أفادت معطيات حديثة لبنك المغرب أن القروض البنكية الموجهة للأسر شهدت تسارعًا في نموها السنوي إلى 2.9 % خلال شهر يوليوز 2025، بعد أن استقرت في حدود 2.5 % في يونيو الماضي، ويأتي هذا التطور في سياق عام اتسم بتباطؤ وتيرة القروض البنكية الموجهة للقطاع غير المالي، لاسيما الشركات الخاصة، التي لم يتجاوز نمو قروضها 1.2 %، مقابل استقرار في مستوى القروض الموجهة للشركات العمومية عند حوالي 7.5 %، وهو ما يعكس تحولات ملموسة في اتجاهات التمويل، بين حاجيات الأسر وضغوط السوق على المقاولات.
غير أن هذا المنحى يطرح في الآن ذاته أسئلة حول أسبابه العميقة ودلالاته المستقبلية؛ وإن كان أمر تسارع القروض الأسرية يعود إلى ارتفاع كلفة المعيشة واعتماد الأسر على التمويلات البنكية لتغطية مصاريفها اليومية، أم أن الأمر يرتبط بانتعاش في الطلب على القروض العقارية والاستهلاكية بما يعكس دينامية داخلية جديدة، وحول الكيفية التي يمكن من خلالها قراءة هذه المؤشرات في ظل استمرار مستوى الديون المتعثرة عند 8.7 %، وعن الذي قد يحمله هذا التطور من آثار على استقرار القطاع البنكي والتوازنات الماكرو-اقتصادية في المدى المتوسط.
❖ أسباب رئيسية
يشدد محمد جذري، الخبير والمحلل الاقتصادي، ومدير مرصد العمل الحكومي، على أن الارتفاع المسجل في القروض البنكية الموجهة للأسر خلال الأشهر الأخيرة لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة تفاعل جملة من الأسباب المباشرة وغير المباشرة.
وأبرز جذري في تصريح لجريدة “شفاف”، أن أول هذه الأسباب يرتبط بالسياسة النقدية، حيث ساهم مرور الموجة التضخمية العالمية وتراجع الضغوط على الأسعار في فسح المجال أمام بنك المغرب لتخفيض سعر الفائدة الرئيسي، وهو القرار الذي انعكس بشكل مباشر على كلفة القروض.
ولفت الخبير والمحلل الاقتصادي، أنه بعدما كانت الأسر تتحاشى الاقتراض بسبب ارتفاع أسعار الفائدة، أصبح التمويل البنكي في مستويات أكثر قبولًا، ما حفز شريحة واسعة من المواطنين على اللجوء إلى البنوك.
وأردف أن السبب الثاني يرتبط بتحسن نسبي للقدرة الشرائية عند فئة الموظفين في القطاع العام، مشيرا إلى أن الزيادات الأخيرة في الأجور، التي تراوحت بين 1500 و2000 درهم شهريًا باحتساب مجموعة من المكونات كالتعويضات والرفع من التخفيضات الضريبية، عززت مداخيل هذه الفئة.
خفض سعر الفائدة.. قراءة في تأثيراته المرتقبة على المقاولات والاستثمار وفرص الشغل
وتابع مدير مرصد العمل الحكومي، أنه باعتبار الموظفين العموميين يشكلون جزءًا مهمًا من الطبقة الوسطى، فقد انعكس هذا التحسن في قدرتهم على تحمل التزامات مالية جديدة؛ من بينها القروض البنكية الموجهة للسكن أو الاستهلاك.
وأوضح أن المشهد لا يقتصر على هذه الصورة الإيجابية، إذ يبرز أيضًا سبب ثالث لا يقل أهمية، ويتعلق بتدهور القدرة الشرائية عند فئات أخرى من المجتمع.
وأضاف أن شرائح واسعة من الأسر غير قادرة على تغطية مصاريفها الشهرية الأساسية، ما يدفعها إلى الاستدانة عبر قروض استهلاكية؛ سواءً لتأمين مصاريف الدخول المدرسي، أو لاقتناء سيارات، أو حتى لتغطية نفقات العطل.
