يشهد ملف الصحراء المغربية تحولاً مفصليًا بعد قرار مجلس الأمن الدولي اعتماد مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل وحيد وواقعي للنزاع الإقليمي المفتعل، في خطوة تعيد تشكيل موازين الشرعية الدولية وتمنح الدبلوماسية المغربية انتصارًا غير مسبوق، وجاء هذا التطور متزامنًا مع الخطاب الملكي الذي دعا فيه الملك محمد السادس سكان مخيمات تندوف إلى العودة إلى وطنهم الأم، موجهًا في الوقت ذاته نداءً مباشرًا إلى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لفتح صفحة جديدة من حسن الجوار وبناء اتحاد مغاربي يقوم على التكامل والاحترام المتبادل.
وفي المقابل، يطرح القرار الأممي وما رافقه من دعوة ملكية سامية أسئلة عميقة حول مآلات المرحلة المقبلة؛ ترتبط بالكيفية التي سيتعامل بها النظام الجزائري مع هذا التحول في المعادلة الإقليمية، وحول طبيعة الترتيبات القانونية والدستورية المنتظرة لتفعيل مشروع الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، وعن الحد الذي يمكن من خلاله لهذا التطور أن يعيد رسم الخريطة الجيوسياسية بشمال إفريقيا، ويدفع الاتحاد الإفريقي والمجتمع الدولي إلى مراجعة موقفهما من “الكيان الوهمي” في ضوء الشرعية الأممية الجديدة.
❖ تحول مفصلي
يرى محمد عصام لعروسي، أستاذ العلاقات الدولية وتسوية النزاعات، والمدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، أن القرار الأخير لمجلس الأمن حول الصحراء المغربية يشكل منعطفًا تاريخيًا في مسار هذا النزاع الإقليمي، إذ يؤشر على نهاية مرحلة وبدء أخرى عنوانها الاعتراف الصريح بمغربية الصحراء تحت سيادة المملكة، واعتماد مبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد وواقعي.
وأبرز لعروسي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا التحول لم يأتي من فراغ، بل هو نتيجة تراكم الجهود الدبلوماسية المغربية التي تحولت من منطق العلاقات الثنائية التقليدية إلى شراكات استراتيجية متكاملة مع القوى الإقليمية والدولية الكبرى.
الجزائر بعد قرار الأمم المتحدة بشأن الصحراء المغربية.. نهاية عزلة أم بداية مراجعة؟
وأشار إلى أن قرارات مجلس الأمن لم تعد تستند إلى المفاهيم القديمة مثل “الاستفتاء” أو “تقرير المصير”، التي كانت بارزةً منذ سنة 1998، بل أصبحت تستحضر المنطق الواقعي والسياسي الجديد الذي يربط التسوية بمبدأ السيادة المغربية والحكم الذاتي.
واعتبر أن القرار الأممي الصادر في 31 أكتوبر الماضي يختلف جذريًا عن كل القرارات السابقة، لأنه حسم بوضوح في طبيعة الحل، وأقر بمغربية الصحراء ضمن رؤية متكاملة لشرعية دولية جديدة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى مع منطق الاستقرار الإقليمي.
وأضاف أن هذه المرحلة تمثل خاتمة لمسار طويل من المعارك الدبلوماسية التي خاضها المغرب داخل أروقة الأمم المتحدة، حيث انتقل من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، وفرض رؤيته كإطار وحيد لأي مفاوضات مستقبلية.
وذكر أستاذ العلاقات الدولية وتسوية النزاعات، أن المجتمع الدولي انضم اليوم إلى صوت المغرب، معترفًا بأن لا أفق للتفاوض خارج مبادرة الحكم الذاتي وتحت السيادة المغربية الكاملة.
❖ الخطاب الملكي
يبرز لعروسي أن الخطاب الملكي الأخير حمل رسائل سياسية عميقة واتجاهًا نحو بناء مغرب عربي جديد قائم على التعاون بدل القطيعة، حيث دعا الملك محمد السادس إلى إحياء مؤسسات الاتحاد المغاربي التي عطلتها الجزائر بسبب خلافاتها حول الصحراء المغربية، كما وجه نداءً واضحًا للقيادة الجزائرية بضرورة تغليب منطق الحكمة والمصلحة المشتركة على منطق التوتر والمواجهة.
وأكد أن الخطاب الملكي لم يكن مجرد موقف سياسي عابر، بل كان بمثابة تصور استراتيجي شامل لإعادة ترتيب البيت المغاربي وإحياء آليات التكامل الإقليمي في شمال إفريقيا، موضحًا أنه في مقابل لغة الانفتاح والدعوة إلى التعاون التي عبر عنها الملك، تواصل الجزائر اعتماد خطاب انفعالي وشعبوي يعمق عزلة النظام الجزائري في المنطقة.
