أصدر صاحب الجلالة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، تعليماته السامية، أمس الأربعاء، بإرسال مساعدات إنسانية وطبية عاجلة لفائدة الشعب الفلسطيني، ولاسيما سكان قطاع غزة الذين يعانون ظروفًا صعبة جراء الأحداث المتصاعدة في المنطقة.
وتشمل هذه المساعدات، التي تبلغ نحو 180 طناً من المواد الأساسية، مواد غذائية وأدوية ومعدات جراحية، إضافة إلى تجهيزات أخرى تهدف إلى التخفيف من معاناة المدنيين، خاصة الفئات الأكثر هشاشة من أطفال ونساء ومرضى.
وقد جرى تنظيم إرسال هذه المساعدات عبر مسار خاص ومباشر يضمن إيصالها بسرعة وأمان إلى المستفيدين، في خطوة تعكس حرص المغرب على تقديم دعم ملموس وفعّال في ظل الأزمة الإنسانية التي تمر بها فلسطين، كما جاء في البلاغ الصادر عن وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج.
♦المغرب يدعم غزة ميدانيًا
عبر الأستاذ مشيج القرقري عن اعتزازه بالمبادرة الإنسانية التي أطلقها الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، والمتمثلة في إرسال مساعدات إنسانية عاجلة إلى الشعب الفلسطيني، وبالأخص إلى سكان قطاع غزة، معتبرا أن هذا التدخل يعكس التزامًا راسخًا من المغرب، ملكًا وشعبًا، بالدفاع عن القضية الفلسطينية، مؤكّدًا أن سرعة الاستجابة ونجاعة التنفيذ تميّزتا عن أغلب المبادرات الإقليمية والدولية.
ولفت القرقري في تصريح لجريدة “شفاف”، إلى أن هذه المساعدة، التي ناهزت 180 طناً من المواد الغذائية والدوائية والمستلزمات الطبية والخيام، لم تكن فقط رمزية أو إعلامية، بل تم تنفيذها عبر مسار بري خاص، ضامن لوصول الإعانات بشكل مباشر وآمن إلى المستفيدين، خلافًا لما قامت به بعض الدول التي اختارت الإسقاط الجوي للمساعدات، رغم ما تحمله هذه الوسيلة من أخطار كبيرة على المدنيين المحاصرين.
وأبرز القرقري أن الاختيار المغربي لا يمكن فصله عن فلسفة التدخل الإنساني الميداني التي ترسخت منذ سنوات في أداء المملكة، والتي تتجاوز الطابع الموسمي أو الظرفي، مشيرًا إلى أن المغرب سبق له أن أرسل مساعدات إنسانية مباشرة منذ اندلاع العدوان على غزة في 7 أكتوبر، وهي مساعدات وصلت فعليًا إلى الأرض، في وقت لم تتمكن فيه بعض القوى الإقليمية، رغم امتلاكها منافذ برية وبحرية، من تحقيق نفس النتيجة.
واعتبر القرقري أن ما قامت به المملكة يرسّخ مجددًا “قوة المغرب الناعمة”، المتمثلة في الدبلوماسية الإنسانية، والتي يقودها العاهل المغربي بشكل شخصي، مضيفا إلى إن هذا التوجه يعكس إيمانًا سياسيًا وأخلاقيًا راسخًا بعدالة القضية الفلسطينية، ودعماً لا مشروطًا للشعب الفلسطيني في معاناته، بعيدًا عن أية حسابات ظرفية أو مقايضات سياسية.
♦دبلوماسية متوازنة وأداء ميداني منتظم
وفي تحليله لبنية التدخل المغربي، أشار القرقري إلى الدور الحيوي الذي تلعبه وكالة بيت مال القدس الشريف، باعتبارها ذراعًا تنفيذية للدعم المغربي في الأراضي الفلسطينية.
واستحضر القرقري الأثر البالغ لطرد وكالة “الأونروا” من قطاع غزة، معتبرًا أن غياب هذا الفاعل الإنساني الدولي أحدث فراغًا لوجستيًا خطيرًا على مستوى إيصال الإغاثة.
