تفاعل الكثيرون سواءً المنظمات أو الدول أو الخبراء مع الاجتماع الوزاري للتنسيق بشأن المبادرة للملك محمد السادس، الرامية إلى تعزيز ولوج بلدان الساحل إلى المحيط الأطلسي، الذي انعقد يوم السبت الماضي بمراكش وحضره وزراء خارجية بوركينا فاسو ومالي والنيجر وتشاد، الذين رحبوا بالخطوة وعبروا عن نية بلدانهم الانضمام إليها، حيث رأوا فيها أنها بداية الطريق نحو تنفيذ ما نادى به الملك في وقت سابق، بهدف تطوير التجارة والتواصل بين البلدان الإفريقية.
ونادى الملك محمد السادس، في خطابه بمناسبة الذكرى الثامنة والأربعين للمسيرة الخضراء المظفرة، في نونبر الماضي، بإحداث إطار مؤسسي يجمع الدول الإفريقية الأطلسية الثلاثة والعشرين (23)، بغية توطيد الأمن والاستقرار وتحقيق الازدهار المشترك والتعاون بين بلدان هذه المنطقة.
ثورة تنموية مسنودة بانتقال ديمقراطي ونجاح دبلوماسي.. حصيلة 24 عاما من عهد الملك محمد السادس
♦ ترحيب واسع
أعرب وزراء خارجية بوركينا فاسو ومالي والنيجر وتشاد، عقب انتهاء أشغال هذا الاجتماع الوزاري عن انخراط بلدانهم في هذه المبادرة الدولية، التي أطلقها الملك محمد السادس لتعزيز ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، والتي تتيح فرصا كبيرة للتحول الاقتصادي للمنطقة برمتها.
وعبر وزراء خارجية هذه البلدان، في بيان ختامي توج أشغال الاجتماع الوزاري التنسيقي الذي انعقد بمبادرة من وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، عن انخراطهم في هذه المبادرة ذات البعد الإقليمي والدولي.
وشددوا على الأهمية الاستراتيجية لهذه المبادرة، التي تندرج في إطار تدابير التضامن الفاعل للملك محمد السادس مع البلدان الإفريقية الشقيقة عموما، ومنطقة الساحل على وجه الخصوص، والتي تتيح فرصا كبيرة للتحول الاقتصادي للمنطقة برمتها، بما ستسهم فيه من تسريع للتواصل الإقليمي وللتدفقات التجارية ومن ازدهار مشترك في منطقة الساحل.
ورحبوا في هذا الإطار، بالمقاربة الشاملة والتشاركية من أجل بلورة هذه المبادرة، مؤكدين على طموحهم المشترك لتعزيز علاقات التعاون من خلال شراكات متعددة القطاعات وهيكلية ومبتكرة، تعكس قيم التعاون جنوب – جنوب والتنمية المشتركة.
المغرب ورهان تحقيق الأمن الغدائي بإفريقيا بين المكاسب الاقتصادية والدبلوماسية
واتفق وزراء خارجية بوركينا فاسو ومالي والنيجر وتشاد، المشاركون في هذا الاجتماع التنسيقي، على إنشاء فريق عمل وطني في كل بلد من أجل إعداد واقتراح أنماط تنفيذ هذه المبادرة.
كما اتفق الوزراء على العمل في أقرب الآجال، على وضع اللمسات الأخيرة على المقترحات التي ستعرض على النظر السامي للملك محمد السادس، وأشقائه رؤساء دول بوركينا فاسو ومالي والنيجر وتشاد.
وفي ختام هذا الاجتماع، أعرب الوزراء عن امتنانهم للملك محمد السادس على هذه المبادرة، وعلى العرض الذي تقدمت به المملكة المغربية من أجل وضع البنيات التحتية، الطرقية والمينائية والسكك الحديدية، رهن إشارة دول الساحل، لتعزيز مشاركتها في التجارة الدولية.
وتم الإعلان عن المبادرة الملكية لتعزيز ولوج بلدان الساحل إلى المحيط الأطلسي في الخطاب الملكي السامي الموجه إلى الأمة، بمناسبة الذكرى الثامنة والأربعين للمسيرة الخضراء المظفرة، حيث قال “نقترح إطلاق مبادرة على المستوى الدولي، تهدف إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي”.