وأشار إلى أن هذا التباين بين فئات اجتماعية استفادت من زيادات في الدخل وأخرى تعاني من الضغوط، يفسر جزئيًا دينامية نمو القروض في الاتجاهين معًا.
❖ انعكاسات مباشرة
يرى جذري أن الزيادة في حجم القروض البنكية الموجهة للأسر لا تتوقف عند حدود تلبية حاجياتها الفردية، بل تمتد لتؤثر على مجمل الدورة الاقتصادية الوطنية.
وأوضح أن ارتفاع وتيرة الاقتراض يسهم بشكل مباشر في تنشيط الطلب الداخلي، باعتباره أحد المحركات الأساسية للاقتصاد المغربي.
واستطرد أنه عندما ترتفع القروض الاستهلاكية أو العقارية، فإن الأسر تزيد من إنفاقها، ما يحرك قطاعات متعددة تبدأ من التجارة والتوزيع، ولا تنتهي عند العقار والخدمات.
ثقة الأسر مقابل غلاء الأسعار.. هل تعكس الأرقام الواقع أم تخفي التفاوتات؟
وأشار إلى أن هذا الطلب المتزايد يشكل حافزًا للمقاولات الوطنية من أجل رفع وتيرة استثماراتها، فإذا كان المستهلك يطلب أكثر، فإن المنتج أو التاجر يجد نفسه أمام فرص جديدة للتوسع؛ سواءً عبر فتح أسواق إضافية أو عبر تنويع العرض.
وذكر مدير مرصد العمل الحكومي، أنه هنا تكمن إحدى حلقات التأثير الإيجابي التي تخلق دورة اقتصادية متكاملة، والمتمثلة في أن القروض تزيد الطلب، والطلب يدفع نحو الاستثمار، وهذا الأخير يفتح مناصب شغل جديدة.
وبالرغم من هذه الانعكاسات الإيجابية، يلفت جذري الانتباه إلى أن هذه الدينامية يجب التعامل معها بحذر، لأن الاستهلاك القائم على الاستدانة قد يظل هشًّا إذا لم يكن مدعومًا بقدرة إنتاجية متنامية أو بدخل قار ومستدام.
ونبه الخبير والمحلل الاقتصادي، إلى أن الاعتماد المفرط على القروض الاستهلاكية وحدها قد يتحول إلى عِبء على المدى البعيد بدل أن يكون محركًا للتنمية.
❖ أثر اجتماعي
يشير جذري إلى أنه على المستوى الاجتماعي، تتوزع آثار ارتفاع القروض بين جانب إيجابي يتمثل في تحسين ظروف عيش بعض الأسر، وآخر سلبي يتمثل في تعميق هشاشة فئات أخرى.
وأوضح أنه بالنسبة للطبقة الوسطى، خصوصًا الموظفين المستفيدين من زيادات الأجور، تشكل القروض وسيلة لاقتناء السكن أو تحسين شروط المعيشة، وهو ما يترجم بشكل مباشر في الاستقرار الاجتماعي وتعزيز الطلب الداخلي.
ولكن بالنسبة للأسر التي تعاني من ضغوط معيشية خانقة، فإن القروض وفق الخبير الاقتصادي؛ تتحول إلى مجرد وسيلة لتغطية عجز دائم في الميزانية الشهرية، سواءً تعلق الأمر بنفقات أساسية مثل التعليم والصحة أو باحتياجات ظرفية كالعطل والتجهيزات المنزلية.
عيد الأضحى والعطلة والدخول المدرسي.. نفقات تثقل كاهل الأسر وتسائل الحكومة
وأردف مدير مرصد العمل الحكومي، أن هذه الوضعية ترفع من مخاطر التعثر البنكي وتضع هذه الفئات تحت ضغط مضاعف، إذ تجد نفسها مهددة بين متطلبات الحياة اليومية وأقساط القروض.