وبحسب المتحدث، المغرب تمكن رغم هذا المعطى من التحرك بشكل مستقل وفعّال، معتمدًا على إمكانياته الذاتية وقنواته الدبلوماسية الخاصة، ما يعزز صورته كفاعل موثوق ومتزن على الساحة الإقليمية.
وصرح القرقري أن المبادرة الملكية لا تقتصر على التضامن الرمزي، بل تجسد ممارسة فعلية للدبلوماسية الإنسانية، تمكنت من تجاوز التعقيدات السياسية والقيود الميدانية التي عرقلت تحرك منظمات أخرى.
واعتبر أن هذا الأداء ينم عن قدرة المغرب على التموقع كوسيط فعلي في قضايا المنطقة، ليس فقط لاعتبارات تاريخية أو رمزية، بل بفضل امتلاكه لرؤية متكاملة، تتقاطع فيها السياسة مع الأخلاق ومع الالتزام الإنساني.
كما نوه القرقري بالموقف الشعبي المغربي، مشيرًا إلى أن تمسك المواطنين المغاربة بالقضية الفلسطينية ظل راسخًا، ويجد صداه في سياسات الدولة وتوجيهات القيادة العليا.
وقال إن هذا الارتباط الشعبي يعزز مصداقية المبادرات الرسمية، ويجعل من المغرب نموذجًا متفردًا في الجمع بين المواقف السيادية والمساندة الشعبية لقضية عادلة بحجم القضية الفلسطينية.
♦المغرب بين الدعم والوساطة
شدد القرقري حول إمكانية مساهمة المغرب في الدفع نحو حل سياسي عادل للقضية الفلسطينية، على أن المملكة تظل من بين الدول العربية القليلة المؤهلة سياسيًا ودبلوماسيًا لتقريب وجهات النظر، موضحا أن هذا المعطى يكتسب راهنيته في ظل الانقسام العربي، وتصاعد الهجمة الإسرائيلية على المدنيين، والشلل التام الذي يطبع أداء المنتظم الدولي.
وأضاف القرقري أن الخطاب الأخير للملك محمد السادس تضمّن إشارات واضحة إلى ضرورة تمتين الجبهة الداخلية، وبناء مجتمع متماسك، تحكمه القيم الإنسانية، معتبرا أن هذه الرؤية تنسحب أيضًا على المواقف الدولية للمغرب، خاصة تلك المتعلقة بالعدالة الدولية وحقوق الشعوب المضطهدة، مشيرًا إلى أن المغرب لا يكتفي بإصدار بيانات إدانة، بل يجسّد مواقفه من خلال أفعال ميدانية، ومبادرات واقعية، ووساطات دبلوماسية ذات طابع مؤسساتي وأخلاقي.
وتوقف القرقري عند الدينامية السياسية الجديدة التي خلقتها جرائم الاحتلال في غزة، مشيرًا إلى أن وحشية الحرب دفعت عددًا من الدول الأوروبية إلى مراجعة مواقفها التاريخية، كما هو الحال مع إسبانيا وفرنسا وبريطانيا، التي أصبحت تفكر جدياً في الاعتراف بالدولة الفلسطينية، معتبرا أن هذه اللحظة تمثل فرصة استراتيجية للمغرب من أجل تفعيل دبلوماسيته متعددة المستويات – ملكية، رسمية، حزبية – للضغط باتجاه تحقيق هذا التحول على أرض الواقع.
وخلص القرقري أن ما يجري في غزة هو حرب إبادة ممنهجة، تستهدف المدنيين بشكل مباشر، وأن المغرب، انطلاقًا من مرجعيته الحقوقية والإنسانية، لا يمكنه إلا أن يقف في صف الحق الفلسطيني. وأوضح أن “الحق في الحياة لا يحتمل التأجيل، وأن إقامة الدولة الفلسطينية لم تعد خيارًا تفاوضيًا، بل أصبحت ضرورة إنسانية وسياسية ملحة”.

