افتتح حزب جبهة القوى الديمقراطية، أمس الجمعة، بالرباط، الندوة الافتتاحية للمحور الثالث من سلسلة الندوات الفكرية والسياسية التي تحمل عنوان “علاقات المغرب مع جيرانه”، تحت شعار “أي آفاق لعودة مشروع الاتحاد المغاربي؟”.
واستضافت الندوة الأولى، التي أطرها الدكتور المصطفى بنعلي، الأمين العام لحزب جبهة القوى الديمقراطية، الرئيس التونسي الأسبق الدكتور محمد المنصف المرزوقي، الذي قدّم محاضرة رئيسية ركز فيها على تحليل رهانات الفضاء المغاربي واستشراف سبل إعادة إحياء المشروع الاتحادي المغاربي في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.
وعرفت الندوة مشاركة مجموعة من السياسيين المخضرمين من مختلف الدول المغاربية والأفريقية، الأمر الذي عكس الطابع الإقليمي للقاء والسعي لتبادل الخبرات والأفكار بشأن مستقبل التكامل المغاربي.

♦تحول مغاربي وإعادة تفكير
يرى محمد المنصف المرزوقي، الطبيب والسياسي والمفكر والرئيس الأسبق لتونس، أن العالم، ومعه المنطقة المغاربية، يمران بمرحلة تحول كبرى تفرض إعادة التفكير في مصير الاتحاد المغاربي.
ويعتبر المفكر، في تصريح لجريدة “شفاف”، أن استمرار الوضع القائم لم يعد قابلا للاستدامة، مشيرا إلى أن التغيير المطلوب يظل مرتبطا، بالأساس، بمراجعة الجزائر لخياراتها الاستراتيجية، أو باستمرار الأطراف الأخرى في فرض واقع جديد يخدم المصالح المشتركة، بدل انتظار تحول في المواقف الرسمية الجزائرية.
ويذهب المرزوقي إلى أن الخروج من هذا الوضع يتطلب شرطين لاستئناف مسار المفاوضات بين البلدين، إما عبر تغيير الجزائر لسياساتها الحالية أو إزاحته النظام الحالي، ومشددا أن الخيارات الاستراتيجية للنظام الجزائري هي التي أدت إلى الوضع القائم بين الجارين.

♦المرزوقي ورؤية المغرب العربي
يشرح المرزوقي أن القادة السياسيون في البلدين مطالبون بتغيير المسار عندما يثبت أنه يؤدي إلى طريق مسدود، مؤكدا أن الإصرار على نهج خاطئ لن يغير المعادلة القائمة ولن يفتح باب الحلول.
ويشدد المرزوقي على أن مسار بناء المغرب العربي لا يجب أن يبقى حبيس الخلافات بين الأنظمة السياسية، بل ينبغي أن تشارك فيه النقابات والمنظمات المهنية والمجتمع المدني في كل البلدان.
وحث الرئيس الأسبق على إعادة تفعيل الاتحادات المغاربية القديمة—من أطباء ومحامين وصحفيين وغيرهم—حتى لو غابت بعض الأطراف، مضيفا أن العمل يجب أن يستمر وأن الباب يجب أن يبقى مفتوحا أمام الجميع، بما فيهم الجزائريون.
وفي السياق ذاته، أثنى المرزوقي على سياسة “اليد الممدودة” التي يتبعها المغرب بقيادة الملك محمد السادس، وعلى توسيع شبكة الصداقات والتحالفات الخارجية.
وينبه المرزوقي إلى أن تراكم هذه المبادرات ساهم في الوصول إلى القرار الأممي رقم 2797 المتعلق بقضية الصحراء، معتبرا ذلك نتيجة مباشرة لنهج دبلوماسي ذكي طويل الأمد.

