نشرت الجريدة الرسمية المرسوم التنظيمي رقم 2.23.152، الذي يمثل خطوة أساسية لتعزيز حق التعليم الدامج للأطفال في وضعية إعاقة بالمغرب.
والمرسوم السالف الذكر، جاء في سياق تنفيذ مقتضيات القانون الإطار رقم 97.13، وخاصة المادة 13 منه، ليؤكد التزام الدولة بضمان تمدرس منصف وجودة تعليمية متكافئة لجميع الأطفال دون استثناء.
بعد تطبيق بطاقة الإعاقة..كيف ستساهم في تعزيز الإدماج الاجتماعي للأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة؟
وينص المرسوم على إحداث نظام جهوي مندمج يتابع تمدرس الأطفال في وضعية إعاقة عبر لجان جهوية تضم ممثلين عن مختلف القطاعات الحكومية المعنية، مثل وزارات التربية الوطنية، الصحة، التضامن، والتكوين المهني، إلى جانب المجتمع المدني والجمعيات الشريكة، إذ ستعمل هذه اللجان على دراسة وتتبع مسارات التمدرس، مع توجيه التلاميذ حسب حاجاتهم، وعقد اجتماعات دورية تضمن متابعة مستمرة وفعالة.
ويمثل هذا الإطار خطوة نوعية نحو تكريس مدرسة دامجة تضمن حقوق الأطفال في وضعية إعاقة في تعليم منصف وشامل، منسجمة مع الإرادة السياسية الوطنية لبناء مجتمع أكثر عدالة وشمولا.
وتسائل هذه الخطوة سبل ضمان التطبيق الفعلي لهذا المرسوم وتجاوز الإكراهات الميدانية لضمان دمج حقيقي ومستدام للأطفال في وضعية إعاقة؟
♦المرسوم التنظيمي خطوة أساسية
تُثمن سميرة بختي، رئيسة المنظمة المغربية لحقوق النساء في وضعيات إعاقة، صدور المرسوم التنظيمي رقم 2.23.152، وتعتبره خطوة مؤسسية جوهرية في مسار تعزيز التعليم الدامج بالمغرب.
وتؤكد رئيسة المنظمة المغربية لحقوق النساء في وضعيات إعاقة في تصريح لجريدة “شفاف”، أن المرسوم، رغم تأخر صدوره لأكثر من ثلاث سنوات، يضع أسسًا قانونية وتنظيمية مهمة لتنظيم وتتبع تمدرس الأطفال في وضعية إعاقة، من خلال تشكيل لجان جهوية مندمجة تضم مختلف القطاعات المعنية، ما يعزز مبدأ التنسيق والتكامل بين وزارات التعليم والصحة والتضامن، إلى جانب مكونات المجتمع المدني الفاعلة.
وتوضح بختي أن هذا المرسوم هو نتاج تنزيل مقتضيات القانون الإطار 97.13، الذي أراد أن يجعل من التعليم الدامج ركيزة مركزية في السياسات العمومية، ومن العدالة في الولوج إلى المدرسة حقًا مصانًا لكل طفل، دون استثناء.
وتشير إلى أن صدور المرسوم يعكس إرادة سياسية للتغيير ومأسسة العمل التنسيقي الذي كان مفقودا، كما أنه يمدد إطارا قانونيا يمكن البناء عليه لتحسين ظروف تمدرس الأطفال في وضعية إعاقة، سواء عبر ضمان تنظيم أفضل أو عبر وضع آليات تتبع تسهل مراقبة التطبيق وتحقيق الأهداف المنشودة.
وتظهر المتحدثة أن النجاح الحقيقي لا يمكن تحقيقه بمجرد إصدار النصوص القانونية، بل يتطلب إرادة فعلية في التفعيل، وتمويلا كافيا، وتكوينا مستمرا، وإشراكا فعليا لجميع المتدخلين، خصوصا الأسر والأشخاص في وضعية إعاقة أنفسهم، ليكون الدمج حقا واقعا يوميا وليس شعارا على الورق.
الأشخاص في وضعية إعاقة يحتجون ضد التمييز أمام البرلمان.. فهل تتدخل وزارة حيار لإنصافهم؟
وتلفت بختي إلى أن اللجان الجهوية التي نص عليها المرسوم تمثل خطوة إيجابية نحو التتبع والشفافية، لكنها تحذر من أن مأسستها لا تعني وجود الإرادة الحقيقية للتغيير، بل إن ذلك يتوقف على كفاءة عمل هذه اللجان، ووضوح أدوارها، وفعالية التنسيق فيما بينها وبين الفاعلين المحليين، فضلا عن توافر المؤشرات والأرقام التي تساعد على قياس التقدم ومواجهة الإشكالات بالسرعة المطلوبة.
♦الإقصاء المستمر لفئة الإعاقة الثقيلة
تُبرز بختي أن من أبرز الإكراهات التي تُعرقل تحقيق المرسوم أهدافه، استمرار إقصاء فئة الأطفال في وضعية إعاقة ثقيلة، مشيرة إلى أن المذكرة الوزارية الحالية التي تحكم ولوج المدرسة العمومية لا تسمح إلا للأطفال ذوي الإعاقات الخفيفة إلى المتوسطة فقط بالولوج إلى التعليم الرسمي، وهذا الأمر، وفق المتحدثة، يعد تناقضا صارخا مع روح المرسوم الدامج ومبادئ القانون الإطار 97.13، التي تنص بوضوح على ضرورة ضمان حق كل طفل في التمدرس، دون تمييز أو استثناء.
