تزامنا مع اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة، تتجدد المخاوف في المغرب حول استمرار ارتفاع مؤشرات العنف ضد النساء والفتيات، رغم الترسانة القانونية التي اعتمدتها الدولة خلال السنوات الأخيرة.
تشير تقارير الجمعيات النسائية ومراكز الاستماع إلى أن النساء يواجهن أشكالا متعددة من الاعتداءات الجسدية والنفسية والاقتصادية والرقمية، ما يسلط الضوء على الفجوات في الحماية القانونية والمجتمعية.
ومع الاحتفال بهذه الأيام الأممية، يسائل العنف ضد النساء في المغرب مدى فعالية التدابير المتخذة، وإمكانية تحويل الالتزام الدولي إلى واقع ملموس على الأرض يضمن الأمن والكرامة للنساء المغربيات.
♦تصاعد مؤشرات العنف
تبرز نجية تزروت، رئيسة شبكة الرابطة إنجاد ضد عنف النوع، أن واقع العنف ضد النساء والفتيات في المغرب لم يعد مجرد حالات متفرقة، بل صار منحنى متصاعدا يكشف خللا عميقا في المنظومة الاجتماعية والقانونية والثقافية.
وتشدد رئيسة شبكة الرابطة إنجاد ضد عنف النوع في تصريح لجريدة “شفاف”، على أن تزايد الاعتداءات، بمختلف مستوياتها، يحدث رغم الترسانة القانونية التي تم اعتمادها خلال السنوات الأخيرة، ما يعني أن الإشكال لم يعد في القوانين فقط، بل في طريقة تفعيلها، وفي استمرار ثقافة التطبيع مع العنف.
وتوضح تزروت أن النساء المغربيات يجدن أنفسهن اليوم في مواجهة أشكال متعددة من العنف، تتقاطع فيها الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والرقمية.
وتشير الفاعلة الحقوقية إلى أن العنف الجسدي ما يزال من أكثر الأنماط حضورا داخل مراكز الاستماع، سواء داخل الأسرة أو في الفضاء العام، وأنه غالبا ما يترافق مع عنف نفسي ولفظي يترك جروحا غير مرئية لكنها أكثر قسوة وتعقيدًا.
وتلفت المتحدثة إلى أن العنف الاقتصادي يشكل بدوره أحد أبرز الأدوات التي تستعمل لإضعاف النساء، عبر حرمانهن من الموارد ومن إمكانية اتخاذ القرار، ما يجعل كثيرات منهن عاجزات عن التبليغ أو المغادرة أو حماية أنفسهن.
وتقول تزروت إن العنف الجنسي يمارس في ظلال صمت اجتماعي وقانوني خانق، إذ يشمل الابتزاز والتحرش والاغتصاب، بما في ذلك الاغتصاب الزوجي الذي ما يزال غير معترف به في القانون، رغم آثاره المدمرة على الضحايا.
وزارة الاقتصاد والمالية تشارك في حملة “اتحدوا!” لمناهضة العنف ضد النساء والفتيات
وتحذر من أن العنف الرقمي أصبح من أسرع الأنماط انتشارا، مع تحول الفضاء الإلكتروني إلى ساحة مفتوحة للاختراق والتشهير والمراقبة والابتزاز ونشر الصور الخاصة، مما يخلق طبقة جديدة من المخاطر التي لا تزال الآليات القانونية عاجزة عن مواكبتها بالشكل المطلوب.
♦معيقات حماية النساء
تذهب تزروت إلى أن أهم التحديات التي تُفرغ الجهود الحالية من محتواها العملي، تكمن في استمرار ضعف الحماية أثناء التبليغ.
وتؤكد رئيسة شبكة الرابطة إنجاد ضد عنف النوع، أن كثيرا من النساء يصطدمن بغياب خلايا استقبال مؤهلة، وبوصمة اجتماعية تدفعهن للصمت، إضافة إلى خوف حقيقي من الانتقام، يجعلهن يتراجعن عن طلب المساعدة، مشددة على أن هذا الضعف البنيوي يجعل النصوص القانونية غير فعالة على الأرض.
