صنف مؤشر الإرهاب العالمي لسنة 2026 المغرب ضمن الدول الأكثر أمانًا على الصعيد الدولي، بعدما حل في المركز 100 عالميًا من أصل 163 دولة، محققًا رصيدًا صفريًا ضمن خانة الدول غير المتأثرة بالإرهاب، حيث يأتي هذا التصنيف في سياق دولي يشهد تراجعًا ملحوظًا في عدد الهجمات والضحايا، مقابل استمرار تمركز التهديدات في مناطق محددة، خاصة بمنطقة الساحل الإفريقي.
ويعكس هذا التموقع المتقدم للمملكة نجاعة مقاربتها الأمنية والاستباقية في مواجهة التهديدات الإرهابية، رغم محيط إقليمي مضطرب يتسم بتصاعد نشاط الجماعات المسلحة في عدد من الدول المجاورة، كما يطرح هذا التصنيف تساؤلات حول استدامة هذا الاستقرار في ظل التحولات الجيوسياسية والأمنية المتسارعة على المستويين الإقليمي والدولي.
❖ يقظة استباقية
يرى محمد الطيار، الخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية والاستراتيجية، ورئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أن تصنيف المغرب ضمن الدول غير المتأثرة بالإرهاب في تقرير “Global Terrorism Index 2026” لم يكن وليد الصدفة، بل يعكس تبني المملكة لمقاربة أمنية استباقية فعالة.
وأوضح الطيار في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذه المقاربة تقوم أساسًا على التحول من منطق التدخل بعد وقوع الجريمة إلى منطق الإحباط المسبق للمخططات الإرهابية، وهو ما مكن من تقليص مستوى التهديدات إلى حدها الأدنى.
وأشار إلى أنه في هذا السياق، يبرز الدور المحوري للمؤسسات الأمنية المتخصصة، وعلى رأسها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، التي راكمت خبرة كبيرة في تفكيك الخلايا الإرهابية قبل تنفيذ عملياتها.
وأردف رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أن هذا الأداء الاستباقي لا يعزز فقط الأمن الداخلي، بل يكرس صورة المغرب كنموذج إقليمي في مجال اليقظة الأمنية والتدبير الذكي للمخاطر.
وأكد أن هذا النجاح يعكس تطورًا نوعيًا في العقيدة الأمنية المغربية، التي أصبحت تعتمد على الاستباق والاحترافية والتنسيق العالي بين مختلف الأجهزة، بما يضمن سرعة التدخل وفعالية النتائج، ويحد من إمكانية تسلل التهديدات إلى الداخل الوطني.
❖ شراكات دولية
إلى جانب المقاربة الداخلية، يشدد الطيار على أن تصنيف المغرب المتقدم يعكس أيضًا نجاحه في بناء شبكة واسعة من الشراكات الأمنية الدولية، فالمملكة أصبحت فاعلاً موثوقًا في مجال تبادل المعلومات الاستخباراتية، خاصة مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة، وهو ما يعزز من قدرتها على رصد التهديدات العابرة للحدود.
وأضاف أن هذا التعاون لا يقتصر على حماية التراب الوطني فحسب، بل يمتد ليشمل المساهمة الفعلية في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي، مبرزًا أنه يعكس المكانة الاستراتيجية التي بات يحتلها المغرب في منظومة الأمن الدولي، باعتباره شريكًا أساسيًا في مواجهة الإرهاب بمختلف تجلياته.
تداعيات استقطاب الشباب.. كيف يواجه المغرب تحديات التطرف والإرهاب؟
واعتبر أن هذا الانخراط الدولي يمنح المغرب إمكانية الاستفادة من أحدث التقنيات والخبرات في مجال مكافحة الإرهاب، ويعزز من قدرته على التكيف مع التحولات المتسارعة التي يعرفها هذا التهديد؛ سواءً من حيث الوسائل أو الأساليب المعتمدة من طرف التنظيمات المتطرفة.
❖ مقاربة شمولية
لا يقتصر النموذج المغربي، حسب الطيار، على البعد الأمني الصرف، بل يمتد ليشمل مقاربة شمولية تدمج بين الأبعاد الأمنية والفكرية والاجتماعية، لافتًا إلى أنه في المجال الديني، عمل المغرب على إصلاح الحقل الديني من خلال مؤسسات متخصصة، بهدف نشر خطاب ديني وسطي ومعتدل، ومواجهة الفكر المتطرف من جذوره.
وذكر أنه إلى جانب ذلك، تم إطلاق مجموعة من البرامج الاجتماعية والتنموية التي تستهدف تقليص الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، باعتبارها من أبرز العوامل التي تستغلها التنظيمات المتشددة في استقطاب الأفراد.
دراسة حديثة ترصد تنامي الشعور بالأمن في المغرب.. فلماذا يثق المغاربة في المؤسسة الأمنية؟
وأبرز الخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية والاستراتيجية، أن هذا التكامل بين الأبعاد المختلفة يشكل أحد أبرز عناصر قوة النموذج المغربي في مكافحة الإرهاب.
وأكد أن هذا النهج المتكامل ساهم في تحصين المجتمع ضد مظاهر التطرف، وجعل من المقاربة المغربية نموذجًا متوازنًا يجمع بين الوقاية والمعالجة، ويعزز مناعة الدولة والمجتمع في مواجهة التهديدات المحتملة.
❖ تحديات قادمة
رغم هذا التموقع الإيجابي، يحذر الطيار من جملة من التحديات المستقبلية التي قد تواجه المغرب، وفي مقدمتها تصاعد التهديدات الإرهابية في منطقة الساحل الإفريقي، التي تشهد تناميًا ملحوظًا في نشاط الجماعات المسلحة، وما قد يترتب عن ذلك من تداعيات أمنية إقليمية.
وأشار إلى تنامي ظاهرة “الذئاب المنفردة”، المرتبطة بتنظيمات مثل “داعش”، والتي تعتمد على أساليب غير تقليدية يصعب التنبؤ بها أو رصدها بالوسائل الكلاسيكية.
وأضاف الخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية والاستراتيجية، إلى ما سبق؛ التوسع المتزايد للتطرف الرقمي، الذي أصبح يشكل تحديًا جديدًا أمام الأجهزة الأمنية.
وفي ظل هذه التحولات، يؤكد الطيار ضرورة مواصلة تطوير الأدوات الاستخباراتية، وتعزيز المقاربة متعددة الأبعاد، بما يضمن استدامة الاستقرار الذي حققه المغرب، خاصة في بيئة دولية متغيرة تتسم بارتفاع مستويات التهديدات وتعقيدها.