♦الحريات الخمس والتكامل المغاربي
يكشف المرزوقي أنه اقترح ما بين 2013 و2014 على قادة الدول المغاربية مشروع “الحريات الخمس”: حرية التنقل، والسفر، والعمل، والاستقرار، والمشاركة في الانتخابات البلدية داخل فضاء المغرب العربي.
ويقول المفكر إنه حصل على موافقة كل الأطراف باستثناء النظام الجزائري، مبرزا أنه حاول إطلاق المبادرة من تونس بشكل منفرد، لكن الظروف الأمنية والسياسية آنذاك دفعت إلى تأجيلها قبل أن تتوقف نهائيا.
ويدعو المرزوقي البرلمانيين في المغرب والجزائر وموريتانيا وباقي دول المنطقة إلى تبنّي فكرة الحريات الخمس والدفع بها من داخل المؤسسات المنتخبة، حتى لو ظلت حظوظ قبولها غير مؤكدة.
ويحث المرزوقي على ضروري اختبار هذا المسار، معتبرا أن المبادرات البرلمانية قد تفتح طريقا جديدا أمام التكامل المغاربي بعيدا عن الجمود السياسي بين الأنظمة.

♦تونس ودورها المغاربي التوفيقي
يؤكد المرزوقي أن السياسة التي ينتهجها الرئيس التونسي قيس سعيّد تجاه المغرب تمثل خروجا عن نهج الرؤساء السابقين، معتبرا أن هذا التوجّه “شاذ” ولا ينسجم مع التقليد الدبلوماسي التونسي القائم على الحياد وعدم الانحياز بين المغرب والجزائر.
ويشدد المرزوقي على ضرورة التمييز بين الدو التونسية والشعب التونسي من جهة، وبين ما يصفه بموقف “النظام التونسي الحالي” من جهة أخرى، مبينا أن الموقف المعادي للمغرب لا يعبر عن تونس ككيان أو عن تاريخ سياستها الخارجية.
ويوضح المرزوقي أن تونس، عبر عهود بورقيبة وبن علي ثم خلال فترة رئاسته ورئاسة الباجي قائد السبسي، حرصت على لعب دور جامع بين المغرب والجزائر، وعلى تجنب إذكاء أي خلاف بين البلدين.
ويضيف أنه كان هناك اتفاق غير معلن بأن تكون تونس طرفا في جهود المصالحة المغاربية، مشيرا إلى أن هذا التوجه كان ولا يزال جزءا من دور تونس الطبيعي في المنطقة، وأن بلاده ستعود إلى هذا النهج التوفيقي.

♦الوحدة المغاربية ومسار التحوّل
وفي الإطار ذاته، يقول الدكتور المصطفى بنعلي، الأمين العام لحزب جبهة القوى الديمقراطية، إن القرار الأممي 2797 يمثل نقطة تحول حاسمة في مسار النزاع، ويستلزم صياغة خطاب سياسي مغربي أكثر انسجاما مع المرحلة الجديدة التي أبرزها الخطاب الملكي ليوم 31 أكتوبر الماضي، مبينا أن هذا القرار منح المغرب موقعا تفاوضيا أقوى، وفرض على الفاعلين السياسيين اعتماد رؤية واضحة تعزز الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة.
ونوّه الأمين العام لحزب جبهة القوى الديمقراطية في تصريح لجريدة “شفاف”، بالإشارات الدقيقة التي حملها الخطاب الملكي بشأن المحور المغاربي، والتي دفعت الحزب إلى توجيه سلسلة ندواته نحو تناول علاقات المغرب مع دول الجوار من منظور جديد، مؤكدا أن المطلوب، هو استثمار هذا المناخ الإيجابي لإحياء مشروع الوحدة المغاربية، ووضع حد لنزاع مفتعل أعاق التنمية وهدَر قدرات شعوب المنطقة لسنوات طويلة.
وركّز بنعلي على أن المغرب، بقيادة الملك محمد السادس، اعتمد منذ سنة 2018 سياسة اليد الممدودة تجاه الجزائر، بالدعوة إلى حوار بلا شروط مسبقة، إدراكا منه أن استقرار المنطقة وتقدمها مرتبطان بعودة التعاون المغاربي إلى مساره الطبيعي.
وخلص المصطفى بنعلي إلى أن استضافة الرئيس الأسبق محمد المنصف المرزوقي تأتي بالنظر إلى خبرته الطويلة في هذا الملف، وقدرته على تقديم قراءة معمّقة لمسارات الاندماج المغاربي الممكنة، انطلاقا من تجربة سياسية مباشرة ومن معرفة دقيقة بطبيعة التحديات المطروحة على المنطقة.