وتكشف الفاعلة الحقوقية، أن هذا الوضع يطرح إشكالية حقيقية حول مدى التزام المنظومة التعليمية بالمبدأ الإنساني والتربوي “لا تخلّف أحدا عن الركب”، والذي يجب أن يكون حجر الزاوية في جميع السياسات التربوية المعتمدة.
وتضيف أن الإقصاء القانوني والعملي لفئة الأطفال ذوي الإعاقات الثقيلة يُحرم هذه الفئة من حقها في التعليم، ما يزيد من هشاشتها الاجتماعية ويكرس التهميش والتمييز، وهو ما يتنافى مع القوانين الوطنية والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة.
وترى بختي أن مراجعة هذه المذكرة الوزارية وتوسيع نطاق الولوج إلى التعليم الدامج ليشمل جميع الفئات هو أمر ضروري ومستعجل، لا يحتمل المزيد من التأجيل، مبرزة أن هذه الخطوة تمثل اختبارا حقيقيا لإرادة الدولة في تحقيق التعليم الشامل والعادل، وضمان كرامة الأطفال في وضعية إعاقة.
وتسلط سميرة بختي الضوء على غموض واضح يحيط باختيار الجمعيات المشاركة في اللجان الجهوية، متسائلة إن كانت المشاركة ستقتصر على الجمعيات التي تدير مراكز خاصة أو مؤسسات تعويضية فقط، أم ستشمل أيضا الجمعيات التي تناضل من أجل حق التمدرس الدامج داخل المنظومة التربوية العمومية.
وتبين المتحدثة أن تمثيل المجتمع المدني يجب أن يكون معبرا عن حقوق الأطفال ومطالب الدمج داخل المدرسة، وليس محصورا في منطق الإيواء أو الإحالة خارج المدرسة، إذ أن هذا التمثيل الفاعل يشكل ركيزة أساسية لنجاح أي سياسة دمج.
وتنتقد بختي غياب معطيات إحصائية واضحة أو مؤشرات متابعة في البلاغ الرسمي، مما يُصعب تقييم مدى التقدم الذي يحرزه هذا الورش، ويقلل من قدرة الجهات المسؤولة والمجتمع المدني على مراقبة التنفيذ ومعالجة الإشكالات في الوقت المناسب.
وتلمح المتحدثة، أن غياب هذه المؤشرات يمثل عقبة إضافية أمام تحقيق الدمج الفعلي، خصوصا في ظل التفاوتات المجالية والاختلالات البنيوية التي يعاني منها القطاع التربوي المغربي.
♦تعزيز التفعيل بالمقومات الضرورية
تُشدد سميرة بختي على أن تأسيس اللجان الجهوية كتنظيم إداري لا يكفي وحده لإحداث تغيير فعلي على الأرض، بل يجب تدعيمه بإرادة سياسية حقيقية وجهود ميدانية شاملة.
وتشير إلى من أهم هذه الجهود تأمين التمويل الكافي للمدارس لتكييفها وتزويدها بالتجهيزات والأدوات التعليمية الملائمة لاحتياجات الأطفال في وضعيات إعاقة، بما يشمل تجهيزات فيزيائية وتقنيات متقدمة تسهم في تسهيل اندماجهم الفعلي داخل البيئة التعليمية.
وتذكر بختي بأهمية تكوين الأطر التربوية بشكل مستمر ومستدام، من خلال تقديم تدريبات متخصصة تمكنهم من التعامل مع تنوع الاحتياجات وتطبيق أفضل الممارسات في التعليم الدامج، مشددة على أن هذا التكوين يجب أن يكون مدمجًا في البرامج الرسمية للتربية والتعليم، ولا يقتصر على دورات مؤقتة أو برامج ذات طابع موسمي.
تعديل مدونة الأسرة.. هل يتم إصلاح الثغرات وتجاوز النواقص التي تمس بحقوق الأشخاص في وضيعة إعاقة؟
وتؤكد المتحدثة على ضرورة إشراك الأسر والأشخاص في وضعيات إعاقة أنفسهم في بلورة السياسات وتنفيذها ومراقبتها، معتبرة أنهم الأكثر قدرة على تقديم صورة دقيقة لواقع الحاجيات والتحديات، وهم الشركاء الأساسيون لضمان نجاح العملية التربوية.
وخلصت إلى أن الدمج لا يمكن أن يظل مجرد شعار قانوني أو نص تنظيمي، بل هو ممارسة يومية يجب أن تتجلى في تفاصيل السياسات العمومية، وفي بيئة المدرسة والفصل، وفي العلاقة بين الطفل وبيئته التعليمية والاجتماعية، مؤكدة التزام المنظمة المغربية لحقوق النساء في وضعيات إعاقة بمواصلة الدفاع عن حق الأطفال في وضعيات إعاقة في تعليم دامج وفاعل، مع متابعة مستمرة للجهود الرسمية والمجتمعية وتقديم توصيات لتحسين التطبيق.

