استند رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى معطيات استراتيجية كانت قد أكدت أن التنوع البيولوجي في المغرب شكل خلال السنوات الأخيرة رأسمالا وطنيا حيويا، ارتبط بشكل مباشر بقضايا الأمن المائي والغذائي والصحي، وبقدرة المجالات الترابية على الصمود في مواجهة التغيرات المناخية المتسارعة، وهو ما جعله موضوعا مركزيا في النقاش حول النموذج التنموي المستدام.
وسجل المجلس أنه كان قد أدرج هذا الموضوع في إطار إحالة ذاتية، تم تتويجها بالمصادقة الإجماعية للجمعية العامة خلال دورتها السابعة والسبعين بعد المائة المنعقدة بتاريخ 22 دجنبر 2025، حيث صدر رأي مؤسساتي حمل عنوان: “التنوع البيولوجي في المغرب: نحو حكامة متجددة في خدمة تنمية ترابية مستدامة”، باعتباره وثيقة مرجعية موجهة للسياسات العمومية.
وأوضح الرأي أن إعداده كان قد انبنى على عمل تشخيصي تشاركي أنجزته اللجنة الدائمة المكلفة بالبيئة والتنمية المستدامة، برئاسة محمد بنقدور وإشراف المقرر عبد الرحيم كسيري، بعد سلسلة من جلسات الإنصات والمشاورات التي شملت فاعلين مؤسساتيين وخبراء وجمعويين، إضافة إلى استشارة مواطنة رقمية عبر منصة “أشارك”، وزيارة ميدانية لجهة سوس ماسة خلال نونبر 2025.
وبين المجلس أن المغرب كان قد تموقع، وفق المعطيات العلمية المعتمدة، ضمن الدول الغنية بالتنوع البيولوجي على المستويين المتوسطي والإفريقي، بفضل تنوعه الجغرافي والإيكولوجي الذي شمل الغابات والجبال والسهوب والواحات والمجالات الساحلية والبحرية، وهو ما وفر قاعدة طبيعية استثنائية لدعم الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالموارد الحية.
وأشار الرأي إلى أن الرصيد البيولوجي الوطني كان قد شمل حوالي 25,597 نوعا حيوانيا، و7,491 نوعا نباتيا وفطريا، مع نسب توطن مهمة بلغت حوالي 17.19 في المائة لدى النباتات و11.7 في المائة لدى الحيوانات، إضافة إلى أكثر من 7,136 نوعا بحريا، وهو ما أكد القيمة الاستراتيجية لهذا الرأسمال الطبيعي.
وأكد المجلس أن هذه المنظومة الإيكولوجية كانت قد اضطلعت بوظائف حيوية غير مرئية، شملت دعم الإنتاج الفلاحي والبحري، وتنظيم التوازنات المناخية، وتثبيت التربة، وحماية السواحل، غير أن هذه الوظائف ظلت لفترة طويلة غير مدمجة بشكل كاف في الحسابات الاقتصادية والسياسات العمومية.
وأوضح الرأي أن التطورات الدولية، خاصة ما بعد جائحة كوفيد 19، كانت قد عززت التوجه نحو مقاربة “الصحة الواحدة” التي تربط بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة، غير أن إدماج هذا التوجه داخل السياسات الوطنية ظل في حاجة إلى مزيد من التفعيل والهيكلة المؤسساتية.
♦ضغوط بيئية واختلالات بنيوية
سجل المجلس أن المعطيات البيئية الوطنية كانت قد أظهرت تدهورا متسارعا في النظم الإيكولوجية خلال السنوات الأخيرة، نتيجة تراكم ضغوط بشرية ومناخية، تمثلت في التوسع العمراني غير المراقب، والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية، والتلوث، وزحف الأنواع الغازية.
وأظهر الرأي أن هذا التدهور كان قد أدى إلى اختفاء أو تراجع عدد من الأصناف الحيوانية والنباتية، من بينها أسد الأطلس وغزال المها وظبي الأداكس، إضافة إلى اختفاء طائر الكروان رفيع المنقار في نهاية القرن العشرين، وهو ما عكس هشاشة التوازن البيئي الوطني.
