عاد ملف المجموعات الصحية الترابية إلى واجهة النقاش العمومي، مع تسارع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية في تنزيل هذا الورش الإصلاحي؛ انطلاقًا من تجربة جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، التي قدمت رسميًا كنموذج ناجح قابل للتعميم على باقي الجهات، ولكن هذا المسار الذي يفترض أن يؤسس لمرحلة جديدة في تدبير المنظومة الصحية، رافقته منذ بداياته انتقادات حادة من طرف النقابات الصحية، التي عبرت عن قلقها من اختلالات تنظيمية ومالية وتدبيرية، ومن غياب التقييم المرحلي والتدرج الذي كان معلنًا في وقت سابق.
وفي ظل هذا السياق المتوتر، يتصاعد الجدل حول طبيعة هذا التحول، وعما إن كنا أمام إصلاح بنيوي حقيقي يهدف إلى تجاوز أعطاب المركزية وتحسين جودة الخدمات الصحية، أم أن الأمر يرتبط بإعادة توزيع شكلي للاختصاصات بصيغة جهوية، وحول إن كانت ستسمح الشروط الحالية؛ خاصة في ظل الخصاص الحاد في الموارد البشرية وتأخر النصوص التنظيمية، بإنجاح تجربة يراد لها أن تعمم وطنيًا.
مهنيو الصحة يستعدون لخوض إضراب وطني ووقفات احتجاجية متتالية ضد “تماطل” الحكومة
❖ أزمة الحوار
يضع محمد اعريوة، الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للصحة، المنضوية تحت لواء المنظمة الديمقراطية للشغل (ODT)، مسألة الحوار في صلب الإشكال القائم، مؤكدًا أن قنوات التواصل مع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية “منقطعة بالكامل”.
وأوضح اعريوة في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا الانقطاع لم يكن نتيجة موقف نقابي متصلب، بل نتيجة “غياب إرادة حقيقية لدى الوزارة”، رغم المراسلات المتكررة وطلبات اللقاء التي تقدمت بها النقابات في إطار التنسيق الوطني النقابي.
الدكتور حمضي يحدد تحديات مراجعة المنظومة الصحية ببلادنا وسبل التعامل معها
وأشار إلى أن هذا الفراغ التواصلي دفع النقابات إلى اتخاذ قرار الإعلان عن برنامج احتجاجي، يشمل وقفات احتجاجية على مستوى المندوبيات وإضرابًا وطنيًا، معتبرًا أن هذا الخيار لم يكن هدفًا في حد ذاته، بل رد فعل على ما وصفه بـ“التهميش الممنهج” للشركاء الاجتماعيين في ورش إصلاحي يفترض أن يقوم على التوافق والتشارك.
وفي هذا السياق، انتقد تصريحات أمين التهراوي، وزير الصحة والحماية الاجتماعية، الذي سبق أن التزم بتنزيل تدريجي للمجموعات الصحية الترابية، قبل أن يتم التراجع عن هذا التوجه دون تقديم أي توضيحات رسمية للنقابات حول دوافع هذا التحول المفاجئ، ما عمق حالة انعدام الثقة وساهم في تأزيم الوضع داخل القطاع.
❖ تجربة “الشمال”
يرى اعريوة أن تجربة جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، التي لم تتجاوز من الزمن خمسة أشهر، لا يمكن بأي حال من الأحوال تقديمها كنموذج ناجح، بل يعتبرها “تجربة فاشلة بكل المقاييس”.
وأكد الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للصحة، أن هذه الفترة القصيرة أفرزت حالة من الفوضى في تدبير شؤون الموظفين، وفي تنظيم الخدمات الموجهة للمرتفقين والمرضى.
الصحة النفسية في المغرب بين التقدم والواقع الاجتماعي… هل يكفي الوعي لمواجهة الضغوط اليومية؟
وأرجع الفاعل النقابي هذا الفشل إلى سوء تدبير الموارد المالية، موضحًا أن القرار بإحداث المجموعة الصحية جاء في منتصف السنة المالية، ما جعل الإدارة عاجزة عن استغلال الميزانيات المتاحة بشكل فعال.
وأبرز الفاعل النقابي أن انعقاد المجلس الإداري في شهر أكتوبر الماضي زاد من تعقيد الوضع، في ظل غياب رؤية مالية واضحة ومتكاملة.
وحذر من أن تعميم هذا النموذج دون تقييم موضوعي وعميق للتجربة الأولى، سيؤدي إلى تعميم الاختلالات نفسها على الصعيد الوطني، وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات الصحية وعلى مبدأ استمرارية المرفق العام.
❖ التراجع الحكومي
يتوقف اعريوة عند ما يعتبره تراجعًا واضحًا في مواقف الوزارة، مشيرًا إلى أن الوزير نفسه كان يؤكد خلال لقاءات سابقة، على ضرورة عدم تنزيل المجموعات الصحية دفعة واحدة، وعلى أهمية منح الوقت الكافي لكل تجربة لإخضاعها للتقييم قبل الانتقال إلى مراحل لاحقة.
