خلق انسحاب مكونات المعارضة من جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، أول أمس الإثنين، نقاشًا واسعا حول أسباب ودوافع هذه الخطوة وتأثيرها على مستقبل المشهد السياسي في المغرب، لاسيما بعد تزامنها مع الحديث عن وجود تنسيق بين ثلاثي الائتلاف الحاكم على دخول غمار الانتخابات التشريعية المقبلة في سنة 2026 بشكل مشترك، علما أن الأولى (المعارضة) قامت في وقت سابق بمجموعة من الخرجات والمبادرات مثل التلويح بملتمس الرقابة والمطالبة بإجراء انتخابات مبكرة.
وقامت أطراف المعارضة بمجلس النواب، المكونة من الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية (حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والفريق الحركي (حزب الحركة الشعبية)، وفريق التقدم والاشتراكية، والمجموعة النيابية للعدالة والتنمية، بالانسحاب من أشغال الجلسة الأسبوعية لمجلس النواب بداية هذا الأسبوع؛ احتجاجا على رفض الحكومة التفاعل مع طلباتها للتحدث في موضوع طارئ وعام يتعلق بمستجدات امتحانات كليات الطب والصيدلة.
تنسيق الأغلبية الحكومية للدخول المشترك لانتخابات 2026 .. قراءة في الدلالات والسياقات السياسية
♦ دلالات خطوات المعارضة
اعتبر محمد شقير، الخبير والباحث في العلوم السياسية، في تصريح لجريدة “شفاف”، أن خرجات وخطوات المعارضة والتي كان آخرها الإثنين الماضي بالانسحاب من الجلسة الأسبوعية للأسئلة الشفوية بمجلس النواب، تعكس مظهرين أساسيين؛ أولهما يرتبط بالضعف العددي والسياسي لمكونات هذه الفئة (المعارضة)، لافتا إلى أن ذلك جعلها تشير في أكثر من مناسبة لتغول الأغلبية الحكومية وسيطرتها على مختلف مناحي الحياة السياسية ببلادنا.
وتابع أن ثاني المظاهر يرتبط بوجود منافسة قوية بين مكونات المعارضة الأربعة، باعتبار أنها مارست الشأن الحكومية في وقت معين، موضحا أن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية قاد حكومة التناوب في 1998 وإلى غاية 2002، كما تزعم حزب العدالة والتنمية الحكومتين السابقتين (2011-2021)، فيما حزبي التقدم والاشتراكية؛ والحركة الشعبية كانت لهما مشاركة بارزة خلال السنوات الماضية في عدد من التشكيلات الحكومية.
وقال شقير إن هاته الأطراف بعثت من خلال خطواتها إشارات سياسية على دخولها في تنافس انتخابي محموم في أفق الاستحقاقات القادمة التي ستجرى بعد سنتين من الآن، لافتا إلى أن ذلك قد يتماشى مع رغبة صانع الخرائط السياسية المقبلة المرتبطة بين الفينة والأخرى بإيجاد بديل سياسي يمكن أن يؤثث المشهد السياسي القادم.
وأضاف الخبير والباحث في العلوم السياسية، أن هناك سعي أيضا من مكونات المعارضة لخلق نوع من “البوز السياسي” ومحاولة التشويش على الحكومة وإحراجها أمام الرأي العام، مستغلة في ذلك تسليط الضوء على قضية أزمة كليات الطب والصيدلة، والتي تحظى باهتمام ومتابعة كبيرين من طرف الشارع المغربي.
وأبرز أن المكونات الأربعة المذكورة تعد من أكبر الأحزاب السياسية على مستوى الساحة المغربية، وهو ما يجعل كل واحد منها يبحث عن تزعم المعارضة البرلمانية، موضحا أن ذلك يبرز جليا من خلال قيام كل حزب منهم للخروج بشكل منفرد وبصيغة مغايرة عن الآخر، حيث طرح الاتحاد الاشتراكي فكرة التقدم بملتمس الرقابة، فيما طالب التقدم والاشتراكية في رسالة مفتوحة إلى رئيس الحكومة بتغيير سياسات الأخيرة والوفاء بالتزاماتها.
وأردف الخبير والباحث في العلوم السياسية، أنه في السياق نفسه طالب حزب العدالة والتنمية مؤخرا بضرورة إجراء انتخابات برلمانية مبكرة، بالرغم من أن هذا الطرح يبقى بعيد المنال والتحقق؛ في ظل وجود توافق بين مكونات الائتلاف الحكومي، وعدم بروز حتى الآن أي صورة من مظاهر الاختلاف بين مكوناته الثلاث.
