كشفت المندوبية السامية للتخطيط في تقرير جديد حول خريطة الفقر متعدد الأبعاد، استناداً إلى معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنتي 2014 و2024، عن تراجع واضح في نسب الفقر متعدد الأبعاد على الصعيد الوطني، خاصة في الوسط القروي، والذي يشير إلى تحسن ملموس في بعض المؤشرات الاجتماعية الأساسية، لا سيما تلك المتعلقة بالتعليم والصحة وظروف السكن، وهو ما يعكس جزئيًا آثار السياسات العمومية والبرامج الاجتماعية الموجهة إلى الفئات الهشة؛ غير أن هذه المعطيات تظل مشروطة بسياق زمني يتسم بتحولات اقتصادية ومجالية معقدة، ما يفتح المجال لقراءات متباينة حول عمق هذا التحسن ومدى استدامته.
في المقابل، يطرح هذا التراجع تساؤلات ضمنية حول طبيعة التحول الذي تعرفه منظومة الفقر في المغرب، ومدى قدرتها على الصمود أمام التحديات المرتبطة بضعف النمو، واختلال التوازنات المجالية، وتنامي الفوارق الاجتماعية، وإن كان يتعلق الأمر بمؤشرات تعكس تحسنًا هيكليًا حقيقيًا، أم أن الأمر لا يعدو كونه نتيجة ظرفية لسياسات موسمية، وعن مدى قدرة الدولة على تثبيت هذا التراجع وضمان استمراريته في ظل محدودية الموارد وتعدد الرهانات التنموية، وكيفية انعكاس هذه التحولات على رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية في المرحلة المقبلة؛ خصوصًا في ظل أفق يتسم بتعقيد تحديات الاستهداف والعدالة الترابية.
الفقر متعدد الأبعاد بالمغرب يتراجع للنصف في 10 سنوات الأخيرة
♦ تحول لافت في المؤشرات
يرى علي الغنبوري، الخبير والمحلل الاقتصادي، ورئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، أن التقرير الجديد الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط، والذي يرصد تراجع الفقر متعدد الأبعاد بين سنتي 2014 و2024، يعكس تحولاً لافتًا في مؤشرات الرفاه الاجتماعي، خصوصًا في الأوساط القروية التي كانت تاريخيًا الأكثر عرضة للتهميش.
ويؤكد الغنبوري في تصريح لجريدة “شفاف” أن هذه الأرقام، رغم ضرورتها في تأطير السياسات العمومية، يجب أن تُقرأ بحذر وبتحليل نوعي، نظرًا لكون المؤشرات المعتمدة في قياس الفقر متداخلة ومعقدة، وتُظهر أحيانًا تحسنًا عدديًا يخفي تفاوتات عميقة.
الأسر المغربية في مرمى الضغوط الاقتصادية.. قراءة في مؤشرات تهاوي الادخار والتوقعات السوداوية للأسعار
ويضيف أن الفقر متعدد الأبعاد، بخلاف الفقر النقدي، لا يقيس فقط العجز في الدخل، بل يأخذ بعين الاعتبار مؤشرات مرتبطة بالتعليم والصحة، والسكن والولوج إلى الخدمات الأساسية، ما يجعل التحليل أكثر شمولية، لكنه أيضًا أكثر تطلبًا من حيث القراءة النقدية والتفكيك المجالي والاقتصادي.
♦ الوسط القروي أولاً
حسب الغنبوري، فإن التراجع المسجل في نسب الفقر في الوسط القروي يعود أساسًا إلى تكثيف برامج الاستهداف الاجتماعي خلال العقد الأخير، لا سيما تلك التي استهدفت البنية التحتية القروية (كالكهرباء، والماء، والمسالك)، إلى جانب مساهمة برامج دعم التمدرس والصحة والتغطية الاجتماعية، التي باتت تغطي شرائح واسعة من السكان في المناطق النائية.
المغرب يتذيل ترتيب مؤشر التنمية البشرية بشمال إفريقيا.. أين يكمن الخلل وما هو الحل؟
ويشدد على أن الفقر القروي ظل مرتبطًا لعقود بمحدودية الفرص الإنتاجية وبضعف التكامل بين الاقتصاد الفلاحي والدورة الاقتصادية الوطنية، وهو ما جعل أي تحسن في مؤشراته يتطلب تدخلات متقاطعة وطويلة النفس.
