أصدرت المندوبية السامية للتخطيط تقريرًا رسميًا يقرع ناقوس الخطر بشأن تصاعد الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بالمغرب، مسجلًا تراجعًا مقلقًا في مكتسبات محاربة الفقر التي راكمتها البلاد خلال العقدين الماضيين، والأرقام المعلنة تكشف عن ارتفاع نسبة الفقر المطلق وتوسع قاعدة الهشاشة الاجتماعية، إلى جانب اتساع الهوة بين الفئات الميسورة والأقل دخلاً، في وقت تراجعت فيه القوة الشرائية للأسر المغربية بفعل الصدمات الاقتصادية المتلاحقة، حيث إن هذه المؤشرات تعكس صورة مركبة عن محدودية أثر السياسات العمومية السابقة في معالجة عمق التفاوتات.
ورغم ما تحقق من إنجازات في التنمية البشرية وتوسيع البنيات الأساسية، إلا أن التقرير يبرز أن الثمار لم تتوزع بعد بالعدل بين مختلف الفئات والمجالات؛ فالمناطق القروية والجبلية ما تزال تعاني هشاشة متجذرة، بينما تشهد المدن الكبرى مظاهر فقر حضري متفاقم، كما يستمر ضعف مشاركة النساء في سوق الشغل، مما يكرس الفجوة بين الجنسين، وهذه التطورات تثير أسئلة حول مدى صلابة النموذج التنموي في مواجهة الأزمات، وقدرته على ضمان توازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ومدى جاهزية الدولة لإعادة توجيه سياساتها نحو الفئات والمناطق الأكثر هشاشة.
مندوبية التخطيط تدق ناقوس الخطر بشأن الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بالمغرب
❖ تناقض الأرقام
يؤكد علي الغنبوري، الخبير والمحلل الاقتصادي، ورئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، أن القراءة الأولية للأرقام الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط تكشف عن وجهين متناقضين.
وذكر الغنبوري في تصريح لجريدة “شفاف”، أنه من جهة؛ هناك مكاسب بنيوية تراكمت على مدى عقدين كاملين، حيث تراجع الفقر المدقع بشكل حاد وتقدمت مؤشرات التنمية البشرية.
وأردف أنه من جانب آخر، سُجل تآكل واضح لهذه المكاسب خلال الفترة ما بين 2019 و2022، إذ ارتفعت نسبة الفقر النقدي وعدد الفقراء والهشاشة الاجتماعية.
مفارقات أرقام سوق الشغل المغربي في 2025.. تراجع في البطالة أم تمدد للشغل الناقص؟
واستطرد أن هذا التحول لم يقتصر على الارتفاع العددي فحسب، بل شمل أيضًا انتقال نمط الفقر نحو الوسط الحضري، وهو ما يعكس تعرض المدن المغربية لصدمات اقتصادية واجتماعية متتالية أضعفت قدرة الأسر على الصمود.
وأشار إلى أن عدد الفقراء ارتفع من 623 ألفاً إلى 1.42 مليون في ظرف ثلاث سنوات فقط، وهي قفزة دالة على هشاشة البنية التوزيعية للمكاسب الاقتصادية.
ويرى الخبير والمحلل الاقتصادي أن هذه المؤشرات تكشف أن النمو الاقتصادي وحده لم يعد كافيًا لامتصاص الصدمات، ولا لتوفير حماية فعلية للفئات الأشد عرضة.
وأضاف أن ما سبق يجعل من الضروري إعادة تقييم أدوات الحماية الاجتماعية وسياسات الأجور والسكن؛ خصوصًا داخل المجال الحضري، حيث تتجلى التفاوتات بشكل أكثر حدّة.
❖ ضعف النموذج التنموي
يعتبر الغنبوري أن هذه المؤشرات تعكس بوضوح أن النموذج التنموي المغربي يعاني من نقاط ضعف هيكلية؛ أبرزها هشاشة آليات الحماية الاجتماعية وعدم قدرتها على الصمود أمام الأزمات المتكررة.
وأبرز أن التعويضات الموجهة للفئات المتوسطة والفقيرة داخل المدن تبقى محدودة الأثر وبطيئة الاستجابة، مما يجعل هذه الفئات أكثر عرضة للتدهور عند كل أزمة.
وأكد أن الخلل لا يقتصر على بطء الاستجابة الاجتماعية، بل يمتد إلى غياب عدالة في توزيع ثمار النمو، إذ يظل هذا الأخير متركزًا في قطاعات ورؤوس أموال لا تنعكس بشكل مباشر على تحسين معيشة المواطنين؛ سواءً من حيث توفير وظائف لائقة أو رفع الأجور أو توسيع الخدمات الأساسية.
مشروع قانون مالية 2026 بين طموح النمو وتقليص العجز.. هل تنجح الحكومة في تحقيق المعادلة الصعبة؟
وأوضح أن هذه المفارقة تؤدي إلى تكريس الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، مشددًا على أن غياب التناغم بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية والمجالية يزيد من ضعف النموذج.
