يشكل موضوع العلاقة بين الملك وولي العهد في المغرب نموذجا فريداً لفهم آليات استمرارية الدولة، حيث تتجاوز مجرد انتقال السلطة لتصبح مسارا تربويا وقيميا يحدد معنى الحكم وحدوده.
وتستند هذه العلاقة إلى ممارسة يومية تُمكّن ولي العهد من استيعاب مسؤولياته قبل امتلاك الموقع، وتعكس خصوصية النموذج المغربي في ربط الشرعية السياسية بالشرعية الدينية والرمزية، بما يضمن نقل القيم والمعايير الأخلاقية عبر الأجيال.
بهذا المعنى، يطرح الموضوع إطارا مهنيا لفهم كيف تكتسب الدولة المغربية استقرارها وقدرتها على التجدد من خلال التربية القيمية، وليس فقط عبر القوانين والمؤسسات.
وفي هذا السياق، أكد الباحث في السياسات العمومية والحكامة، الدكتور مصطفى الصغيري، أن استمرارية الدولة لا تُختزل في قوة مؤسساتها أو وضوح قواعدها الدستورية، بل تقوم أساساً على قدرتها على نقل منظومة القيم التي تمنح لهذه المؤسسات معناها وشرعيتها، مبرزاً أن خصوصية النموذج المغربي تكمن في هذا التلازم بين القانون والقيم، حيث تُمارَس هذه الأخيرة داخل بنية المؤسسة الملكية قبل أن تُعلَّم أو تُؤطَّر نظريا.
وأوضح الصغيري في تصريح معمم، أن العلاقة بين الملك وولي العهد في المغرب تتجاوز بعدها الأسري لتُشكل آلية دقيقة من آليات استمرارية الدولة، إذ لا يتم من خلالها نقل السلطة كوظيفة فقط، بل يُنقل التصور المؤطر لممارستها، بما يحمله من حدود وأخلاقيات ومعنى سياسي، مشيرا إلى أن ولي العهد يتدرج داخل مسار تربوي عميق يتعلم فيه ليس فقط كيف يُمارس الحكم، بل لماذا يُمارسه وتحت أي منظومة قيمية.
واعتبر أن المؤسسة الملكية، في بعدها المرتبط بإمارة المؤمنين، لا تقوم فقط على تدبير الشأن العام، بل على تكليف أخلاقي وروحي يفرض نموذجاً في السلوك قبل القرار، مضيفا أن إعداد ولي العهد يتم داخل منظومة متكاملة تستند إلى الثوابت الدينية المغربية، بما تمثله من اعتدال وتوازن، حيث تُترجم هذه المرجعيات إلى ممارسات يومية تُشكل شخصية رجل الدولة عبر الانضباط والتواضع والإحساس بثقل المسؤولية.
وأبرز أن التنشئة داخل المؤسسة الملكية لا تعتمد على التلقين النظري، بل على المعايشة اليومية والقدوة الصامتة، حيث تنتقل القيم عبر الاحتكاك المباشر والملاحظة الدقيقة، في علاقة تجمع البعد الإنساني بالتربوي والسياسي، مما يسمح بتكوين وعي تدريجي بطبيعة الحكم وحدوده وتعقيداته.
واستحضر الامتداد التاريخي لهذا النموذج، من العلاقة التي جمعت بين الملك محمد الخامس وولي عهده، مرورا بتجربة الملك الراحل الحسن الثاني مع الملك محمد السادس، معتبرا أن هذا المسار يعكس استمرارية في نقل الفهم العميق لمعنى السلطة، حيث يتشكل رجل الدولة من خلال تجربة تراكمية تجمع بين المصاحبة والانضباط، وبين التعلم بالممارسة واستيعاب الإشارات غير المعلنة.
وسجل أن العلاقة المعاصرة بين الملك محمد السادس وولي عهده تعكس بدورها هذا الامتداد، حيث يتحول السلوك إلى لغة قائمة بذاتها تُجسد القيم في الممارسة اليومية، من خلال تفاصيل دقيقة تعكس الانسجام والتوقير والانضباط، مؤكدا أن هذه التعبيرات غير المنطوقة تمنح النموذج قوة تأثير أكبر لكونها تُدرك بالملاحظة قبل الخطاب.
ولفت إلى أن هذا النمط من العلاقات لا يقتصر تأثيره على داخل مؤسسة الحكم، بل يمتد إلى المجتمع، حيث يجد فيه المغاربة صدى لقيم متجذرة مثل الاحترام والتقدير والحياء، مما يعزز التقاطع بين ما هو مؤسساتي وما هو اجتماعي، ويُكسب السلطة بعداً إنسانياً يزيد من مصداقيتها.
وخلص إلى أن الرأسمال الحقيقي للدولة لا يُقاس فقط بقدرتها التدبيرية، بل أيضاً بما تحمله من نموذج قيمي في ممارسة السلطة، معتبراً أن نقل القيم قبل السلطة يضمن استمرارية هادئة ومتجددة، لأن ما ينتقل بين الأجيال ليس فقط الحكم، بل الوعي بثقله ومسؤوليته وحدوده.
وذهب إلى أن الرسالة الأعمق لهذا النموذج تتجاوز مؤسسة الحكم لتلامس الأفراد، خاصة الشباب، من خلال إبراز أن بناء الإنسان يسبق بناء موقعه، وأن القدرة على تحمل المسؤولية ترتبط بالانضباط الداخلي وترسيخ القيم، مشددا على أن المجتمعات لا تستمر فقط بما تحققه من إنجازات، بل بما تنجح في ترسيخه من معانٍ داخل أبنائها.

