يُواصل المغرب تكريس حضوره في القارة الإفريقية من خلال توسيع شراكاته الثنائية ومتعددة الأطراف، مستندًا إلى مقاربة تنموية تقوم على الاستثمار في الإنسان والبنيات الأساسية.
وهذا الحضور لا يقتصر على البُعد الاقتصادي، بل يحمل أيضًا رهانات استراتيجية ترتبط بقضية الصحراء، خاصة بعد توالي الاعترافات الدولية بمغربية الإقليم.
وفي هذا السياق، تندرج اللقاءات الدبلوماسية المكثفة مع عدد من دول غرب إفريقيا، والتي تسعى الرباط من خلالها إلى ترسيخ مكانتها كشريك موثوق وقادر على قيادة مشاريع تنموية ذات بعد قاري. كما يعكس هذا التوجه رغبة المغرب في ترجمة الزخم السياسي إلى تعاون اقتصادي فعلي يعود بالنفع المتبادل.
وفي ظل المتغيرات الجيوسياسية الإقليمية، يُطرح سؤال جوهري حول قدرة هذا النموذج المغربي على إرساء تحالفات مستدامة تُبنى على مبدأ “رابح-رابح” وتخدم الأمن والاستقرار في إفريقيا.
♦ المغرب وتحالفات تنموية إفريقية
يرى الأستاذ محمد العابدة، المحلل السياسي وأستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، أن اللقاء الذي جمع وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة بنظيره الغامبي في الرباط، لا يشكّل حدثًا معزولًا، بل يندرج ضمن استراتيجية دبلوماسية منسجمة، تُكرّس التموقع المغربي كفاعل موثوق وشريك قارّي في غرب إفريقيا.
وأوضح في تصريح لجريدة “شفاف”، أن العلاقات المغربية-الغامبية تُعدّ “تحصيل حاصل”، بالنظر إلى متانتها واستقرارها، كما هو حال علاقات المغرب مع عدد من دول غرب إفريقيا، ككوت ديفوار، وبوركينا فاسو، ومالي، والنيجر، وغيرها من الدول التي لا تعارض مغربية الصحراء، وتحتفظ مع المغرب بتعاون سياسي واقتصادي وثيق.
وأكد المتحدث أن الحضور المغربي في إفريقيا ليس ظرفيًا أو حديث النشأة، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ طويل من التفاعل، يعود إلى ما قبل فترة الحماية، مضيفا أن المغرب كان من الدول المؤسسة لمنظمة الوحدة الإفريقية، وله رصيد دبلوماسي وميداني كبير في القارة، تجسد بعد استقلاله من خلال الدعم المتبادل، وتكثيف التعاون في قضايا التنمية، والتكوين، والبنية التحتية، وتوسيع الاستثمارات.
♦ الصحراء وتحولات الاعتراف الدولي
وتوقف العابدة عند الدينامية التي أعقبت الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، مشيرًا إلى أن هذا القرار شكل نقطة تحول بارزة في مسار النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.
وقال إن ذلك الاعتراف لم يكن حدثًا معزولًا، بل فتح الباب أمام سلسلة من الاعترافات الرسمية من دول أوروبية وازنة، من بينها فرنسا، وإسبانيا، وألمانيا، والبرتغال، إضافة إلى عشرات الدول من إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
واعتبر أن هذه التطورات تعكس انتقال ملف الصحراء من مربع الخلاف إلى مرحلة الحسم التدريجي، مستثنيًا الجزائر التي وصفها بالدولة “المتعنتة” و”الراعية السياسية والعسكرية لجبهة البوليساريو”، رغم تغير موازين القوى، واتساع دائرة الدعم الدولي لخيار الحكم الذاتي، الذي يطرحه المغرب كحل سياسي واقعي ومتوافق عليه، تحت السيادة المغربية.
وشدد العابدة على أن هذا الزخم السياسي لا ينبغي أن يظل حبيس الدبلوماسية والبيانات، بل يجب أن يُترجم إلى مسارات تنموية ملموسة، تعزز علاقات المغرب بدول غرب إفريقيا، وتكرّس دوره كقوة إفريقية مسؤولة، تتفاعل بندية مع محيطها، وتقدم نموذجًا شراكاتيًا قابلًا للتوسيع والتطوير.
