في ظل تسارع وتيرة الأشغال المرتبطة بمشروع المحج الملكي بمدينة الدار البيضاء، برزت من جديد مطالب الساكنة المتضررة بضرورة إرساء الوضوح والشفافية في تدبير ملف التعويضات وإعادة الإسكان، باعتباره أحد أكثر الجوانب حساسية وتأثيرا على الاستقرار الاجتماعي للأسر المعنية.
كما تواجه عشرات العائلات في حي “درب لنجليز” بالمدينة القديمة في الدار البيضاء خطر التشريد الفعلي، بعد مباشرة عمليات هدم مساكنهم يوم الجمعة الماضي دون تسلمهم شيكات بدل الكراء الموعودة أو تحديد وجهة واضحة لإعادة إسكانهم.
♦هدم يفاقم معاناة السكان
وفي السياق ذاته، أفاد متضررون من عين المكان أن السلطات شرعت في هدم البنايات التي قطنتها عائلات لعقود طويلة، مما تسبب في مبيت مواطنين في الشارع وسط أمتعتهم، بسبب عجزهم عن إيجاد بدائل للكراء في ظل تأخر الدعم المالي الذي وعدت به السلطات يوم الهدم.
كما سجلت الساكنة غياب التنسيق بخصوص المصير الدراسي للأطفال الذين كان من المفترض تنقيلهم إلى مؤسسات تعليمية أخرى بالتزامن مع عملية الإخلاء.
وفي شهادات مؤثرة، لخصت سيدة من المتضررين الوضع بوصفها تعيش حالة تشريد هي وابنتها الصغيرة بعد عجزها عن إيجاد سكن للكراء لمدة 15 يوما، مؤكدة أن الضغوط الممارسة لإخلاء المنازل فورا فاقمت من الأزمة النفسية والاجتماعية للساكنة.
وناشد المتضررون في الأخير بتدخل ملكي عاجل لإنصافهم، مطالبين بمعاملتهم أسوة بسكان أحياء “درب المعيزي” و”السويقة” الذين استفادوا سابقا من مشروع النسيم، ومشددين على أن مطلبهم الوحيد هو الحصول على سكن لائق يستر كرامة عائلاتهم.
♦قلق حول السكن البديل
وفي هذا السياق، أكد حميد الغيام، منسق تنسيقية ضحايا الهدم والتهجير القسري والسطو العقاري بالمدينة العتيقة، أن الساكنة التي يشملها مسار المشروع تطالب بتوضيحات دقيقة ومسؤولة حول مختلف مراحل التعويض، مع التشديد على أن أي تعويض عن السكن ينبغي أن يقوم على مبدأ التراضي بين جميع الأطراف المعنية.
وأوضح الغيام في تصريح لجريدة “شفاف”، أن السلطات المختصة شرعت فعليا في توجيه إشعارات رسمية إلى عدد من المواطنين من أجل إخلاء منازلهم وعماراتهم، وذلك تمهيدا لعمليات الهدم المرتقبة، بحكم وقوع هذه البنايات داخل النطاق الجغرافي المخصص لتنفيذ مشروع المحج الملكي، معتبرا أن هذه الإشعارات تمثل مرحلة مفصلية في مسار المشروع، لما تحمله من آثار مباشرة على حياة الساكنة واستقرارها الاجتماعي والاقتصادي.
وأشار المتحدث إلى أن عملية الإشعار شملت، في مرحلتها الأولى، عدة مناطق وأحياء بالمدينة العتيقة، من بينها زنقة إدريس الجاي، درب كاشبار، بوطويل، مجمع الرابطة الإفريقية بالكامل، إضافة إلى أجزاء من منطقة كارتي كوبا، مع توقعات بامتداد هذه الإشعارات لتشمل أحياء ومناطق أخرى في مراحل لاحقة، وفقا لتقدم الأشغال وتوسيع نطاق التدخل، مؤكدا أن هذا المعطى يفرض، بحسب الساكنة، ضرورة توفير معطيات دقيقة ومسبقة حول مآل الأسر المعنية، بدل الاكتفاء بإجراءات إدارية منفصلة عن رؤية اجتماعية شاملة.