وأضاف الملك أن “المغرب مستعد لوضع بنياته التحتية، الطرقية والمينائية والسكك الحديدية، رهن إشارة هذه الدول الشقيقة” لدعم هذه المبادرة.
كما شدد الملك محمد السادس في الخطاب ذاته على أن “نجاح هذه المبادرة، يبقى رهينا بتأهيل البنيات التحتية لدول الساحل، والعمل على ربطها بشبكات النقل والتواصل بمحيطها الإقليمي”.
♦ ثقة البلدان الإفريقية في الرباط
يرى أحمد نور الدين، الخبير في العلاقات الدولية؛ المتخصص في العلاقات المغربية الجزائرية، في تصريح لجريدة “شفاف” أن سياسة المغرب تجاه مالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو، يؤطرها التعاون في المجالات الاقتصادية التي تعززت في العُشريتين الأخيرتين باستثمارات ضخمة للشركات المغربية في القطاعين الخاص والعام، وفي بعض هذه الدول كانت الخطوط الملكية المغربية إلى وقت قريب هي شركة الطيران الوحيدة التي تربطها بالعالم.
وأضاف الخبير في العلاقات الدولية أن ثقة هاته البلدان تأتي بفضل عوامل أخرى، من أهمها العلاقات الروحية والدينية الضاربة في القدم، والتي تعززت بتكوين الأئمة والوعاظ من مواطني هاته الدول بالمغرب؛ عبر معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، مبرزا أن هناك علاقات ثقافية من أبرز سماتها تقديم آلاف المنح للطلبة لاستكمال دراساتهم الجامعية بالمملكة.
وأردف أن هناك أيضا علاقات عسكرية متينة بموجبها تخرج الكثير من الضباط السامين في تلك البلدان الشقيقة من الأكاديميات العسكرية للمملكة، إضافة إلى التعاون بين الأجهزة الأمنية في التكوين وفي محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة وتلك العابرة للحدود.
وشدد نور الدين على أنه مع المبادرة الملكية ستفتح آفاق واسعة للمبادلات التجارية وتوسيع شبكة الطرق والبنيات التحتية واللوجستية في كل هذه الدول، مما سيعزز من نموها الاقتصادي ويسرع من وتيرة التكامل الاقتصادي بينها، موضحا أن هذا ما يجعل كَفة المغرب راجحة في المصداقية والثقة والعمل الملموس والتضامن الفعلي.
وأشار إلى أنه في أزمة “كورونا” على سبيل المثال قدم المغرب مساعدات وجرعات من اللقاحات في زمن كان فيه من الصعب الحصول عليها، وفي المقابل نجد الجزائر توزع الشعارات الإيديولوجية الجوفاء التي تفرق ولا تجمع، وتتآمر على تلك البلدان وتشجع الحركات الانفصالية والإرهابية، وتتدخل في الشؤون الداخلية للجيران، مبرزا أن الفرق واضح ولا يترك مجالا للتردد في اختيار الحليف الذي يمكن الاعتماد عليه.
♦ دلالات الاستجابة الإيجابية
يعتبر هشام معتضد، الخبير في العلاقات الدولية والأمنية، في تصريح لـ “شفاف” أن الاختيار المغربي لمنح ولوج بلدان الساحل إلى المحيط الأطلسي هو توجه ينسجم والتوجه المغربي الرامي لتنزيل الديناميكية الإستراتيجية المتعلقة بالتعاون جنوب-جنوب، ودعم الدول الإفريقية من أجل الرفع من سقف التنمية القاري وخلق السياقات المناسبة لمناخ الأعمال الإيجابية والمربحة والاستثمارات الاقتصادية والتجارية في إفريقيا.
وأوضح معتضد أن الاستجابة الإيجابية للبلدان المعنية بالمبادرة والحرص على حضورها للمغرب من أجل المشاركة في الاجتماع الوزاري المخصص لانطلاق المشاورات الرسمية المتعلقة بتنزيل هذا الورش الملكي يترجم الوعي السياسي لدى هذه البلدان بالأبعاد الإستراتيجية لهذا المشروع الكبير، والمصداقية السياسية والتاريخية التي يتميز بها الخطاب الملكي والمؤسسات المغربية لدى قيادات وشعوب هذه الدول.