وتضيف أن القانون 103.13، رغم كونه خطوة مؤسِّسة، يبقى محدودا من حيث الشمولية، إذ لا يتضمن آليات وقائية واضحة ولا يوسع نطاق التجريم ليشمل مظاهر العنف الحديثة، خصوصا الرقمية والزوجية والاقتصادية.
العنف ضد النساء في المملكة.. أرقام مقلقة وجهود متواصلة للحد من الظاهرة
وترى رئيسة شبكة الرابطة إنجاد ضد عنف النوع أن عدم تحديث القانون يترك النساء في منطقة رمادية، بين اعتراف قانوني ناقص وواقع ميداني أكثر تعقيدًا.
وترصد تزروت أن ضعف التنسيق بين المؤسسات يزيد من هشاشة الوضع، خصوصا في المناطق القروية والفقيرة حيث تندر الموارد البشرية المؤهلة، وتغيب الخدمات الأساسية، وتستفحل ثقافة التطبيع مع العنف.
وتذكر المتحدثة بأن الثقافة المجتمعية التي تبرر العنف وتلصق المسؤولية بالضحايا، تبقى من أخطر المعيقات لأنها تشرعن السلوك المعتدي وتعيد إنتاجه عبر الأجيال.
وتستقر الناشطة الحقوقية إلى أن استمرار هذه الاختلالات يجعل مكافحة العنف ضد النساء مجرد إجراءات ظرفية، بدل أن تكون سياسة عمومية شاملة قائمة على الوقاية والحماية والإنصاف والردع.
في عيدهن العالمي.. اتساع رقعة العنف الإلكتروني الممارس ضد النساء المغربيات
♦حلول وتوصيات مستعجلة
تدعو تزروت إلى أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يبدأ بمراجعة شاملة وصارمة لقانون 103.13، بما يضمن إدراج العنف الزوجي، والاقتصادي، والرقمي بشكل واضح، وتحديد عقوبات رادعة، وآليات حماية فورية وفعّالة.
وتلح المتحدثة على ضرورة إحداث محاكم متخصصة في قضايا العنف ضد النساء، حتى لا تُقحم الملفات ضمن المساطر العامة التي غالبا ما تفتقر للخبرة النوعية.
وتبرز أن إصلاح مدونة الأسرة والقانون الجنائي بات ضرورة ملحة، لأن الإبقاء على النصوص الحالية يكرس الفوارق ولا يحمي النساء بالشكل الكافي.
وتنبه الفاعلة الحقوقية إلى أن الحفاظ على السلامة الجسدية والنفسية للنساء يستدعي توفير مواكبة مجانية متعددة التخصصات (نفسية، اجتماعية، قانونية)، حتى لا تتحول التكلفة إلى عائق إضافي أمام التبليغ.
وتركز تزروت على أن التربية على حقوق الإنسان والمساواة يجب أن تدمج في المناهج الدراسية بشكل منهجي، باعتبار أن التغيير الحقيقي يبدأ من بناء وعي جديد لدى الأجيال القادمة، يرفض العنف ويفكك تبريراته.
وتطالب كذلك بتجريم الاغتصاب الزوجي بشكل صريح، باعتباره شكلا من أشكال العنف الجنسي وليس حقا زوجيا كما يروّج له في بعض الخطابات التقليدية.
وترى أن إطلاق حملات وطنية مستمرة لكسر الصمت يُعد جزءا أساسيا من العملية الإصلاحية، إلى جانب توسيع برامج الدعم الاقتصادي للنساء في وضعيات هشاشة لضمان استقلاليتهن وقدرتهن على حماية أنفسهن.
وخلصت إلى إن العنف ضد النساء ليس قدرا محتوما، بل نتاج تراكمات ثقافية وسياسية يمكن تغييرها عبر إرادة سياسية صادقة، وإصلاح قانوني شامل، وتغيير ذهني جماعي، وعمل ميداني فعلي.
وتشدّد على أن المغربيات يستحققن وطنا آمنا وعادلا، خاليا من كل أشكال العنف الجسدي، النفسي، الاقتصادي والرقمي، مبرزة أن تمكين النساء وحمايتهن مسؤولية مجتمعية وقانونية لا يمكن التهاون فيها بأي شكل من الأشكال.
المنظمة المغربية لحقوق النساء في وضعيات إعاقة تدعو إلى إنصاف شامل وإدماج فعلي في جميع المجالات