واستطرد رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، أن التراجع الحالي لا يجب أن يُقرأ بمعزل عن السياق الزمني للبرامج الحكومية الممتدة، مثل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ومؤخرًا مشروع الحماية الاجتماعية الشاملة.
♦ استدامة التحسن
يطرح الغنبوري سؤالاً مركزيًا حول مدى استدامة هذا التراجع في الفقر متعدد الأبعاد، في ظل تحديات بنيوية كضعف النمو الاقتصادي، وتباطؤ خلق فرص الشغل، واستمرار الفوارق الجهوية.
فحسب رأيه، لا يكفي أن تُسجّل مؤشرات إيجابية في لحظة معينة، بل يجب العمل على تثبيت هذه المكتسبات وضمان تحولها إلى واقع مستدام.
وذكر الخبير والمحلل الاقتصادي، أنه هنا يبرز دور الاستثمار في البنيات التحتية الذكية، وتعزيز الولوج إلى سوق الشغل، وتكثيف مواكبة الأسر الهشة من خلال برامج قابلة للتقييم والتطوير.
ونبه إلى خطورة التعويل على البرامج الاجتماعية كحل دائم، بدل اعتبارها تدخلاً مؤقتًا موازيًا لسياسات تنموية أشمل تهدف إلى خلق الثروة وتوزيعها بشكل منصف.
وشدد الخبير والمحلل الاقتصادي أن نجاعة السياسات الاجتماعية، يجب أن تُقاس بقدرتها على تقليص الاعتماد عليها لا تعزيزها.
♦ الفوارق المجالية قائمة
رغم التراجع في الفقر متعدد الأبعاد، يؤكد الغنبوري أن الفوارق المجالية لا تزال حادة، وأن الخريطة الجديدة للفقر تُظهر جيوبًا متفرقة للهشاشة في مناطق بعينها، خصوصًا تلك التي تعاني من ضعف الجاذبية الاقتصادية أو من العزلة الجغرافية.
واعتبر رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، أن هذه الفوارق تمثل أحد التحديات الكبرى أمام السياسات التنموية، وأن أي قراءة لمؤشرات الفقر يجب أن تُرفق بتحليل دقيق للتمايز المجالي في مستوى العيش.
التضخم ينهك القدرة الشرائية للمغاربة.. هل تنجح التدابير الحكومية في إنعاش السوق والتشغيل؟
وأردف أن تعزيز العدالة المجالية لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية لنجاح ورش الجهوية المتقدمة، التي من المفترض أن تُقارب التنمية من منطق القرب وتحديد الأولويات بناء على خصوصيات كل جهة.
واقترح الخبير والمحلل الاقتصادي في هذا السياق بلورة “مخططات فقر جهوية” تستند إلى مؤشرات محلية دقيقة، وتُبنى عليها تدخلات موجهة وممولة بشكل مستقل عن المنطق المركزي.
♦ العدالة الاجتماعية شرط
يشدد الغنبوري على أن الرهان الأكبر اليوم لا يكمن فقط في تقليص نسب الفقر، بل في بناء منظومة متكاملة للعدالة الاجتماعية، تدمج الحقوق الاقتصادية، وتحفز المشاركة الفاعلة، وتقلص فجوة التفاوتات.
ويرى أن هذا الهدف يمرّ عبر إصلاحات هيكلية تمس النظام الجبائي، والسياسات التشغيلية، وآليات الإنفاق الاجتماعي، مع ضرورة إشراك الجماعات الترابية والمجتمع المدني في التخطيط والتنفيذ والتقييم.
كما يؤكد على أن مؤشرات الفقر، مهما بلغت من دقة، لا تُغني عن ضرورة الاستماع إلى المواطنين، واستحضار التجارب المعيشة التي قد لا تعكسها الأرقام، لكنها تحكي الواقع بأبعاده الأكثر تعقيدًا.
وأوضح رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، أن بناء مغرب أكثر عدلاً وتماسكًا يتطلب تجديداً حقيقيًا في النموذج التنموي؛ يعيد الاعتبار للمواطن كفاعل وليس مجرد متلقٍّ للسياسات.