الخطاب الملكي في ذكرى المسيرة الخضراء.. هكذا رسم الملك خارطة طريق تعزيز البعد الأطلسي للمغرب
ويشير المتحدث ذاته، إلى أن الانخراط السريع لمسؤولي البلدان يعبر أيضًا عن المكانة التي يتميز بها المغرب كمنصة صلبة قادرة على تقديم المكونات الضرورية والأساسية لإنجاح هذه المبادرة، انطلاقا من الموارد المالية والبنيات التحتية، مرورًا بالمواكبة الضرورية ومرافقة الدول في إنجاح مساراتها ومشاريعها المرتبطة بالفضاء الأطلسي، وصولًا إلى خبرة المغرب الأطلسية وثقافته التي ستمنح لهاته الدول آليات جديدة لتنويع مداخلها ورفع حجم استثماراتها.
♦ تفضيل المغرب على الجزائر
ييرز أحمد نور الدين أن التجاوب الإفريقي مع المبادرة الملكية، يبرز المصداقية والثقة اللتين يحظى بهما المغرب داخل قارته، موضحا أن دول الساحل والصحراء لا تثق في النظام الجزائري وتعلم أنها تجاور ثعبانا لن يتورع عن لدغها في أي لحظة؛ فبالنسبة لدولة مالي مثلاً تتلاعب الجزائر بملف الطوارق وتستغله للي ذراعها وابتزازها سياسيا في مواقفها الخارجية خاصة فيما يتعلق بالموقف من الصحراء المغربية.
واستطرد أن ما حدث مؤخرا من سحب للسفير المالي من الجزائر بعد اكتشافها مؤامرة جديدة تحاك خيوطها في الجزائر دليل على ذلك، مبرزا أن باماكو عانت من تصدير الجزائر للإرهاب، مشيرا إلى أنّ أغلب قيادات “الموجاو” و”داعش” و”الموقعون بالدم” في الساحل والصحراء هم من جنسية جزائرية، وأن “ويكيليكس” كشفت سنة 2013 إثر عملية “عين أمناس” عن مكالمة بين المخابرات الجزائرية وأمير “تنظيم الموقعون بالدم” بالسماح لهم بالنشاط على الحدود الجزائرية مع مالي مقابل تنفيذ عمليات إرهابية لصالح الجزائر ضد المغرب.
وأبرز الخبير المتخصص في العلاقات المغربية الجزائرية، أن ذلك يضاف إلى تورط الجزائر في اغتيال ثلاثة من سائقي الشاحنات المغاربة في مالي سنة 2021، مبرزا أن الدولة التي تبرم صفقات مع التنظيمات الإرهابية لا يمكن أن تكون إلا دولة إرهابية وليس فقط راعية للإرهاب.
وتابع أنه نفس الشيء بالنسبة للنيجر التي تعيش أزمة حادة مع الجزائر على خلفية إصدار وزارة الخارجية الجزائرية بيانها المؤرخ في 2 أكتوبر 2023؛ والذي نسبت فيه إلى حكومة النيجر رسالة مكتوبة توافق فيها على المخطط الجزائري للوساطة حول ما زعمت أنه أجل الستة أشهر للفترة الانتقالية، بينما جاء تكذيب النيجر جملة وتفصيلا لهذه المزاعم الجزائرية.
وأبرز أن الخارجية النيجيرية قالت إنها تفاجأت ببيان الخارجية الجزائرية الذي يتضمن موافقتها المزعومة دون علمها بذلك، موضحا أنه إلى اليوم وبعد مرور حوالي ثلاثة أشهر لم تنشر الجزائر تلك الرسالة التي زعمت أنها تلقتها من النيجر، وهذا يؤكد تلاعبها بأمن هذا البلد وتدخلها في شؤونها الداخلية بغرض زعزعة استقراره.
♦ نجاح الدبلوماسية الملكية
يعتبر أحمد نور الدين أن ما تحقق من تفاعل وتجاوب مع هذه المبادرة، هو نجاح للدبلوماسية الملكية وتتويج لما كان قد أعلن عنه الملك محمد السادس منذ 2017 في أول خطاب له بمقر الاتحاد الإفريقي؛ والذي كان مفاده أن المغرب يدعو إلى “تعاون ملموس لبناء مستقبل تضامني وآمن”.