♦غموض التعويض وإعادة الإسكان
وفيما يخص الجانب المالي، أفاد الغيام أن السلطات المختصة أكدت توفر الشيكات المخصصة لتغطية مصاريف الكراء المؤقت لفائدة الأسر المعنية بمغادرة مساكنها، إلى حين بلورة حل نهائي لإعادة الإسكان، مبرزا أنه رغم أهمية هذا الإجراء إلا أن الساكنة لا تزال تبدي قلقها إزاء الغموض المحيط بمشروع إعادة الإسكان الدائم، لاسيما فيما يتعلق بموقع السكن البديل، وطبيعة الوحدات السكنية، ومعايير الاستفادة، وكذا الآجال الزمنية المحددة للتسليم.
وأضاف الغيام أن المشروع المعتمد رسميا لفائدة المتضررين، وفق المعطيات المتوفرة لدى التنسيقية، هو مشروع “النسيم 2”، إلا أن غياب تواصل رسمي ومفصل حول هذا المشروع يجعل الساكنة في وضعية ترقب وعدم يقين، وهو ما ينعكس سلبا على ثقتها في المسطرة المعتمدة.
واعتبر أن الاقتصار على الإعلان عن اسم المشروع دون تقديم شروحات دقيقة حول شروط الاستفادة ومواصفاته التقنية وموقعه الجغرافي لا يستجيب لانتظارات الأسر المعنية، ولا يرقى إلى مستوى التطمينات المطلوبة.
وشدد منسق تنسيقية الضحايا على أن الساكنة لا تعارض المشروع في حد ذاته، بل تعبر، في مجملها، عن انخراطها في المشاريع الوطنية الكبرى وتفهمها لأهمية مشروع المحج الملكي وما يحمله من أبعاد دينية وتنموية وعمرانية، مضيفا أن هذا الانخراط يظل مشروطا بضمان حقوق المتضررين، واحترام كرامتهم، وتمكينهم من تعويض عادل ومنصف، سواء تعلق الأمر بالتعويض المالي أو بإعادة الإسكان في ظروف لائقة.
وذهب المتحدث إلى أن مطلب الشفافية لا يقتصر على الجانب المالي فحسب، بل يشمل أيضا مسطرة التقييم، ومعايير احتساب التعويضات، والجهات المشرفة على العملية، فضلا عن ضرورة إشراك ممثلي الساكنة في مختلف مراحل اتخاذ القرار، بما يضمن تفادي أي سوء فهم أو احتقان اجتماعي محتمل، مشيرا إلى أن غياب المعلومة الدقيقة يفتح الباب أمام الإشاعات والتأويلات المتباينة، وهو ما يزيد من منسوب القلق في صفوف الأسر المعنية.
♦شفافية الحوار والضمانات
وفي السياق ذاته، دعا الغيام الجهات المسؤولة إلى اعتماد مقاربة تواصلية واضحة ومستمرة، تقوم على عقد لقاءات مباشرة مع الساكنة، وتقديم معطيات محينة حول تقدم المشروع ومآل ملفات التعويض، مع تمكين المتضررين من وثائق رسمية تضمن حقوقهم وتحدد التزامات مختلف الأطراف، ومعتبرا أن هذه المقاربة كفيلة بتعزيز الثقة وتفادي أي توترات اجتماعية قد تفرزها عمليات الهدم والتهجير، خاصة في أحياء ذات حمولة تاريخية واجتماعية قوية مثل المدينة العتيقة.
من جهة أخرى، لفت المتحدث إلى أن تجربة مشاريع سابقة أظهرت، بحسب تعبيره، أن غياب الوضوح في مراحل الانتقال من السكن الأصلي إلى السكن البديل غالبا ما يفرز إشكالات قانونية واجتماعية معقدة، داعيا إلى الاستفادة من هذه التجارب لتفادي تكرار الأخطاء نفسها، ومؤكدا أن الساكنة لا تطالب بامتيازات خاصة، بقدر ما تطالب بضمانات واضحة تحميها من أي تشريد فعلي أو غير مباشر.
وخلص إلى أن مطلب التراضي يظل جوهر هذا الملف، معتبرا أن أي تعويض أو إعادة إسكان لا تحظى بموافقة المعنيين ستظل مصدرا للتوتر وعدم الاستقرار.
ودعا في الأخير إلى تغليب منطق الحوار والتشاور، والحرص على جعل الإنسان في صلب السياسات العمومية المرتبطة بالمشاريع الكبرى، بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية وحماية الحقوق الاجتماعية للمواطنين.