الرباط تعزز محور الساحل الإفريقي.. استمرارية استراتيجية أم تحوّل إقليمي؟
ويشبه المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط؛ التناقض بين الموقفين بما سماه “رقصة الديك المذبوح”، إذ إن الجزائر ترفض الاعتراف بالشرعية الدولية وتلجأ إلى تصعيد خطابها الداخلي كلما حقق المغرب انتصارًا دبلوماسيًا جديدًا.
وأردف أستاذ العلاقات الدولية وتسوية النزاعات، أن سياسة اليد الممدودة المغربية لم تتوقف رغم تعنت الجار الشرقي، لأن المغرب يؤمن بأن الشعوب المغاربية هي الخاسر الأكبر من استمرار التباعد والقطيعة.
واستطرد قائلاً إن الجزائر لا تزال حبيسة عقلية الحرب الباردة، مفضلة سباق التسلح على مسار المصالحة، وهو ما يهدد بتوسيع دائرة التوتر بدل بناء فضاء مغاربي متوازن ومستقر.
❖ توازنات جديدة
يشير لعروسي إلى أن الاعتراف الأممي بمبادرة الحكم الذاتي يجعل المغرب في موقع قوة دبلوماسية واستراتيجية غير مسبوقة، لافتًا إلى أن المملكة المغربية استطاعت أن تتحول إلى فاعل إقليمي مؤثر يمتلك مقومات الدولة القادرة على لعب أدوار اقتصادية وجيوسياسية بارزة؛ سواءً في محيطها الإفريقي أو المتوسطي.
وأبرز المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، أن المغرب لا يراهن على قوة دولية واحدة، بل ينتهج سياسة توازنات متعددة تمتد من الولايات المتحدة وأوروبا إلى روسيا والصين ودول أمريكا اللاتينية وآسيا.
بين “المينورسو” و”المنساسو”.. هل يقترب نزاع الصحراء من محطة الحسم أم من إعادة إنتاج الجمود؟
وأوضح أن هذا التنوع في التحالفات يمنح الدبلوماسية المغربية مرونة استراتيجية كبيرة وقدرة على حماية مصالحها الوطنية في سياقات دولية متقلبة، مبرزًا أن هذه المقاربة تجعل من المغرب نموذجًا في إدارة التوازنات الدولية بعيدًا عن الاصطفافات الحادة التي تميز النظام الدولي الجديد.
وأكد أن هذه الدينامية الدبلوماسية الجديدة انعكست على موقع المغرب داخل المنظمات الإقليمية والدولية، حيث باتت العديد من الدول تدعم صراحة المبادرة المغربية وتعتبرها الإطار الوحيد للحل السياسي.
وأشار إلى أنه في المقابل، وجدت الجزائر نفسها في عزلة دبلوماسية متزايدة، إذ أصبحت مواقفها تقاس بمدى انسياقها أو خروجها عن الشرعية الدولية.
تقرير غوتيريش بخصوص الصحراء.. هل يفتح مسارًا جديدًا أم يكرس لجمود الملف؟
ويعتقد أستاذ العلاقات الدولية وتسوية النزاعات، أن المرحلة المقبلة ستشهد محاسبة صريحة لكل الأطراف التي استمرت في دعم الكيان الوهمي رغم وضوح الموقف الأممي.
❖ أفق الحكم الذاتي
يتوقف لعروسي عند الأبعاد القانونية والمؤسساتية للمبادرة المغربية، معتبرًا أن الخطاب الملكي الأخير فتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها “تحيين المبادرة” وملاءمتها مع التطورات الدستورية الحديثة.
وأبرز أن هذا التحيين، يتيح للمغرب الاستفادة من التجارب الدستورية المقارنة، مثل النموذج الإسباني في الحكم الذاتي، والنظام الفيدرالي الألماني، والكانتونات السويسرية، بما يضمن توزيعًا رشيدًا للسلط على أساس مبدأ التفريع واللاتمركز.
من ميناء الداخلة لأنبوب الغاز.. كيف يعزز المغرب مكانة إفريقيا كقوة بحرية عالمية؟
ويرى لعروسي أن مشروع الحكم الذاتي المغربي يستند إلى تصور متكامل للسلطة الجهوية، يقوم على وجود مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية بالأقاليم الجنوبية، تتولى تدبير الشؤون المحلية في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية.
وأردف أستاذ العلاقات الدولية وتسوية النزاعات، أن مجالات السيادة الكبرى، كالدفاع والعلم الوطني والعلاقات الخارجية والحقل الديني، تظل من اختصاص الدولة المركزية والملك بصفته أمير المؤمنين.
واعتبر المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، أن نجاح هذا النموذج يتطلب إطارًا دستوريًا مرنًا، يسمح بإدخال تعديلات عند الضرورة عبر استفتاء وطني يعكس الإرادة الشعبية.
وأكد على أن المغرب يمتلك من النضج السياسي والمؤسساتي ما يجعله قادرًا على قيادة تجربة حكم ذاتي ناجحة ومتفردة في العالم العربي؛ تجمع بين الهوية الوطنية والفعالية الجهوية، وتقدم نموذجًا متقدمًا في تدبير التنوع داخل الوحدة الترابية والسيادية للمملكة.

