أكدت التحولات التكنولوجية المتسارعة التي يعرفها الاقتصاد العالمي أن التكوين المستمر لم يعد خيارا ثانويا، بل أصبح ركيزة استراتيجية لإعادة تشكيل تنافسية المقاولات وتثمين الرأسمال البشري.
وأبرزت مخرجات الدورة العادية ال180 للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، المنعقدة بتاريخ 25 مارس 2026، الحاجة الملحة إلى إصلاح عميق وشامل لمنظومة التكوين المستمر داخل القطاع الخاص، بما ينسجم مع التحولات البنيوية لسوق الشغل الوطني.
واستحضرت هذه القراءة الصحفية المهنية الدينامية الجديدة التي تفرضها الرقمنة، وتغير أنماط الإنتاج، وتوسع الاقتصاد المعرفي، باعتبارها عوامل ضاغطة تدفع نحو إعادة هندسة المنظومة الحالية على أسس أكثر نجاعة وفعالية.
وحددت هذه المادة التحليلية ثلاثة محاور رئيسية تروم تفكيك واقع المنظومة، ورصد اختلالاتها البنيوية، واستشراف مداخل الإصلاح الممكنة، ضمن مقاربة تتجاوز 1000 كلمة، وتستهدف تقديم تشخيص دقيق ومركب لهذا الورش الاستراتيجي.
♦المكتسبات والقصور البنيوي الراهن
وأثبتت التجربة المغربية خلال العقدين الأخيرين أن التكوين المستمر أسهم بشكل مباشر في دعم قطاعات صناعية صاعدة، خصوصا صناعة السيارات والطيران، عبر مواءمة المهارات مع حاجيات الشركات العالمية.
وعزز هذا المسار الإطار القانوني الذي جاء به القانون رقم 60-17، والذي وسع نطاق الاستفادة ليشمل فئات جديدة من المهنيين، بما في ذلك غير الأجراء والأشخاص الذين فقدوا عملهم، مع إدراج آليات مبتكرة مثل رصيد التكوين وتصديق مكتسبات الخبرة المهنية.
وسجلت المعطيات الرسمية تقدما نسبيا على مستوى الإطار التنظيمي، لكنها كشفت في المقابل عن فجوة كبيرة بين التصميم القانوني والتفعيل الميداني، ما أضعف أثر السياسات العمومية المرتبطة بالتكوين المستمر.
وكشفت الأرقام المتوفرة لسنة 2022 محدودية الاستفادة من العقود الخاصة للتكوين، حيث لم تتجاوز 1.647 مقاولة من أصل حوالي 315.000 مقاولة منخرطة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، أي بنسبة لا تتعدى 0,5%.
وعكست هذه النسبة الضعيفة محدودية جاذبية المنظومة الحالية، وضعف قدرتها على استقطاب النسيج المقاولاتي، خاصة في صفوف المقاولات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني.
وأظهرت الإحصائيات الممتدة بين 2013 و2022 أن معدل المقاولات المستفيدة سنويا ظل في حدود 1.182 مقاولة فقط، ما يعكس بطئا بنيويا في تفعيل آليات التمويل والدعم.
ويعاني العمال غير الأجراء والمهنيون المستقلون من إقصاء شبه ممنهج من منظومة التكوين المستمر، بسبب ربط الاستفادة بالانخراط في نظام الضمان الاجتماعي، ما يخلق فجوة اجتماعية ومهنية واضحة.
وتعكس هذه الوضعية محدودية العدالة التكوينية، وتؤكد أن جزءا واسعا من الفاعلين الاقتصاديين يظل خارج دائرة التحديث والتأهيل المستمر.
وسجلت بيانات مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل أن عدد المستفيدين من نظام تصديق مكتسبات الخبرة المهنية منذ 2008 لم يتجاوز 1.488 مستفيدا، وهو رقم يبرز ضعفا واضحا في تفعيل هذا الورش الحيوي.
♦المعيقات الهيكلية والتنافسية الوطنية
يواجه النظام الحالي للتكوين المستمر اختلالات تشريعية واضحة، ترتبط أساسا بتأخر صدور النصوص التنظيمية والمراسيم التطبيقية للقانون رقم 60-17، ما أدى إلى تعطيل جزء كبير من مضامينه.
وتفاقمت هذه الإشكالية بسبب غياب رؤية تنفيذية متكاملة تحدد بوضوح أدوار الفاعلين المؤسساتيين، وتضمن التنسيق بين مختلف المتدخلين في قطاع التكوين.
وأضعفت هذه الوضعية نجاعة السياسات العمومية، وحولت عددا من الآليات القانونية إلى نصوص غير مفعلة على أرض الواقع.
