في خضم مؤشرات واعدة بانخفاض التضخم وتحسن آفاق النمو، اختار بنك المغرب تثبيت سعر الفائدة المرجعي عند مستوى 2.25% خلال النصف الثاني من سنة 2025، في قرار يعكس توجهًا حذرًا يحاول الحفاظ على التوازن بين استقرار الأسعار ودينامية النشاط الاقتصادي، ورغم أن هذا القرار يأتي في سياق تراجعي تدريجي لسعر الفائدة منذ سنة 2023، فإنه يثير العديد من التساؤلات حول حدود تأثير هذا الثبات على تمويل الاستثمار، خصوصًا فيما يتعلق بالمقاولات الصغرى جدًا والصغرى والمتوسطة، التي تشكل العمود الفقري للنسيج الاقتصادي الوطني.
في المقابل، لا يخلو هذا القرار من دلالات أعمق، تتصل بالسياق السياسي والمؤسساتي، وبالقيود البنيوية التي تطبع الاقتصاد الوطني، ما يثير فرضيات حول مدى كفاية أدوات السياسة النقدية وحدها لتحفيز الطلب الداخلي في ظل محدودية الأثر على القدرة الشرائية واستمرار ارتفاع الأسعار، وإن كان استقرار مؤشرات التضخم الرسمية يعكس فعلاً الواقع المعيشي للأسر المغربية، وما يرتبط أيضًا بنجاعة المقاربة النقدية المعتمدة، ومدى تكيّفها مع خصوصيات الاقتصاد الوطني.
خفض سعر الفائدة.. قراءة في تأثيراته المرتقبة على المقاولات والاستثمار وفرص الشغل
❖ سياق القرار
تعتبر سلوى الجابري، الباحثة في الاقتصاد، أن الهدف الرئيسي من السياسة النقدية بالمغرب يتمثل في استقرار الأسعار، كما ينص على ذلك القانون الأساسي لبنك المغرب، ومع مراعاة هدف استقرار الأسعار، يمكن استعمال مجموعة من الآليات من بينها سعر الفائدة المرجعي، وذلك من أجل دعم النمو أو المساهمة في تحقيق أهداف اقتصادية أخرى.
وأبرزت الجابري في تصريح لجريدة “شفاف”، أن قرار بنك المغرب الإبقاء على سعر الفائدة دون تغيير، رغم تراجع معدل التضخم وتحسن آفاق النمو، يأتي في سياق مسار تراجعي تدريجي لسعر الفائدة المرجعي، حيث تم خفضه من 3% خلال سنة 2023 وبداية 2024 إلى 2.75%، ثم إلى 2.5%، قبل أن ينخفض مجددًا إلى 2.25% خلال سنة 2025، وهو المستوى المعتمد حاليا.
المغرب بين كلفة الطاقة وضغوط التضخم.. هل يعيد صراع إسرائيل وإيران شبح “أزمة أوكرانيا”؟
وأردفت الباحثة في الاقتصاد، أن هذا القرار يعكس استمرارية السياسة النقدية الحذرة بين التيسير والتشديد النقدي، لكنه في العمق يفسر بمجموعة من الاعتبارات المتداخلة، منها ما هو تقني صرف، ومنها ما هو متصل بالسياق السياسي والتنسيق المؤسسي.
وتابعت من جهة أولى، وبالنظر إلى المنطق النقدي المحض، فإن بنك المغرب يهدف من خلال ثبات سعر الفائدة إلى الحفاظ على استقرار الأسعار على المدى المتوسط، حتى وإن تراجعت معدلات التضخم الظاهرة، إذ إن البنك يعتمد في قراراته على توقعات التضخم المستقبلية وليس فقط على الأرقام الحالية مع الأخذ بعين الاعتبار إمكانية عودة الضغوط التضخمية المرتبطة بالعوامل الخارجية والداخلية.
ولفتت إلى أنه من جهة ثانية، لا يمكن فصل القرارات المتعلقة بالسياسة النقدية عن السياق السياسي والمؤسساتي الذي يشتغل فيه بنك المغرب، فرغم ما يتمتع به من استقلالية، فإنه يعمل بتنسيق مع الحكومة خاصة وزارة الاقتصاد والمالية، وهنا ستتقاطع أهداف السياسة النقدية مع أولويات مالية وأبعاد سياسية.