وأردف أنه هذا التوجه تم التخلي عنه دون سابق إنذار، حيث جرى الإعلان عن إحداث 12 مجموعة صحية ترابية، في تناقض تام مع الالتزامات السابقة، مستغربًا من عدم استدعاء الشركاء الاجتماعيين لشرح الأسباب المباشرة لهذا التحول، معتبرًا أن هذا السلوك يطرح أكثر من علامة استفهام حول طريقة تدبير هذا الورش.
في حوار مع “شفاف”.. التامني: “الحكومة سلّعت الصحة وتتجه نحو الانسحاب التدريجي من الخدمة العمومية”
وانتقد تصريح الناطق الرسمي باسم الحكومة، الذي تحدث عن “نجاح” المجموعات الصحية الترابية، متسائلاً عن المعايير المعتمدة للحكم على تجربة لم يتجاوز عمرها بضعة أشهر، في حين أن الإصلاحات العميقة تحتاج إلى سنوات لتبيان آثارها الحقيقية.
❖ إصلاح متسرع
يشدد اعريوة على أن إصلاحًا بهذا الحجم لا يمكن أن يطلق في غياب الإطار القانوني الكامل، مبرزًا أن الوزارة لم تصدر بعد؛ ما بين 10 و12 مرسومًا تنظيميًا أساسيًا؛ من بينها ما يتعلق بالأجر المتغير، وبحركية الموظفين بين المجموعات الصحية، وبعدد من الالتزامات التي سبق الإعلان عنها.
واعتبر أن إطلاق التجربة قبل استكمال هذه النصوص يجعل المجموعات الصحية تشتغل في فراغ قانوني، ويضعف قدرتها على اتخاذ قرارات واضحة ومستقرة، ما يفتح الباب أمام الارتجال والتخبط في التدبير.
وأكد الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للصحة، على أن أي إعلان عن نجاح التجربة يجب أن يسبقه مساءلة حقيقية للوزارة حول أسباب هذا التسرع، وحول مدى جاهزية الشروط القانونية والتنظيمية والمؤسساتية لإنجاح الإصلاح.
❖ الجهوية الصحية
رغم انتقاداته لهذا التوجه، يحرص اعريوة على التمييز بين الفكرة في حد ذاتها وطريقة تنزيلها، مؤكدًا أن المجموعات الصحية ذات الطابع الجهوي يمكن أن تشكل إطارًا إيجابيًا إذا أُحسن تطبيقها.
وأبرز الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للصحة، أن كل جهة تتميز بخصوصياتها الجغرافية والاقتصادية والديمغرافية، ما يفرض مقاربات مختلفة في تدبير الخدمات الصحية.
وذكَّر بأن النقابات اشتغلت على هذا المشروع لما يقارب ثلاث سنوات، بتنسيق مع الوزير السابق (خالد آيت الطالب)، وأن الهدف كان هو إخراج نموذج متوازن وقابل للتطبيق، دون انزلاقات قد تفرغ الإصلاح من مضمونه.
وشدد على أن غياب التدرج والتقييم، واستنساخ التجارب دون مراعاة الفوارق الجهوية، قد يؤدي إلى تكرار أخطاء سابقة عرفها القطاع، كما حدث في تجربة “راميد” بجهة بني ملال، التي جرى التراجع عنها بعد بروز اختلالات بنيوية.
❖ الحلول العاجلة
يطرح اعريوة جملة من الحلول الآنية التي يراها ضرورية لإنقاذ ورش المجموعات الصحية الترابية، واضعًا في مقدمتها استكمال النصوص القانونية والتنظيمية، باعتبارها الأساس الذي لا غنى عنه لأي إصلاح مؤسساتي.
وأكد على ضرورة إعطاء أولوية قصوى للموارد البشرية، مذكِّرًا بأن الزيادات والتعويضات الموعودة؛ سواءً المرتبطة بالمسؤوليات أو بالعمل في العالم القروي والمناطق النائية، ما تزال حبيسة الوعود، دون أي تفعيل فعلي على أرض الواقع.
في حوار مع شفاف .. علي لطفي يكشف تحديات تحقيق السيادة الدوائية ويشرّح أعطاب القطاع الدوائي بالمغرب
وأضاف أن تحسين ظروف العمل داخل المستشفيات والمراكز الصحية يظل شرطًا مركزيًا لنجاح أي إصلاح، داعيًا إلى منح الوقت الكافي لهذا الورش حتى تتكامل مختلف مكوناته، وتوضع كل لبنة في مكانها الصحيح، بما يخدم في النهاية مصلحة المواطن والعاملين في القطاع على حد سواء.