وتابع أن المشاريع الوطنية تصمم بمعزل عن خصوصيات الأقطاب الحضرية والضواحي الهشة، مبرزا أن الاستثمار في رأس المال البشري عبر تطوير المهارات وإدماج النساء وتعزيز الحماية الصحية يظل دون المستوى المطلوب.
وشدد رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، على أنه نتيجة لما سبق ذكره، تبقى قنوات توزيع النمو ضعيفة، وكل صدمة جديدة تعيد إنتاج التفاوتات القديمة.
❖ أثر الأزمات
يبرز الغنبوري أن الأزمات العالمية خلال السنوات الأخيرة عمقت التفاوتات ومحت جزءًا من المكتسبات، حيث أدت الجائحة إلى تعطيل سلاسل الإنتاج والخدمات والسياحة، مما تسبب في فقدان مداخيل لشرائح واسعة مثل المياومين والمنتجين الصغار، وهو ما انعكس مباشرة على مستويات العيش.
وأضاف أن التضخم الطارئ في أسعار الغذاء والطاقة أدى إلى إضعاف القدرة الشرائية؛ خصوصًا لدى الفئات الوسطى والدنيا، التي وجدت نفسها مضطرة لتقليص استهلاكها أو الاستدانة لتغطية الحاجيات الأساسية؛ إذ مَثل ذلك ضغطًا غير مسبوق على ميزانيات الأسر.
المغرب يتذيل ترتيب مؤشر التنمية البشرية بشمال إفريقيا.. أين يكمن الخلل وما هو الحل؟
وأشار إلى أن الاضطرابات الجيوسياسية ساهمت في رفع تكاليف الاستيراد وأثقلت كاهل الميزانية العمومية؛ ما حدّ من قدرة الدولة على تقديم دعم كافٍ للفئات المتضررة.
واستطرد أنه لم تكن هذه الصدمات السبب الوحيد في تفاقم الهشاشة، لكنها كشفت بوضوح هشاشة الآليات الوطنية في مجال الحماية الاجتماعية، وأظهرت محدودية قدرة النموذج التنموي على الصمود أمام الأزمات.
❖ أولويات الإصلاح
يوضح الغنبوري أن إعادة بناء الثقة الاجتماعية وتقليص الهوة بين الفئات يتطلب التركيز على أولويات استراتيجية مترابطة؛ أولها تعزيز الحماية الاجتماعية بشكل استباقي ومرن، من خلال توسيع نطاق الخدمات النقدية المشروطة وغير المشروطة، وتطوير آليات استهداف ديناميكية تعتمد على سجلات محدثة وقواعد بيانات متقاطعة.
ثقة الأسر مقابل غلاء الأسعار.. هل تعكس الأرقام الواقع أم تخفي التفاوتات؟
ويرى الخبير والمحلل الاقتصادي أن تحسين مستويات الدخل لا يمكن أن يتحقق بالاكتفاء بمناصب شغل هشة، بل برفع الأجور وتشجيع خلق فرص عمل لائقة داخل القطاعات المنتجة، مع توفير تمويلات موجهة للمقاولات الصغرى تضمن استدامة نشاطها الإنتاجي والتسويقي.
وأكد على ضرورة معالجة الفقر الحضري عبر سياسات للسكن الاجتماعي الميسر، وتطوير النقل الحضري الفعال، بالتوازي مع إصلاح التوزيع الجهوي للاستثمار؛ ليستهدف الضواحي والمناطق القروية.
ولفت رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، إلى أن الاستثمار في رأس المال البشري يظل ركيزة أساسية، من خلال التأهيل المهني، وإدماج النساء، ودعم المقاولات النسائية، والارتقاء بجودة التعليم والصحة.
❖ معادلة التوازن
يعتبر الغنبوري أن تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية الفئات الهشة يتطلب ربط النمو بالإنصاف، مبرزًا أن الحوافز الاستثمارية يجب أن تقوم على شروط اجتماعية ومجالية واضحة؛ تضمن التزام المستثمرين بخلق فرص شغل محلية ورفع القيمة المضافة في الأقاليم.
ودعا لاعتماد التمويل المختلط بين القطاعين العام والخاص لتمويل مشاريع البنية التحتية والخدمات، مع وضع شرط لقياس الأثر الاجتماعي لكل مشروع، موضحًا أنه بهذه الطريقة، تتحول الامتيازات الاقتصادية إلى مكتسبات ملموسة للمجتمع.
استثمارات المونديال.. هل ستضيف أعباءً إضافية على ميزانية الدولة وما أثرها على الاقتصاد الوطني؟
والإصلاح الضريبي وفق الغنبوري؛ يشكل أداة مركزية لإعادة توزيع الثروة، من خلال آليات تصاعدية تجعل الفئات الميسورة والقطاعات المربحة تساهم أكثر في تمويل السياسات الاجتماعية؛ على أن يتم توجيه هذه العائدات مباشرة لدعم الخدمات والحماية الاجتماعية.
وأشار رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، إلى أن إرساء برامج دعم شامل للفئات الهشة، يجمع بين المساعدات النقدية والتكوين وفرص العمل وتحسين الوصول للخدمات؛ يجعل الدعم رافعة تمكينية لا مجرد استجابة ظرفية.

