، وغياب شبكة نقل إقليمي فعالة، أصبح التبادل التجاري بين دول المغرب العربي شبه معدوم، باستثناء الأنشطة التجارية غير الرسمية العابرة للحدود.
وأشارت المجلة الإسبانية، إلى أن هذا الجمود الاقتصادي يسهم في مزيد من إضعاف الاقتصادات المحلية، ويُفقد المنطقة قدرتها التنافسية على الساحة الدولية.
♦ تهديدات أمنية متفاقمة
في حين تمكنت تونس والجزائر وليبيا نسبيًا من احتواء التهديدات الإرهابية العابرة للحدود، فإن المخاطر الأمنية تحولت جنوبًا نحو منطقة الساحل والصحراء.
وتكشف التطورات الأخيرة عن ازدياد التوترات بين الجزائر ودول الساحل مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، خاصة بعد حادثة إسقاط الجزائر لطائرة مسيّرة مالية بالقرب من الحدود، مما أدى إلى غلق الحدود الجوية والبرية بين الجزائر وهذه الدول.
وزار وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف تونس محذرًا من أن الوضع الإقليمي والقاري “لا يبشر بالخير”، موجهًا انتقادات للسياسات الأحادية والحروب الدائرة، لاسيما في غزة.
التقارب الجزائري-الفرنسي والأزمة مع ثلاثي الساحل.. قراءة استراتيجية في ظل النفوذ المغربي المتزايد
غير أن المجلة ترى أن تصريحات عطاف تخفي القلق الجزائري المتزايد من التحولات الجيوسياسية في الساحل، ومن الانقسامات الإقليمية التي باتت تعمق عزلة الجزائر.
وتشير “أتالايار” إلى أن تدفقات الهجرة غير النظامية القادمة من منطقة الساحل والصحراء باتت عبئًا ثقيلًا على دول المغرب العربي.
وأوضحت أنه يعبر عشرات الآلاف من المهاجرين الحدود الهشة للمنطقة، متجهين نحو السواحل الأوروبية، مما فاقم أزمات اجتماعية وأمنية خاصة في تونس وليبيا، وهدد الاستقرار الداخلي.
وتطرقت المجلة إلى الانقلابات العسكرية الأخيرة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، والتي أسفرت عن تشكيل أنظمة عسكرية توجد في صراع متزايد مع الجزائر، مقابل تقاربها مع روسيا وتركيا.
قاعدة عسكرية في جنوب الصحراء.. هل يعيد المغرب رسم خريطة الأمن في الساحل؟
وترى أن هذا التحول قد يُقحم دول المغرب العربي في نزاعات مسلحة جنوب حدودها إذا لم يتم التعامل مع الموقف بحذر شديد.
ووسط هذا المشهد المتأزم، تؤكد المجلة أن غياب التنسيق بين دول المغرب العربي يجعلها عاجزة عن التصدي الجماعي للأزمات، سواء في ملف الهجرة أو مكافحة التهديدات الأمنية.
ولفتت إلى أن بلدان المغرب العربي بدل أن توحّدها التحديات المشتركة، تدفعها الانقسامات السياسية القديمة إلى المزيد من الضعف والتفكك.
♦ المغرب.. الاستثناء الإيجابي
في ختام تقريرها، تبرز “أتالايار” أن المغرب، بفضل مقاربته البراغماتية واستراتيجيته المتعددة الأبعاد، يظل في موقع أفضل مقارنة بجيرانه.
وذكرت أن الرباط عملت على تحصين أمنها القومي، تنويع شراكاتها الاقتصادية، وتعزيز حضورها في إفريقيا، مستفيدًة من تحولات النظام الدولي لتعزيز موقعه الإقليمي والدولي.
المبادرة الأطلسية.. ما هي الأهداف والمكاسب وما سر غياب موريتانيا والسنغال عن اجتماع مراكش؟
وأردفت أنه بينما يغرق المغرب العربي في مزيد من الانقسامات والأزمات، يظل المغرب نموذجًا للإرادة السياسية الرشيدة، المنفتحة على آفاق الشراكة الإقليمية والدولية.
وأوضحت أنه في ظل الحاجة الملحة لإحياء مشروع اتحاد المغرب العربي، يبدو أن الطريق يمر عبر مبادرات شجاعة تتجاوز الحسابات الضيقة، وتعيد صياغة مستقبل المنطقة على أسس التعاون والاندماج الحقيقي.