❖ التأثير على المقاولات
ترى الجابري أن سعر الفائدة الحالي سيكون له تأثير متفاوت على المقاولات حسب الحجم والقطاع، فبالنسبة للمقاولات المتوسطة والصغرى والصغيرة جدا غالبا ما تعاني من صعوبات في الولوج إلى التمويل، ليس بسبب سعر الفائدة فقط، بل بسبب الصعوبات المتعلقة بالموافقة على التمويل من طرف المؤسسات البنكية، حيث تم رفض 40 % من الملفات المقدمة لها.
وشددت الباحثة في الاقتصاد على أنه من الضروري إجراء مواكبة حقيقية من الحكومة عن طريق تقديم دعم لهذه المقاولات من خلال توفير ضمانات أو صناديق مخصصة لتتمكن الأبناك من تغطية المخاطر المحتملة نتيجة التمويل.
واستطردت أنه بالنظر إلى محدودية تأثير تثبيت سعر الفائدة المرجعي على دينامية الاستثمار، يمكن القول إن هذا الخيار في حد ذاته، قد لا يكون كافيا لتوسيع حجم القروض الموجهة للمقاولات الصغرى جدا والصغرى والمتوسطة، التي تشكل العمود الفقري للنسيج الاقتصادي المغربي، مبرزة أن هذه المقاولات لا تتأثر فقط بمستوى الفائدة، بل أيضا بمدى توفر التمويل، وسهولة الولوج إليه، ووضوح شروطه.
وذكرت أنه لذلك، فإن الإبقاء على سعر الفائدة دون تغيير يحتم إرفاق السياسة النقدية بمجموعة من التدابير التحفيزية المكملة، من قبيل توسيع آليات إعادة التمويل، وإطلاق برامج ضمان أوسع وأكثر مرونة، وبلورة برامج استهدافية حسب القطاع والجهة، تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات المقاولة الصغيرة في المجالين الحضري والقروي، وتعزيز دور الفاعلين غير البنكيين في التمويل؛ كالتمويل التشاركي والتمويل الأصغر (micro-finance)، والتمويل الجماعي (crowdfunding)، وهي آليات بدأ المغرب في تأطيرها قانونيا خلال السنوات الأخيرة.
وأبرزت أنه علاوة على ذلك؛ تعد مواكبة حاملي المشاريع عبر التكوين والتأطير والدعم غير المالي ضرورة حتمية، خاصة في ظل ضعف الثقافة المالية لدى شريحة واسعة من المقاولين، حيث إن العوائق غير المالية؛ مثل ضعف المواكبة الإدارية والتقنية، تشكل أحد الأسباب الرئيسية لفشل المشاريع الناشئة.
❖ بين الحذر والجمود
في ظل المعطيات المتوفرة، تعتبر الجابري أن القرار لا يبدو حذرا مفرطا بقدر ما هو حذر موجه نحو التحكم في مستويات التضخم على المدى المتوسط، ودعم انتعاش الاقتصاد الوطني في ظل التحولات المتعلقة بالسياقين الداخلي والخارجي.
وذكرت أنه رغم كون هذا التوجه مرتبط نسبيا بالصعيد الدولي والتوترات الجيوسياسية وما تفرزه من انعكاسات على أسعار الطاقة وسلاسل التوريد، والطلب الخارجي، لما لذلك من تأثيرات غير مباشرة على النمو والتضخم؛ إلا أن فعالية السياسة النقدية ستبقى محدودة إذا لم تواكب بإجراءات أكثر جرأة على الصعيد الداخلي.
إحداث قرابة 20 ألف مقاولة في شهرين فقط.. هل تؤشر الأرقام على تحول نوعي أم تعيد إنتاج التفاوتات؟
وأردفت أن ذلك سيتم عن طريق إصلاحات عميقة تعالج الأسباب الداخلية البنيوية للتضخم، والتي ترتبط أساسا باختلالات في منظومة العرض والطلب، وتعدد الوسطاء في سلاسل التوزيع، وتمركز الأنشطة الاقتصادية في يد فاعلين محدودين، فضلا عن استمرار مظاهر اقتصاد الريع التي تعرقل المنافسة وتحد من نجاعة آليات السوق.