وأفاد المجلس أن المعطيات العلمية كانت قد سجلت أيضا تراجعا حادا في التنوع الوراثي لبعض الزراعات، حيث تم فقدان ما يقارب 75 في المائة من أصناف الحبوب المحلية، إلى جانب تعرض الثروة البحرية لضغوط صيد مفرطة تجاوزت الحدود المستدامة بيولوجيا.
وأشار الرأي إلى أن التغيرات المناخية كانت قد فاقمت هذا الوضع، من خلال توالي سنوات الجفاف، وارتفاع درجات الحرارة، وعدم انتظام التساقطات، مما أدى إلى تسريع التصحر وتدهور الواحات وارتفاع حدة الإجهاد المائي.
وكشف المجلس أن بعض الظواهر البيولوجية، مثل انتشار الحشرة القرمزية ومرض البيوض، كانت قد تسببت في خسائر كبيرة في القطاع الفلاحي، وأثرت بشكل مباشر على النسيج الاقتصادي والاجتماعي بالعالم القروي.
وجدد الرأي التأكيد أن الحكامة البيئية كانت قد عرفت اختلالات بنيوية، تمثلت في تشتت السياسات العمومية وغياب التقائية فعلية بين قطاعات الفلاحة والمياه والبيئة والمالية والتعمير، وهو ما حد من نجاعة التدخلات العمومية في مجال حماية الرأسمال الطبيعي.
وكشف المجلس أن هذا التشتت المؤسساتي كان قد أعاق إدماج البعد البيئي في التخطيط الاستراتيجي والاستثماري، مما جعل القرارات العمومية في كثير من الأحيان غير منسجمة مع متطلبات الاستدامة.
♦إصلاح حكامة وتثمين مستدام
أوصى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في رأيه، باعتماد قانون إطار خاص بالتنوع البيولوجي، يهدف إلى توحيد المرجعيات القانونية والمؤسساتية، وضمان انسجام السياسات العمومية مع أهداف حماية وتثمين الرأسمال الطبيعي.
وذهب الرأي إلى أن هذا القانون كان من شأنه أن يعيد تنظيم الحكامة الوطنية عبر إحداث هيئة عليا للتنسيق والتتبع والتقييم، تتمتع بصلاحيات استراتيجية، وتوضع تحت إشراف رئاسة الحكومة، لضمان التقائية السياسات العمومية ذات الصلة.
وبين المجلس أن الإصلاح المقترح كان قد شمل أيضا الدعوة إلى إعداد مدونة وطنية موحدة للتنوع البيولوجي، تضم مختلف القواعد القانونية المتعلقة بحماية الموائل الطبيعية، وتنظيم استغلال الموارد الجينية، ومكافحة التلوث والأنواع الغازية، مع إرساء نظام زجري فعال.
ونبه الرأي إلى أن التنزيل الترابي لهذه الإصلاحات كان قد دعا إلى إدماج إلزامي لأهداف حماية النظم البيئية في وثائق التعمير وبرامج التنمية الجهوية، بما يضمن انسجام التخطيط الترابي مع متطلبات الاستدامة البيئية.
وسجل المجلس أن تبني “الحلول المرتكزة على الطبيعة” كان قد اعتبر توجها استراتيجيا، يهدف إلى تعزيز دور الأنظمة الإيكولوجية في التكيف مع التغيرات المناخية، بدل الاعتماد المفرط على البنيات التحتية التقليدية المكلفة.
وأكد الرأي أن التمويل العمومي والخاص كان قد طرح ربطه بمعايير بيئية صارمة، من خلال إلزام المشاريع الاستثمارية بإثبات أثر بيئي إيجابي أو محايد، مع توجيه التحفيزات نحو المشاريع المستدامة.
وخلص المجلس إلى أن التنوع البيولوجي كان قد تحول إلى قضية استراتيجية مركزية، لا تقتصر على بعدها البيئي، بل تمتد إلى الأمن الاقتصادي والاجتماعي، وإلى مستقبل التنمية بالمغرب، باعتباره رافعة أساسية لبناء نموذج تنموي مستدام.