وأضاف أن هذا الانقسام يطرح تحديات كبيرة أمام صانعي القرار، لأن الفوارق الاجتماعية التي تترجم في شكل غير متكافئ للجوء إلى القروض، تعكس بدورها اختلالات في السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
وأكد المتحدث ذاته، على أن قراءة الظاهرة لا يجب أن تقتصر على الأرقام العامة، بل أن تتعمق في فهم الفوارق بين الفئات المستفيدة والفئات المتضررة.
❖ مخاطر محتملة
من بين الجوانب التي لا يمكن تجاهلها؛ مسألة المخاطر المالية المرتبطة بارتفاع وتيرة القروض، إذ يشير جذري إلى أن معدل الديون المتعثرة ظل مستقرًا عند حوالي 8.7 %، وهو رقم لا يزال مرتفعًا مقارنة بما هو مرغوب فيه.
واعتبر الخبير والمحلل الاقتصادي، أن ما سبق؛ يعني أن جزءًا مهمًا من الأسر يجد صعوبة في الوفاء بالتزاماته، وهو ما يشكل تحديًا بالنسبة للقطاع البنكي.
وأشار إلى أن البنوك من جهتها، قد تستفيد من ارتفاع القروض على مستوى الأرباح قصيرة الأمد، لكنها تظل معرضة لمخاطر جدية إذا استمر منحنى الديون المتعثرة في الصعود.
مفارقات أرقام سوق الشغل المغربي في 2025.. تراجع في البطالة أم تمدد للشغل الناقص؟
ونبه مدير مرصد العمل الحكومي، إلى أن السياسات البنكية مطالبة بالموازنة بين تشجيع الولوج إلى التمويل من جهة، وضمان معايير الصرامة والاحتراز من جهة أخرى.
وأوضح أن المخاطر لا تتوقف عند البنوك فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد الكلي، لافتًا إلى أن التوسع في الاستهلاك على أساس الاستدانة قد يؤدي إلى ضغوط على الادخار الوطني، وإلى اختلالات في التوازنات الماكرو-اقتصادية إذا لم يواكبه نمو موازٍ في الإنتاج والاستثمار المنتج.
❖ آفاق مستقبلية
يرى جذري أن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب رؤية مزدوجة تجمع بين البعد الاقتصادي والاجتماعي، فمن جهة، من المهم أن يستمر دعم القدرة الشرائية للمواطنين؛ خصوصًا عبر الإصلاحات الضريبية وزيادة الأجور التي تسمح للأسر بمواجهة تكاليف المعيشة دون الحاجة المفرطة إلى القروض.
وأردف الخبير والمحلل الاقتصادي، أنه من جانب آخر، يجب أن توجه القروض بشكل أكبر نحو الاستثمار المنتج بدل الاكتفاء بالتمويل الاستهلاكي.
وألح المتحدث ذاته، على ضرورة ابتكار أدوات مالية جديدة تتيح للأسر الولوج إلى التمويل بشكل مسؤول، مع مراعاة خصوصيات كل فئة اجتماعية.
دلالات تحسن الاقتصاد الوطني وتحديات استدامته.. نمو قوي أم انتعاش ظرفي؟
وأبرز أنه يمكن تطوير منتجات موجهة لتمويل التعليم أو الصحة بشروط ميسرة، بدل الاقتصار على القروض الاستهلاكية التقليدية.
وأوضح أنه في النهاية، يظل ارتفاع القروض البنكية الموجهة للأسر يظل سيفًا ذا حدين؛ فهو مؤشر على دينامية اقتصادية من جهة، لكنه قد يتحول إلى مصدر هشاشة اجتماعية من جانب آخر.
واعتبر أن الرهان الحقيقي يكمن في قدرة المغرب على تحويل هذه الظاهرة إلى رافعة للتنمية المستدامة، بدل أن تتحول إلى عبء ثقيل على الاقتصاد والمجتمع معًا.