ونبهت الباحثة في الاقتصاد إلى أن التضخم في السياق المغربي لا يعزى فقط إلى العوامل الخارجية أو النقدية، بل هو أيضا نتاج لبنية اقتصادية تحتاج إلى مزيد من الشفافية، وتحرير الطاقات الإنتاجية، وضبط حلقات التسويق والتوزيع.
وأضافت أن ثبات سعر الفائدة المرجعي يبقى إشارة على استمرارية النهج الحذر لبنك المغرب، ويعكس في الظاهر نوعا من التوازن في الرؤية، لكنه قد يفسر أيضا كغياب للمرونة في التفاعل مع بعض مؤشرات الانكماش الظاهرة؛ خاصة على مستوى الطلب الداخلي، واستمرار ارتفاع الأسعار الملحوظ، وفي صعوبة تمويل المقاولات؛ حيث إن الرهان الحقيقي يبقى في مدى قدرة الآليات المعتمدة على تسهيل الولوج إلى التمويل وتفعيل الإقراض، وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين وتعزيز الطلب الداخلي.
❖ الطلب الداخلي والقدرة الشرائية
تشير الجابري إلى أن ثبات سعر الفائدة المرجعي سيكون له تأثير ضئيل نسبيا على القدرة الشرائية والطلب الداخلي وذلك لاستقرار كلفة الاقتراض بالنسبة للأسر؛ مما قد يدعم استمرارية القروض الاستهلاكية بشكل رئيسي ثم قروض السكن، كما قد يقلل من عنصر عدم اليقين المتعلق بتكلفة التمويل لدى فئة من المستثمرين.
ولفتت إلى أن ثبات معدل الفائدة أو خفضه في ظل استمرار ارتفاع أسعار المنتجات، وفي غياب زيادات مناسبة في الأجور في القطاعين العام والخاص مع استمرار ارتفاع معدل البطالة؛ لا يمكن أن يكون له أثر حقيقي ملموس على الطلب الداخلي.
وأضافت أن ارتفاع الاستهلاك سيمول أساسا من الاقتراض وليس من تحسن مداخيل الأسر، ما يرفع من مستوى المديونية ويحد من الأثر الإيجابي طويل المدى على الطلب الداخلي، مشيرة إلى أنه قد يؤدي ذلك إلى تعزيز استهلاك ظرفي، لكنه يبقى هشا ومعرضا للتراجع عند أول ضغوط مالية أو ارتفاع لسعر الفائدة مستقبلا.
واعتبرت أن ثبات الفائدة لا يشكل في حد ذاته محفزا كافيا لتعزيز القدرة الشرائية ما لم تقترن السياسة النقدية بسياسات مالية واجتماعية داعمة، كرفع الأجور، وتخفيض الضغط الجبائي على الطبقات المتوسطة، أو دعم مباشر للفئات الهشة.
وأردفت أنه بشكل عام يمكن القول إن أثر ثبات سعر الفائدة على الطلب الداخلي خلال النصف الثاني من 2025 سيبقى أثره محدودا جدًا، فهو يساعد على تجنب تدهور القدرة الشرائية نسبيا لدى بعض الفئات، لكنه لا يخلق دينامية حقيقية لإنعاش الاقتصاد الوطني، موضحة أنه في ظل استمرار الأسباب البنيوية للتضخم سيصعب تحسين القدرة الشرائية والرفع من الطلب الداخلي، وذلك رغم التحسن الظاهر لمؤشرات قياس التضخم.
واستطردت أنه في المقابل، فإن الحديث عن استقرار الأسعار وانخفاض التضخم، كما تظهره البيانات الرسمية لمؤشر أسعار الاستهلاك، يجب التعامل معه بحذر، باعتبار المؤشر يعتمد فقط على بيانات 18 مدينة حضرية، ويقصي المجال القروي، كما أنه يبنى على سلة استهلاكية لم يتم تحيينها لمواكبة التغيرات الحقيقية في أنماط الإنفاق.
وأبرزت الباحثة في الاقتصاد أنه اعتمادًا على ما سبق، فإن المؤشر لا يعكس بدقة الضغط الفعلي الذي يعيشه أغلب المواطنين نتيجة تقهقر قدرتهم الشرائية؛ خاصة في ظل استمرار ارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية والخدمات.