♦ غايات المعارضة
يشير محمد شقير إلى أن أسباب هذه الخرجات المختلفة خلال المرحلة الأخيرة تعود إلى كون الأحزاب سواءً تلك الموجودة في المعارضة أو المشكلة للأغلبية دخلت اليوم في حملة انتخابية سابقة لأوانها، مبرزا أن الأحزاب الكبرى تتهيأ من الآن على الصعيدين التنظيمي والسياسي بحثا عن التموقع عن مركز متقدم في أفق الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026.
ولفت إلى أن نزوع وطموح الأحزاب السياسية إلى تسيد المشهد السياسي، يبرز من خلال سعي أطراف الأغلبية إلى الاستمرار في الحكم، بينما تريد مكونات المعارضة تغيير مواضعها والانتقال إلى موقع متقدم في نتائج الانتخابات المقبلة ما يسمح لها بقيادة أو المشاركة في الحكومة القادمة، لافتا إلى أن هذه الأخيرة مارست السلطة وتحِن لها اليوم.
واستطرد أن مكونات المعارضة الأربعة لا يعجبها ربما تموقعها في صفوف المعارضة حاليا، وأنها تجد نفسها مرغمة على لعب هذا الدور، لافتا إلى هذا الأمر هو ما يجعلها تتقدم بخطوات أو تطالب بأمور كإجراء انتخابات مبكرة أو تقديم ملتمس الرقابة، والتي تبقى بعيدة التحقق، لكن الهدف المبطن منها محاولة الضغط على الائتلاف الحكومي والبحث عن موطئ قدم داخل هذا التحالف الذي يقود الحكومة.
وأشار إلى أن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي عبر بشكل مباشر أو غير مباشر في أكثر مناسبة عن رغبته في الانضمام إلى حكومة عزيز أخنوش؛ يظهر أنه لا يزال يحاول بلوغ هذا المبتغى بمختلف الوسائل الممكنة، مبرزا أن هذا النزوع والحنين لكراسي السلطة، هو ما يفسر هاته الخرجات المتعاقبة لمكونات المعارضة.
وأوضح أن استعمال هاته الوسائل التي تدخل في إطار اللعبة الديمقراطية لغايات سياسية أو أهداف سياسوية يمكن تفسيره بالنزعة الشعبوية التي أصبحت مستشرية خلال المرحلة الأخيرة في المشهد السياسي المغربي، لافتا إلى أنه من حق المعارضة اللجوء إلى هذه الآليات التي يمنحها لها الدستور؛ لكن يجب أن يترافق ذلك مع توفر الشروط اللازمة له.
ويرى أن من بين أبرز الأمثلة على ما سبق؛ تلويح حزب الاتحاد الاشتراكي بشكل منفرد بالتقدم بملتمس الرقابة بالرغم من كونه لا يتوفر حتى على خمس أعضاء مجلس النواب ( الخمس يشكل 79 من أصل 395 عضوا) الكفيل بتقديم هذه المبادرة فقط على مستوى البرلمان، فيما يتطلب نجاحها تصويت الأغلبية المطلقة عليها (50 % + 1 من الأعضاء، أي 198 عضوًا) في القبة الأولى للبرلمان، علما أن المعارضة مجتمعة تشكل أقل من الثلث عدديًا.
وشدد على أن ما يقع في صفوف المعارضة من اتخاذ قرارات وممارسات انفرادية عوض بلورتها لخارطة طريق واضحة ومنسجمة لمواجهة القوة العددية والانتخابية التي تتمتع بها الأغلبية الحكومية، يدل على أن الأولى (المعارضة) تفتقد إلى الممارسة البرلمانية الرصينة بآلياتها الرقابية وزخمها السياسي التي خولها لها الدستور، ويؤكد أنها تميل إلى الشعبوية السياسية.
وأبرز الخبير والباحث في العلوم السياسية، أن المعرفة المسبقة لمكونات المعارضة بأن رفعها لمجموعة من الوسائل السياسية لن ينجح يسائلها عن قيامها بهذا الأمر، مشيرا إلى أن الأسباب الكامنة وراء ذاك تتجلى في عدم ارتياحها في موقعها الحالي (المعارضة)، وبحثها الدؤوب بشتى الطرق عن تغيير مكانها السياسي الذي تتواجد به الآن والسعي لبلوغ السلطة في أفق الانتخابات القادمة.

