تستعد وزارة العدل لإحالة مشروع قانون شامل يروم مراجعة مجموعة القانون الجنائي على المسطرة التشريعية، في إطار توجه إصلاحي يستهدف إعادة النظر في المنظومة العقابية برمتها، بما في ذلك العقوبات الإضافية المنصوص عليها في الفصلين 36 و41، حيث يأتي هذا الورش التشريعي في سياق نقاش مؤسساتي متجدد حول مدى ملاءمة بعض العقوبات ذات الطابع التبعي؛ خاصة تلك المرتبطة بحرمان المحكوم عليهم من حقوق اجتماعية كالمعاش، لما قد تفرزه من آثار اجتماعية واقتصادية تتجاوز شخص المدان إلى أسرته وذوي حقوقه.
ويثير هذا التوجه الرسمي تساؤلات حول حدود التوازن بين منطق الردع وحماية الحقوق الاجتماعية، ومدى قدرة الإصلاح المرتقب على القطع مع ممارسات عقابية تمتد آثارها إلى الغير، في ظل الالتزامات الدستورية والحقوقية التي تؤكد على مبدأ شخصية العقوبة وصون الاستقرار الأسري، كما يطرح بشكل غير مباشر، سؤال انسجام السياسة الجنائية مع التحولات التي يعرفها الفقه الجنائي الحديث، ومدى استحضار التجارب المقارنة والمواثيق الدولية في صياغة مقاربة عقابية أكثر عدلاً وتناسبًا.
❖ امتداد العقوبة
يعتبر مراد فوزي، المحامي بهيئة المحامين بالدار البيضاء ورئيس جمعية حقوق وعدالة، أن مسألة الحرمان من المعاش؛ سواءً كان نهائيًا أو مؤقتًا، كعقوبة إضافية، تطرح إشكالًا حقوقيًا عميقًا، بالنظر إلى آثارها التي لا تتوقف عند حدود الشخص المحكوم عليه.
وأبرز فوزي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن العقوبة وفق هذا التصور، لا تبقى حبيسة الفعل الجرمي ومرتكبه، بل تمتد عمليًا لتطال أسرته الصغيرة، مِمن هم تحت نفقته ومسؤوليته القانونية والمعيشية.
وأوضح أن هذا الامتداد الواقعي للعقوبة يجعل أفراد الأسرة؛ من زوجة وأبناء وذوي حقوق، في موقع المتضرر المباشر، رغم عدم علاقتهم بالفعل الجرمي موضوع المتابعة.
بين تنزيل القانون وتحديات الواقع.. هل تنجح الحكومة بتفعيل العقوبات البديلة في موعدها؟
وأردف أن هؤلاء (أفراد عائلة المحكوم عليه) يجدون أنفسهم محرومين من مورد العيش الأساسي من حيث لا يدرون، ودون أن تكون لهم أي يد في الجريمة أو أي استفادة من نتائجها، وهو ما يتعارض مع أبسط مبادئ العدالة الجنائية.
وانطلاقًا من هذا المعطى، يرى رئيس جمعية حقوق وعدالة أن مراجعة العقوبات الإضافية، عبر حذف أو تقليص العقوبات التي تمس بالمعاش، من شأنها أن تشكل آلية حقيقية لحماية هذه الفئة الهشة.
وأردف أنه بدل أن تتحول العقوبة إلى شكل من أشكال العقاب الجماعي غير المعلن، يمكن حصرها في نطاقها المشروع، أي الشخص المدان وحده، بما ينسجم مع مبدأ شخصية العقوبة الذي يشكل أحد أعمدة العدالة الجنائية الحديثة.
❖ حماية ذوي الحقوق
في تقييمه للإطار الدستوري والالتزامات الدولية للمغرب، يؤكد مراد فوزي أن الترسانة القانونية العليا للمملكة توفر ضمانات كافية، بل قوية لحماية ذوي الحقوق من أي مساس غير مشروع بحقوقهم الاجتماعية.
واعتبر رئيس جمعية حقوق وعدالة، أن المقتضيات الدستورية والاتفاقيات الدولية المصادق عليها تشكل المرجعية الأسمى؛ سواءً على مستوى التشريع أو التطبيق، في أي مشروع يروم تعديل باب العقوبات الإضافية.
وشدد على أن هذه المرجعيات لا تقتصر فقط على التنصيص على الحقوق، بل تفرض منطقًا متوازنًا في التعاطي مع العقوبة؛ يقوم على التوفيق بين حق الدولة في حماية المجتمع وضمان الأمن العام، وبين الحقوق الاجتماعية للأفراد والأسر.
