دعا المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي إلى مراجعة شاملة وعميقة لمشروع القانون المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، معتبراً أن النص بصيغته الحالية يفتقر إلى رؤية استراتيجية واضحة، ويغيب عنه الانسجام الداخلي والتكامل مع المرجعيات الوطنية المؤطرة للإصلاح، وعلى رأسها القانون-الإطار 51.17 والرؤية الاستراتيجية 2015-2030.
وأشار المجلس، في رأيه رقم 18/2025 الذي صودق عليه خلال الدورة الثامنة للجمعية العامة المنعقدة في 20 ماي الماضي، إلى أن المشروع لم يرق إلى مستوى التحولات المتسارعة التي يعرفها قطاع التعليم العالي، ولم يستوعب بشكل كاف المتطلبات الدستورية والاقتصادية والاجتماعية التي تفرضها المرحلة الراهنة، داعيا إلى اغتنام هذه المناسبة لتجاوز منطق “إصلاح الإصلاح” نحو إصلاح نوعي ومؤسس لتحول فعلي للمنظومة.
وسجل المجلس أن المشروع المعروض لم يترجم التوجهات الكبرى للسياسة العمومية في مجال التعليم العالي والبحث العلمي، ولا يقدم تصوّرا متكاملا عن وظائف الجامعة المغربية، إذ اكتفى بإعادة إنتاج مقتضيات القانون 01.00 مع تعديلات جزئية، من دون أن يتبنى هندسة مؤسساتية جديدة تواكب حاجيات التنمية وتراهن على الاستقلالية والحكامة والتكامل بين مكونات المنظومة.
وانتقد المجلس ما اعتبره “استمرارا في منطق التشتت” الذي يطبع العلاقة بين التعليم الجامعي والتكوين المهني، كما سجل غياب رؤية متكاملة لتوزيع الأدوار بين القطاعين العام والخاص، محذرا من تعميق الفوارق والتنافس غير المتكافئ في ظل غياب مقتضيات تنظيمية واضحة تضبط العلاقة بينهما.
واعتبر المجلس فيما يخص البحث العلمي والابتكار، أن المشروع لم يمنح هذا الجانب المكانة المحورية التي يستحقها، واكتفى بتخصيص جزء شكلي دون إرساء أسس واضحة لتمويل البحث، وتوجيهه نحو القضايا ذات الأولوية الوطنية.
وسجل المجلس وبخصوص البنية القانونية للنص، أن هناك اختلالات على مستوى الهيكلة الداخلية، مع وجود فصول غير متوازنة من حيث الحجم والمضمون، وغياب الوحدة الموضوعية في أجزاء عديدة، إلى جانب إحالات متكررة على نصوص تنظيمية لم تصدر بعد، ما قد يُربك عملية التنزيل ويفقد النص فعاليته.
وأوصى المجلس بإعادة صياغة الديباجة لتستند إلى الديباجة الواردة في القانون-الإطار 51.17، باعتبارها مرجعا تشريعيا يختزل الفلسفة العامة للإصلاح، مع ضرورة التنصيص الصريح على أدوار الجامعة في التنمية الجهوية والوطنية، واعتبار الاستقلالية مدخلاً أساسياً لإرساء حكامة ناجعة تقوم على التعاقد والمسؤولية.
وشدد على أهمية بلورة مخطط وطني مديري متعدد السنوات يعاد بموجبه هيكلة منظومة التعليم العالي ما بعد البكالوريا، بما في ذلك إدماج الأقسام التحضيرية والمؤسسات الخاصة والمؤسسات الرقمية، وفق رؤية مندمجة تعزز الإنصاف المجالي والتكافؤ في الفرص وجودة التكوين.
ودعا المجلس إلى تقنين فتح فروع للمؤسسات الأجنبية والتعليم العالي الرقمي، وضمان خضوعها لنفس معايير الجودة والاعتراف، بما يحمي السيادة الوطنية ويصون الهوية الثقافية والدستورية للمغرب.
وفيما يخص موقع الطالب، أكد المجلس ضرورة إعادة الاعتبار لمحورية المتعلم في الفعل التربوي، مع إقرار آليات تضمن الإنصاف وتيسير الولوج، خاصة بالنسبة للفئات الهشة، ومراعاة خصوصيات الأشخاص في وضعية إعاقة، بما يجسد فعلاً مركزية الطالب في صلب المنظومة.
وفي ختام رأيه، شدد المجلس على أن إخراج قانون جديد للتعليم العالي ينبغي أن يُشكل قطيعة مع المقاربات الترقيعية السابقة، وأن يُؤسس لتحول حقيقي يجعل من الجامعة رافعة للابتكار والتنمية والعدالة الاجتماعية، ومصدراً لإنتاج المعرفة القادرة على خدمة الوطن في سياق إقليمي ودولي متقلب ومتسارع.