وتابع أن الملك دعا إلى “إعطاء دفعة جديدة لقارتنا برمتها”، وأكد التزام المغرب “من أجل تحقيق التنمية والرخاء للمواطن الإفريقي”، مبرزا أن هذه المقتطفات تعتبر خلاصة للسياسة الإفريقية للملك التي تقوم على مشاريع حقيقية وملموسة في كل القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والتكوين والتمويل، والتي تهدف إلى انبثاق إفريقيا قوية متضامنة وتنعم بالأمن والاستقرار والوحدة.
وأبرز أن الملك ترجم ما سبق عمليا خلال زياراته لحوالي 30 بلدا إفريقيا ووقع معها 1000 اتفاقية، ودشن عشرات المشاريع الكبرى التي تصل قيمتها أحيانًا إلى 3 مليارات دولار كما هو الشأن لكل واحدة من مصنعي الأسمدة في نيجيريا وإثيوبيا، مشيرا إلى أن المغرب يريد الريادة لكل القارة الإفريقية وليس له وحده، مشيرا إلى أن هذا الهدف هو الذي يسعى إليه وماضٍ في تحقيقه على الأرض.
قراءة في الخطاب الملكي على ضوء الرؤية الاستشرافية لتنمية الأقاليم الجنوبية عبر بوابة الاقتصاد البحري
وأشار إلى أنه على عكس ذلك، أعجزت الجزائر نفسها بنفسها بإعلانها الحرب على المغرب على كل الجبهات، وذلك بتبنيها خيارات الهدم والانفصال والتآمر داخل القارة عمومًا، ومع جيرانها خصوصًا في مالي والنيجر وليبيا.
وأوضح الخبير في العلاقات الدولية أن هناك فرضيات حول تورطها في اغتيال القياديين التونسيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي في بداية الثورة بهدف نشر الفوضى في تونس وإفشال المشروع الديمقراطي.
وأردف أن الجزائر ليس لها من مشروع تقدمه لإفريقيا في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مشيرا إلى أن فاقد الشيء لا يعطيه، مبرزا أنها دولة مبنية على اقتصاد الريع، وأن النظام الجزائري عبارة عن ديكتاتورية عسكرية فضحها الحراك الشعبي الجزائري سنة 2019.
وشدد الخبير المتخصص في العلاقات المغربية الجزائرية، على أن ما سبق يؤكد أنه ليس للجزائر ما تقدمه لإفريقيا على المستوى السياسي أو الحكامة، مبرزا أنها حكمت على نفسها بالعزلة والانكماش حتى ينهار النظام الحديدي الموروث عن الحرب الباردة.
♦ المكاسب وغياب موريتانيا والسنغال
يرى هشام معتضد أن هذا التكتل المشترك سيشكل محورًا جديدا ومهمًا في الديناميكية الاقتصادية في المنطقة، خاصة بالنسبة للدول المعنية بهذا الانفتاح الجديد، مشيرا إلى أن فتح واجهة أطلسية لدول تفتقر لمنفذ بحري سيغير بشكل كبير الثقافة التجارية والاقتصادية لهذه الدول بتمكينها من وصول منتجاتها بشكل مرن لموانئ أطلسية، وبالتالي ربط الساحل بأسواق جديدة وفضاءات مختلفة.
واستطرد قائلاً إن المغرب عازم من خلال هذه المبادرة، على المساهمة بشكل مباشر في ضخ دماء جديدة في الأسواق الاقتصادية لدول الساحل ومساعدة خريطة اقتصاداتها على مواكبة الديناميكية التي تشهدها المنطقة الأطلسية، وفتح إمكانية تدفق رؤوس الأموال عبر المحيط الأطلسي لفضاءات هذه الدول.
واعتبر الخبير في العلاقات الدولية والأمنية أن غياب موريتانيا والسنغال عن الاجتماع الوزاري الأول لا يعني عدم الاستجابة أو التفاعل مع الدعوة الملكية، ولكن في مرحلة أولى اختارت القيادة في الرباط عقد اجتماع أولي مع الدول التي ليس لها منفذ أطلسي في انتظار اللقاءات القادمة التي ستلتحق بها كل من نواكشوط وداكار من أجل تنسيق الجهود وضبط معالم خريطة الطريق الجديدة لهذا التكتل.