♦ المبادرة الأطلسية ومشروع أنبوب الغاز… مؤشرات على رؤية متكاملة
أشار الأستاذ العابدة إلى أن المبادرة الملكية الخاصة بدول الأطلسي، تُعدّ واحدة من أبرز التوجهات الاستراتيجية للمغرب في القارة الإفريقية، لكونها تدمج بين التعاون الأمني، والتنسيق السياسي، والتحالف الاقتصادي.
وأوضح أن هذه المبادرة تعبّر عن رؤية شمولية، تتأسس على تقاسم المصالح، وإنتاج حلول من داخل القارة، بعيدًا عن التبعية للمساعدات الخارجية أو الإملاءات الجيوسياسية التقليدية.
وفي السياق ذاته، أبرز العابدة أهمية مشروع أنبوب الغاز النيجيري – المغربي، الذي سيمتد إلى أوروبا، ويشمل 13 دولة إفريقية، معتبرًا أن هذا المشروع لا يُمثل فقط رهانًا اقتصادياً، بل هو مبادرة سياسية عميقة، تنقل التعاون الإفريقي من مستوى التصريحات إلى مستوى البنيات التحتية الملموسة، وتُكرّس المغرب كممر استراتيجي للطاقة والتكامل الإقليمي.
ولفت إلى أن هذه المقاربة متعددة الأبعاد، إذ لا تنحصر في المجال الاقتصادي فقط، بل تشمل أيضًا السياسات الاجتماعية والتنموية، واستثمار رأس المال البشري، وخاصة فئة الشباب الإفريقي، معتبرا أن هذا الخيار المغربي يتجاوز مجرد توظيف القضية الوطنية في علاقاته، بل ينخرط فعليًا في مشاريع جماعية تخدم استقرار القارة ونموها.
♦ الاعتراف السياسي وتحدي التنمية
قال العابدة بخصوص إمكانات ترجمة الاعترافات السياسية إلى شراكات اقتصادية مربحة للطرفين، إن هذا هو التحدي الأساسي في المرحلة القادمة، إذ إن الرهانات اليوم لم تعد فقط سياسية، بل باتت تنموية.
وأوضح أن تحقيق الاستقرار السياسي هدفه النهائي هو بناء اقتصادات إفريقية قوية ومندمجة، قادرة على خلق فرص شغل، وضمان الأمن الغذائي، وتقوية قدرات المجتمعات المحلية.
وأكد العابدة أن المغرب يتوفر على كل المقومات للعب دور القاطرة داخل هذا التكتل الإفريقي الناشئ، بفضل ما راكمه من خبرات في مجالات البنية التحتية، وتكوين الأطر، والنقل، والصناعة الغذائية، والطاقات المتجددة.
وشدد على ضرورة ترسيخ مبدأ “رابح – رابح” في كل الشراكات، وتجاوز المقاربات التقليدية التي تجعل من التعاون الإفريقي رهينة للبيروقراطية والمساعدات المشروطة.
وأشار إلى أن تحويل هذه العلاقات الثنائية إلى شبكات تعاون متعددة الأطراف، في إطار إقليمي صلب، سيُشكل دعامة أساسية للدفاع عن المصالح الاستراتيجية المشتركة، بما فيها قضية الصحراء المغربية، التي باتت تحظى بدعم واضح من جزء كبير من القارة.
♦ المغرب وشراكة تنموية إفريقية
وفي الأخير، أكد محمد العابدة على أن المغرب يتبنى في إفريقيا مقاربة تنموية شاملة، تدمج الأمن، الاقتصاد، والتكوين، في مشروع استراتيجي متكامل.
وقال إن المغرب لا يطرح نفسه كقوة متغطرسة، بل كشريك إفريقي ينطلق من نفس التحديات، ويقترح حلولًا واقعية قائمة على الثقة المتبادلة.
وأضاف أن المغرب يُرافع داخل المنتظمات الدولية باسم إفريقيا، ويدافع عن قضاياها في مجالات متعددة، ما يمنحه مصداقية دبلوماسية قوية، ويجعل من مشروعه في القارة نموذجًا مرجعيًا لإفريقيا الجنوب-جنوب. مضيفا أن الرهان اليوم هو الاستثمار في الإنسان الإفريقي، باعتباره الرأسمال الحقيقي لأي مشروع تنموي عادل ومستدام.
وخلص العابدة بأن التحول من الخطاب إلى الفعل، ومن الاعتراف السياسي إلى التعاون العملي، هو ما سيصنع الفارق، ويكرّس المغرب كقوة إفريقية مسؤولة، تقود مشاريع مستقبلية، وتدافع عن قضاياها الوطنية في إطار تحالفات ذكية ومتعددة المستويات.

