قدم الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات أمام البرلمان عرضا مفصلا لأبرز خلاصات التقرير السنوي للمجلس برسم سنتي 2024 و2025، مبرزا دور المحاكم المالية في تعزيز الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، في سياق وطني يتسم بتحولات سياسية وتنموية واستحقاقات انتخابية قريبة.
وأوضح العرض أن التقرير السنوي، الذي رفع إلى جلالة الملك وصدر بالجريدة الرسمية، يندرج في إطار تفعيل المقتضيات الدستورية المتعلقة بمراقبة المالية العمومية، ويشكل آلية لدعم العمل الرقابي للمؤسسة التشريعية وتعزيز ثقة المواطنين في أداء المؤسسات، من خلال تتبع تدبير الشأن العام وضمان توجيه الموارد لخدمة الصالح العام.
وسجل التقرير أن إنجازاته تواكبت مع ظرفية وطنية خاصة، تتميز بمواصلة تنزيل الرؤى الملكية الهادفة إلى تعميم ثمار التنمية على جميع المواطنين والمجالات الترابية، وبالتحول الذي عرفته قضية الوحدة الترابية، وما يرتبط به من آفاق جديدة للتنمية والاستثمار، خاصة بالأقاليم الجنوبية، بما يعزز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي.
وأبرز الرئيس الأول أن المجلس يوجد في المرحلة الأخيرة من تنفيذ توجهاته الاستراتيجية للفترة 2022-2026، والتي جعلت من تعظيم أثر أعماله هدفا محوريا، مؤكدا أن هذه التوجهات اعتمدت برمجة رقابية مستقلة قائمة على تحليل المخاطر والإنصات لانتظارات المحيط المؤسساتي، مع تعزيز التعاون مع السلط التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهو ما نوهت به تقارير دولية اعتبرت النموذج المغربي مرجعا في تنسيق منظومة المساءلة.
وبيّن العرض أن التقرير السنوي يعكس حصيلة مهمات رقابية دقيقة أنجزها المجلس والمجالس الجهوية للحسابات وفق منهجية مهنية تستند إلى المعايير الدولية، مع مراعاة الخصوصيات الوطنية والجهوية، وتركز على تحليل واقعي لإشكالات التدبير العمومي ومستوى نضجه، بهدف تقديم تشخيص موضوعي يدعم اتخاذ القرار العمومي.
وتوقف الرئيس الأول عند الأثر المالي المباشر لتوصيات وملاحظات المحاكم المالية، مشيرا إلى أن تفاعل عدد من الأجهزة العمومية مكن من تحقيق أثر مالي يفوق 629 مليون درهم، عبر تحصيل ديون وواجبات مستحقة، ورفع مداخيل بعض الرسوم، واسترجاع مبالغ غير مستحقة، وتطبيق غرامات واقتطاعات في إطار الصفقات العمومية والتدبير المفوض، إضافة إلى إجراءات ينتظر أن تساهم في تنمية الموارد وخفض التكاليف.
وعرض التقرير معطيات دقيقة حول التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، موضحا أن عدد طلبات رفع القضايا بلغ 111 طلبا خلال الفترة الممتدة من يناير 2024 إلى شتنبر 2025، أغلبها أحيل من داخل منظومة المحاكم المالية نفسها، مقابل نسبة محدودة من الطلبات الواردة من سلطات خارجية، مع التأكيد على أن هذا النوع من التأديب يختلف عن الجريمة المالية ولا يفترض بالضرورة وجود اختلاس أو سوء نية.
وأكد الرئيس الأول أن المحاكم المالية تعتمد مساطر مضبوطة تقوم على التواجهية والجماعية والتوثيق، مع تحليل دقيق للاختلالات وأسبابها وآثارها، ومراعاة التناسب بين كلفة المسطرة والرهانات المالية، مع إعطاء الأولوية للأدوار الوقائية والبيداغوجية قبل اللجوء إلى الإحالات التأديبية أو الجنائية.
وكشف العرض أن النيابة العامة لدى المحاكم المالية قررت حفظ عدد مهم من القضايا بعد دراسة موضوعية، كما أحالت ملفات محدودة على رئاسة النيابة العامة للاشتباه في أفعال ذات طابع جنائي، موضحا أن عدد الإحالات الجنائية يظل محدودا مقارنة بحجم الأجهزة الخاضعة للمراقبة، وهو ما يبرز الطابع التدبيري لغالبية الاختلالات المسجلة.
وأشار التقرير إلى أن تضخيم تمثلات الفساد المالي قد تكون له آثار سلبية لا تقل خطورة عن الفساد نفسه، محذرا من التوظيف غير المسؤول لتقارير الرقابة، خاصة في سياق انتخابي، ومن تسريب معطيات أولية لا تعكس بالضرورة خلاصات التقارير النهائية.
واستعرض الرئيس الأول حصيلة البت في ملفات التأديب المالي، حيث بلغ عدد القضايا الرائجة 412 ملفا، تم البت في 130 منها، وأسفرت الأحكام عن غرامات وإرجاع مبالغ تجاوز مجموعها 5,9 مليون درهم، مع تسجيل أن أغلب القضايا تتعلق بمؤسسات عمومية وجماعات ترابية، وأن فئة الآمرين بالصرف تشكل النسبة الأكبر من المعنيين.
وبيّن العرض أن طبيعة المخالفات المسجلة ترتبط أساسا بعدم احترام قواعد الالتزام بالنفقات والصفقات العمومية وضعف أنظمة الرقابة الداخلية وتدبير المخاطر، إضافة إلى محدودية الموارد البشرية وضعف التنسيق، مؤكدا على أهمية إخراج النصوص التنظيمية المتعلقة بالمراقبة الداخلية لتعزيز الحكامة.
وتطرق التقرير إلى مجال التدقيق والبت في الحسابات، مسجلا تقدما في رقمنة مساطر تقديم الحسابات، وتفاعلا إيجابيا للمحاسبين العموميين أدى إلى إرجاع مبالغ مهمة قبل صدور الأحكام النهائية، مع تسجيل أن 95 في المائة من القرارات انتهت بإبراء الذمة، مقابل نسبة محدودة من حالات العجز.
وخلص العرض إلى طرح إشكالية نجاعة نظام المسؤولية الحالي للمحاسبين العموميين في ظل تطور التدبير العمومي، داعيا إلى إعادة النظر فيه ضمن مشروع مدونة المحاكم المالية قيد الإعداد، بما يواكب التحولات المرتبطة بالرقمنة والانتقال إلى التدبير المرتكز على النتائج.
وأكد الرئيس الأول في ختام عرضه على أهمية إصلاح منظومة التصريح الإجباري بالممتلكات، داعيا إلى إخراج قانون موحد يعتمد التصريح الإلكتروني ويعزز آليات المراقبة، مع تسجيل تحسن ملحوظ في نسب الامتثال لدى مختلف الفئات، بما يساهم في ترسيخ الشفافية والنزاهة في تدبير الشأن العام.