ارتفاع حوادث السير المميتة والمخالفات المرورية خلال الصيف.. أين يكمن الخلل؟
وأكد المحامي بهيئة المحامين بالدار البيضاء، على أن الدستور لا يمنح أولوية مطلقة لمنطق الزجر، بقدر ما يؤطره بقيم العدالة والإنصاف وعدم الإضرار بالغير.
وأضاف أن الاتفاقيات الدولية، بما تحمله من مبادئ تتعلق بحماية الحياة الأسرية والعيش الكريم، تشكل سندًا قانونيًا وأخلاقيًا لأي توجه تشريعي يسعى إلى الحد من الآثار الجانبية للعقوبات.
وأبرز أن استحضار هذه المرجعيات في مشروع المراجعة المرتقب، لا يعد خيارًا سياسيًا فحسب، بل التزامًا قانونيًا ينسجم مع موقع الدستور والمواثيق الدولية في هرم القواعد القانونية.
❖ منطق التوازن
فيما يتعلق بتقييمه للتوازن الذي تسعى وزارة العدل إلى تحقيقه بين متطلبات الردع الجنائي ومبادئ العدالة الاجتماعية، يعبر مراد فوزي عن موقف إيجابي نسبيًا، معتبرًا أن التوجه الحالي يندرج ضمن اجتهاد محمود؛ خاصة إذا ما قورن بالسياقات السابقة التي كانت فيها العقوبة تقارب بمنطق زجري صرف.
ويرى المحامي بهيئة المحامين بالدار البيضاء، أن محاولة إيجاد هذا التوازن تعكس وعيًا متزايدًا بضرورة حماية المجتمع من الجريمة والجناة، دون السقوط في فخ معاقبة الأبرياء بشكل غير مباشر.
مأساة البرنوصي.. هل أصبح الشارع مقبرة صامتة للنساء والأطفال؟
وأردف أن الدولة تملك من الآليات القانونية ما يكفي لردع الجريمة ومعالجة آثارها، دون الحاجة إلى تحميل أسر المحكوم عليهم تبعات أفعال لم يقترفوها ولم يستفيدوا منها.
واستحضر وجود قوانين خاصة ومستقلة، من قبيل التشريع المتعلق بمحاربة غسل الأموال، والتي تتيح للدولة استرجاع الأموال غير المشروعة ومصادرتها، دون المساس بالحقوق الاجتماعية لذوي الحقوق.
وأبرز رئيس جمعية حقوق وعدالة، أن استمرار بعض العقوبات الإضافية ذات الطابع الاجتماعي غير مبرر؛ طالما أن الغاية الزجرية يمكن تحقيقها بوسائل قانونية أخرى أكثر دقة وعدالة.
❖ أفق الإصلاح
يشير مراد فوزي إلى أن ورش مراجعة العقوبات الإضافية يشكل فرصة حقيقية لإعادة بناء فلسفة العقاب في المغرب على أسس أكثر إنسانية وتوازنًا.
ولفت إلى أن المطلوب وفق هذا التصور؛ ليس إفراغ العقوبة من مضمونها الردعي، وإنما إعادة توجيهها نحو من يستحقها فعلاً، دون أن تتحول إلى أداة لإنتاج الهشاشة الاجتماعية.
العقوبات البديلة.. هل هي طوق النجاة لإصلاح العدالة الجنائية؟
وأكد أن نجاح هذا الإصلاح رهين بمدى الجرأة في القطع مع الممارسات العقابية التي ثبت عمليًا أنها تمس بالتماسك الأسري والاستقرار الاجتماعي.
وأوضح المحامي بهيئة المحامين بالدار البيضاء، أن العقوبة ينبغي أن تكون وسيلة للإصلاح والزجر، لا سببًا في خلق ضحايا جدد خارج دائرة الجريمة.
ومن هذا المنطلق، يدعو فوزي إلى أن تكون مراجعة العقوبات الإضافية منسجمة مع روح الدستور والتزامات المغرب الدولية، ومعبرة عن تصور حديث للعدالة الجنائية، يوازن بين حق المجتمع في الأمن، وحق الأفراد والأسر في الكرامة والعيش الكريم.
وشدد رئيس جمعية حقوق وعدالة، على أن هذا التوازن إن تحقق، سيجعل من الإصلاح الجنائي خطوة نوعية في مسار ترسيخ دولة الحق والقانون، بدل أن يبقى مجرد تعديل تقني لنصوص قانونية قائمة.

