العيد الصغير أو عيد الفطر يعتبر مناسبة للتعبد وللمة الأهل والأقارب وعودة المغترب لصلة الرحم مع أسرته بعد غياب طويل بسبب العمل والبحث عن قوت عيشه اليومي، بالإضافة إلى ذلك فهذه المناسبة العظيمة تعد فرصة لإحياء مجموعة من الشعائر الدينية والتقاليد التي ورِثها الأبناء عن الآباء والأجداد.
وتافيلالت مثل باقي جهات المملكة أبناؤها يعودون إليها من المدن البعيدة في كل مناسبة سيرا على ما ذهب عليه الآباء والأجداد من أجل إحياء صلة الرحم بين الأهل والأقارب، وترسيخ العادات والتقاليد في الأبناء الذين لم يولدوا في المنطقة كي لا تندثر مع مرور الزمن ونقلها للأجيال التي ستأتي بعدهم.
وفي هذا الإطار أكد الأستاذ زايد جرو، الكاتب والمهتم بالتراث المادي واللامادي بجهة درعة تافيلالت، أن العيد الصغير (عيد الفطر) أو العيد الكبير( عيد الأضحى) وفق المنطوق المحلي له طقوس خاصة رغم التنوع العرقي والاثني في المنطقة واختلاف العادات والتقاليد وهذا الأمر هو الذي يعكس الغنى التراثي والثقافي بتافيلالت.
وأظهر الكاتب والمهتم بالتراث المادي واللامادي بجهة درعة تافيلالت في تصريح لجريدة “شفاف”، رغم الاختلاف والتنوع الذي تُعرف به تافيلالت إلا أن أجواء العيد والفرحة تبدأ ثلاثة أيام قبل حلوله، حيث القصور ودروبها الضيقة والمزركشة بالنقوش التقليدية تراها مكتظة بمن اغتربوا للعمل داخل المغرب أو خارجه؛ وتجد البيوت انبعثت فيها الحياة من جديد بعدما امتلأت قلوب قاطنيها بالفرح والتسامح والتصالح والسكينة والرحمة وعودة المغترب.
وكشف المختص في التراث اللامادي بجهة درعة تافيلالت، أن التحضير للعيد مهمة نسائية بالدرجة الأولى داخل البيوت حيث تعملن على تحضير الحناء والكحل والقرنفل واللباس لهن ولأطفالهن وكذا لأزواجهن كي يكونوا بأبهى حلة خلال هذا اليوم الذي توزع فيه التهاني بين الأهل والأقارب والأحباب بهذه المناسبة.
وأضاف المتحدث أن النساء يسهرن كذلك مع حلول فجر العيد على إعداد الفطور التقليدي المكون من حريرة “الشعرية أو المحمصة التي تعرف بعض الإضافات مثل السمن الحار وأطراف من البيض المسلوق المغطى بـ”الكامون البلدي”، بالإضافة إلى المسمن، والبغرير، وخبز الشحمة، والشفنج، وزيت الزيتون، والعسل والزبدة البلدية وغيرها من الخيرات التي تمتاز بها المنطقة.
وتابع أن نسوة القصور يعملن على تقديم وجبة الفطور في الصباح الباكر وبعدها يسهرن على تزين وتجميل أطفالهن وأزواجهن باللباس الجديد الذي قد يكون تقليدي أو حديث وكذلك تعملن على تعطير أحبائهن بأفضل العطور وذلك لمجموعة من الارتسامات الجميلة التي انتقلت لهن من أمهاتهن، وذلك استعدادا للذهاب إلى المسجد أو المصلى الذي يتعالى فيه صوت التكبير والتسبيح.
واستطرد زايد جرو بعد أن تكمل الزوجة كل ترتيباتها وتسهر على كل شيء بشكل دقيق وتتأكد بأن الأمور سارت على ما يرام، تذهب الأسرة بكاملها إلى المصلى التي قد تكون داخل القصر أو خارجه من أجل أداء الصلاة والدعاء، مبينا عند انتهاء الصلاة لن تفترق تلك الجموع من النسوة والرجال والأطفال حتى يباركون لبعضهم البعض العيد بأجمل العبارات والتبريكات.
وزاد المتحدث أن الهجرة نحو عيد الجنوب عادة متأصلة حيث الناس لا تزال تعيش نشوة العيد، وهي تصافح الوجوه التي حجت إلى المصلى صباحا، ليجتمع القادمون والرابطون جميعا حول حكايات تتخذ عادة ساحة باب “إغرم “أو باب القصر أو السقيفة فضاء لها، إذ يشْعر المغتربون بهزات عنيفة ترعبهم وتخيفهم لأنهم هاجروا موطنهم وعوضوه بآخر، مبرزا على أن الهجرة نحو المغرب العميق في العيد “الصغير” أو “الكبير ” هي عودة للأصل وعودة لأجل أب لوى الزمان يده على العصا أو من أجل أم عجوز اختار المرض جسدها وأذبل البكاء جفنها انتظارا وترقبا لفلذة كبد رحل وغاب وتغيب طويلا أو من أجل رحم ينتظر الإحياء .
وأوضح المختص في التراث اللامادي لجهة درعة تافيلالت، أن الأكبر سنا من الذكور من غير المسموح لهم الذهاب إلى منازلهم دون أن يباركوا العيد لكافة قاطني بيوت القصر خصوصا التي يوجد فيها يتامى وأرامل، مبينا أن هؤلاء الشباب والشيوخ بعد مباركة العيد يسهرون على تقديم مساعدة مادية للأسرة المعوزة كل على حسب مستطاعه، وذلك لخلق حس التضامن والتآخي وعدم إشعار من فقد عزيزا أنه لوحده في هذه الفرحة التي تعم الجميع.
وأورد المتحدث أن الأطفال (ذكور، إناث) يقلدون آباءهم في هذا اليوم المبارك، حيث يكونون مجموعات صغيرة مكونة من أصدقاء الدراسة أو المسجد ويسارعون لمباركة العيد لكافة بيوت القصر بعبارة ” مبروك عيدكم”، خصوصا أنهم يدركون أن بانتظارهم العديد من العطايا التي قد تكون إما مادية أو حلوى أو فواكه جافة تسهر على تقديمها الأكبر سنا في الأسرة بعد مباركتهم لها العيد ولأسرتها وتقبيل يدها، مضيفا بعد الانتهاء من العملية يجتمع الأطفال في بيت أحدهم من أجل تقسيم المكتسبات بالتساوي بينهم.
وأبان زايد جرو أن الأسر الميسورة الحال خلال العيد تحتضن الأسر المعوزة في العيد وتسهر على عدم إشعار أي شخص في القصر بأي نقص من فرحة العيد، مضيفا أن زوال يوم العيد تخرج بعض الأسر “قصرية” الكسكس والطاجين باللحم، حيث يتم توزيعها على المتواجدين خصوصا الأطفال الذي ينتشون بقطعة من اللحم داخل خبز لم يتم إنشاءه في المنزل (خبز السوق).
وفي الأخير أكد المتحدث أن عشية العيد يذهب الأب والأم والأبناء لزيارة الأقارب خصوصا الابنة المتزوجة حديثا، حيث يحملون معهم العديد من الهدايا (تفريحة العيد) لها ولأطفالها وأسرة زوجها، مبينا أن العيد لن يكتمل إلا بزيارة ضريح مولاي على الشريف عشية اليوم الموالي الذي يشهد زحمة مرورية كبيرة بسبب المهرجان الذي ينظم فيه.

