يركز الأمن البحري في إفريقيا الأطلسية على تعزيز الاستقرار في واحد من أكثر الفضاءات الجيو-استراتيجية حساسية في القارة، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بحركة التجارة الدولية وتدفقات الطاقة.
كما يعيد هذا المجال صياغة موقع الموانئ كعقد لوجستية محورية تتحكم في انسيابية المبادلات الاقتصادية بين إفريقيا وباقي العالم.
ويعزز هذا التوجه مكانة الفضاء الأطلسي الإفريقي كرافعة للتكامل الإقليمي، من خلال دعم سلاسل الإمداد وربط الدول الساحلية بامتداداتها الداخلية.
كما يفتح المجال أمام فرص أوسع للاستثمار والتعاون، في مقابل تحديات أمنية تتطلب تنسيقا إقليميا أكثر فعالية لضمان استقرار الممرات البحرية الحيوية.
♦الأمن البحري رافعة استراتيجية
أكد د. بدرالدين الرواص، أستاذ باحث متخصص في جغرافية الموانئ، أن إفريقيا تتمتع بموقع بحري فريد يمنحها وزنا استراتيجيا في التجارة العالمية، حيث تمر النسبة الأكبر من المبادلات الخارجية عبر الموانئ البحرية، مفيدا أن هذا المعطى يجعل من الأمن البحري شرطا أساسيا لاستمرار التدفقات الاقتصادية، وليس مجرد إجراء وقائي ثانوي.
وأبرز الرواص في تصريح لجريدة “شفاف”، أن التهديدات البحرية، بما فيها القرصنة والأنشطة غير المشروعة، لا تمس فقط الدول الساحلية، بل تمتد آثارها إلى عمق القارة، خصوصا دول الساحل التي تعتمد على الموانئ كقنوات رئيسية للتجارة الخارجية، مبينا أن أي اضطراب في المجال البحري ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي والطاقي والاقتصادي لهذه الدول.
وأشار المتحدث إلى أن تعزيز الأمن البحري في الفضاء الأطلسي الإفريقي يرتبط أيضا بتطوير آليات التنسيق بين الدول، وتحديث أنظمة المراقبة البحرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، بما يحد من هشاشة المجال البحري أمام التهديدات العابرة للحدود، مضيفا أن تراجع بعض أنشطة القرصنة في السنوات الأخيرة يعكس، حسب تصوره، بداية نجاعة التعاون الإقليمي، رغم أن الوضع لا يزال بعيدا عن الاستقرار الكامل.
وأردف أن المبادرات المغربية في المجال المينائي، خصوصا الموانئ الكبرى ذات البنية الحديثة، ساهمت في إعادة صياغة مفهوم الميناء من مجرد نقطة عبور إلى منصة إنتاجية ولوجستية متكاملة، قادرة على دعم التنمية الإقليمية وربط إفريقيا بعمقها الأطلسي.
♦الموانئ الإفريقية ومحركات التنمية
أبرز د. الرواص أن تطوير الموانئ الإفريقية يساهم بشكل مباشر في دعم الدول غير الساحلية، خصوصا في منطقة الساحل، التي تعتمد بشكل شبه كلي على المنافذ البحرية لتأمين وارداتها وصادراتها، مبينا أن أهمية تعزيز الربط تتجلى بين الموانئ والظهائر الخلفية عبر شبكات نقل متطورة قادرة على تسريع حركة البضائع وتقليص الكلفة الاقتصادية.
وأبان أن التجربة المغربية في تطوير موانئ حديثة وذكية قدمت نموذجا عمليا يمكن الاستفادة منه على المستوى الإفريقي، سواء من حيث الرقمنة أو تحسين الحكامة أو اعتماد معايير الاستدامة البيئية، مشيرا إلى أن هذه التجربة ساهمت في إطلاق دينامية تعاون بين الموانئ الإفريقية، من خلال تبادل الخبرات وتطوير آليات مشتركة للتسيير.
وشدد أيضا أن خلق منصات إنتاجية بحرية قادرة على دعم الصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية يشكل رهانا مركزيا لتحقيق الاندماج الاقتصادي الإفريقة، مبينا أنه بدون موانئ قوية وفعالة، تبقى مشاريع التكامل الإقليمي محدودة الأثر.
وأشار إلى أن بعض المبادرات الإقليمية، مثل تطوير مجموعات للتدخل والتنسيق في الموانئ الإفريقية، ساهمت في تعزيز الكفاءة التشغيلية، لكنها ما تزال في حاجة إلى إطار مؤسساتي أكثر نضجا لضمان الاستمرارية والفعالية.
♦التعاون الأطلسي وتحديات أمنية
يرى د. بدرالدين الرواص أن التحدي الأكبر في الفضاء البحري الإفريقي الأطلسي يتمثل في غياب منظومة تعاون مندمجة قادرة على مواجهة التهديدات الأمنية المعقدة، التي لم تعد تقتصر على القرصنة التقليدية، بل امتدت إلى الإرهاب البحري، والتهريب، وتهديد خطوط الطاقة.
وأفاد أن المبادرة الأطلسية، التي تسعى إلى ربط دول الساحل بالمجال البحري الإفريقي، تمثل تحولا استراتيجيا في التفكير التنموي، لأنها تمنح الدول الحبيسة فرصة الانفتاح على البحر، والاستفادة من الممرات التجارية الدولية، مظهرا أن نجاح هذه الرؤية يظل مشروطا ببناء شراكة متعددة الأطراف واضحة الأدوار، وفعالة في التنفيذ، وهو ما لم يتحقق بعد بالشكل الكافي.
ولفت إلى أن الاتفاقيات الإقليمية الأخيرة في غرب إفريقيا، خصوصا تلك المتعلقة بتأمين المشاريع الطاقية الكبرى، تعكس وعيا متزايدا بأهمية الأمن البحري كشرط لضمان استقرار الإمدادات الطاقية، مسترسلا أن مشاريع كبرى مثل خطوط الغاز العابرة للحدود تفرض مستوى أعلى من التنسيق الأمني بين الدول الساحلية والداخلية.
ونبه إلى أن تزايد التهديدات في بعض الممرات البحرية الحساسة، سواء في المحيط الأطلسي أو عند المعابر الاستراتيجية الإفريقية، يفرض إعادة التفكير في طبيعة التعاون العسكري البحري، عبر إدماج قدرات الدول الإفريقية مع دعم الشركاء ذوي الخبرة البحرية المتقدمة، بما يضمن حماية المجال البحري بشكل مستدام.
وخلص إلى أن إفريقيا الأطلسية تقف اليوم أمام لحظة مفصلية: إما بناء منظومة أمن بحري متكاملة تدعم التنمية وتفتح المجال أمام الاندماج الإقليمي، أو استمرار حالة التشتت التي تعيق استثمار الإمكانات الهائلة التي تزخر بها القارة.