وتشتكي المقاولات الصغرى والمتوسطة من تعقيد المساطر الإدارية المرتبطة بالاستفادة من تمويلات التكوين، ما يخلق عبئا إضافيا على قدرتها التدبيرية والمالية.
وتؤدي هذه التعقيدات إلى تأخر كبير في صرف التعويضات، ما ينعكس سلبا على سيولة المقاولات، ويدفع بعضها إلى التراجع عن الاستثمار في التكوين.
وتؤكد المعطيات الميدانية أن البيروقراطية الإدارية أصبحت عاملا معرقلا لتحفيز الرأسمال البشري بدل أن تكون أداة داعمة له.
وتتمركز عروض التكوين المؤهلة بشكل مكثف في محور الدار البيضاء، ما يخلق اختلالا مجالاتيا واضحا يحد من تكافؤ الفرص بين مختلف جهات المملكة.
وتقلص هذه المركزية الجغرافية فرص استفادة المقاولات والعمال في المناطق الداخلية والجنوبية من التكوين المستمر عالي الجودة.
وتكشف البنية الحالية لشبكة هيئات الاستشارة والتكوين، التي لا تتجاوز 82 مؤسسة و327 خبيرا معتمدا، محدودية القدرة الاستيعابية للمنظومة الوطنية.
♦التوصيات الاستراتيجية وخارطة الطريق
ويطالب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بإعادة هيكلة شاملة لمنظومة التكوين المستمر، عبر إحداث هيئة وطنية مستقلة تتولى تدبير هذا القطاع الاستراتيجي بعيدا عن التبعية المؤسساتية الحالية.
ويقترح هذا التوجه اعتماد نموذج حكامة ثلاثي الأطراف يجمع الدولة والمشغلين والنقابات، بهدف ضمان توازن القرار وتحسين جودة التدبير.
ويرتكز هذا الإصلاح على تعزيز الاستقلالية المؤسساتية وربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير سياسات التكوين.
ويوصي المجلس بتخصيص نسبة 30% من عائدات رسم التكوين المهني لصندوق مستقل موجه حصريا لتمويل برامج التكوين المستمر.
ويدعو هذا المقترح إلى إرساء آلية مالية شفافة تضمن استدامة التمويل وتقلص من التذبذب في الموارد.
ويرتبط نجاح هذا التوجه بإحداث منصة رقمية وطنية موحدة لتبسيط الإجراءات الإدارية وتسريع معالجة الملفات.
ويستوجب دعم المقاولات الصغرى جدا اعتماد تغطية مالية كاملة لتكاليف التكوين المستمر، بما يعزز قدرتها التنافسية ويخفف من أعبائها المالية.
ويفرض هذا التوجه تطوير آليات رقمية تمكن من اختيار عروض التكوين بشكل مباشر وشفاف دون تعقيدات إدارية.
ويعتمد هذا الإصلاح كذلك على تعزيز جودة مراكز التكوين عبر نظام اعتماد صارم يرتكز على الكفاءة والخبرة.
ويعيد المجلس النظر في أدوار المجموعات بين-المهنية للمساعدة على الاستشارة، بهدف تمكينها من لعب دور أقرب إلى المقاولة والقطاع الإنتاجي.
ويعزز هذا التوجه اعتماد مرجعيات قطاعية لتصديق مكتسبات الخبرة المهنية بشكل مبسط وعملي.
ويكرس هذا الإصلاح إدماج صيغ تكوين مرنة تجمع بين الحضور الفعلي والتكوين عن بعد لتجاوز القيود المجالية.
♦تحول نموذجي مطلوب للمنظومة
ويفرض التحول الاقتصادي الراهن إعادة تعريف التكوين المستمر باعتباره حقا اقتصاديا واجتماعيا وليس مجرد آلية تقنية ظرفية.
ويؤكد هذا التحول ضرورة انتقال المنظومة من منطق التدبير الإداري التقليدي إلى منطق الحكامة الاستراتيجية المبنية على النتائج.
ويدعم هذا التوجه بناء اقتصاد وطني قائم على المعرفة والمهارات العالية، كما يربط نجاح الإصلاح الشامل للتكوين المستمر بقدرة الفاعلين المؤسساتيين على تجاوز الاختلالات البنيوية الحالية.
ويستدعي هذا المسار إرادة سياسية واضحة، وتنسيقا محكما بين مختلف المتدخلين، كما يهدف هذا التحول إلى تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني ورفع جاهزية اليد العاملة المغربية لمتطلبات المستقبل.
ويخلص هذا التحليل إلى أن التكوين المستمر يشكل رافعة مركزية لأي نموذج تنموي حديث، غير أن فعاليته تظل رهينة بإصلاح عميق وشامل يعيد بناء منظومته على أسس جديدة أكثر عدلا ونجاعة.

