احتفلت السفيرة الكندية بالمغرب، إيزابيل فالواء، بالعيد الوطني لبلادها يوليوز الماضي، في أجواء غير معتادة غاب عنها كليا أي تمثيل رسمي مغربي، سواء من جانب الوزراء أو كبار المسؤولين.
وقد أثار هذا الغياب الانتباه، خاصة في ظل العرف الدبلوماسي الذي جرت عليه الرباط، والذي يُخصص حضورا حكوميا في مثل هذه المناسبات التي تنظمها السفارات الأجنبية.
ويأتي هذا الغياب في سياق توتر غير معلن بين المغرب وكندا، على خلفية استمرار أوتاوا في تبني موقف يعتبره المغرب غير منسجم مع مقاربته لحل النزاع الإقليمي حول الصحراء.
وفي ظل هذا البرود الظاهر في العلاقات بين البلدين، إلى أي حد يمكن أن تؤثر مواقف الدول من ملف الصحراء على مستقبل الشراكات التقليدية للمغرب؟
♦الغياب المغربي بلغة الرسائل
أكد المحلل السياسي هشام معتضد أن غياب المغرب عن احتفالات العيد الوطني الكندي لا يمكن اعتباره مجرد تفصيل بروتوكولي عابر، أو مبادرة عفوية خالية من الدلالة، بل هو رسالة رمزية مشحونة بالدقة، تأتي في سياق دبلوماسي تتقن فيه الرباط توظيف “الغياب الحاضر” كأداة لإيصال مواقفها دون اللجوء إلى القطيعة الصريحة أو التصعيد المباشر.
وأوضح هشام معتضد في تصريح لجريدة “شفاف”، أن المغرب، المعروف بخبرته في إدارة الأزمات الدبلوماسية بصيغة التريث، غالبا ما يستعمل أدوات تعبير غير تقليدية، تجعل من الإيماءات الرمزية، مثل عدم الحضور، أداة دالة على التحفظ أو عدم الرضا، دون أن تمس بالبنية العامة للعلاقات.
وأشار معتضد إلى أن هذا الغياب بالذات لا يأتي في فراغ، بل يتزامن مع لحظة دقيقة تعرف فيها قضية الصحراء المغربية تحولات في المواقف الدولية، مما يجعل الإشارات الرمزية ذات حمولة سياسية مضاعفة.
ويرى المتحدث أن تمسّك كندا بموقع “الحياد السلبي” تجاه مقترح الحكم الذاتي يفسّر غياب المغرب عن الاحتفال الوطني الكندي باعتباره تعبيرا سياديا ينسجم مع تحولات الدبلوماسية المغربية، التي باتت تعتمد نهجًا أكثر وضوحًا في ترتيب أولوياتها، وأقل تساهلا مع المواقف المترددة إزاء القضايا المصيرية.
وأضاف أن الرباط لا تسعى إلى التصعيد، بل إلى لفت الانتباه إلى اختلال في منسوب التفاهم الاستراتيجي، باستخدام أدوات دبلوماسية غير صدامية، مبينا أن الغياب، هنا، لا يمثل نهاية المسار الثنائي، بل وقفة ضرورية لإعادة تقييم حدود الشراكة، دون المساس بالمرتكزات الكبرى للعلاقة، التي ما تزال قائمة، وخصوصًا في ظل وجود جالية مغربية واسعة ونشيطة داخل كندا، تلعب دورًا أساسيًا في ربط المصالح الإنسانية والثقافية بين البلدين.
♦الحكم الذاتي مركز التحولات
شدّد معتضد على أن دعم مبادرة الحكم الذاتي لم يعد تفصيلا هامشيا في أجندة الرباط، بل أصبح قاعدة محورية لإعادة تعريف الشراكات الثنائية وفق منظور جديد للسيادة والمصلحة الوطنية.
وأبرز أن المغرب، بعد سنوات من التعامل الدفاعي مع هذا الملف، دخل مرحلة هجومية ذكية، تضع قضية الصحراء في قلب الرؤية الاستراتيجية لعلاقاته الدولية.
ويؤكد معتضد أن كل علاقة ثنائية أصبحت اليوم تُقوَّم من منظور مغربي بمدى وضوح موقف الطرف الآخر من مقترح الحكم الذاتي، الذي تعتبره الرباط الخيار الواقعي الوحيد، والمتوافق عليه دوليا، لتسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية.
وأبان أن الرباط لا تطلب من شركائها الانخراط في مواقف عدائية ضد أطراف أخرى، بل فقط التعبير عن دعم واضح لمبادرة تعتبرها الأمم المتحدة أرضية صلبة للتسوية، وتحظى بدعم فعلي من قوى دولية كبرى كالولايات المتحدة، إسبانيا، ألمانيا وغيرها.
وأظهر معتضد على أن المغرب، في هذا السياق، لا ينهج سياسة الضغط أو فرض الشروط، بل يختار ما يسميه بـ”دبلوماسية الانتقاء الاستراتيجي”، حيث تتحول مواقف الدول من قضية الصحراء إلى معيار حاسم لقياس صدقية الشراكة ودرجة استعدادها للقيام على أسس المصالح المتبادلة بشكل واضح ومتوازن.
وكشف على أن موقف كندا، الذي يظهر حتى الآن متحفظًا وغير واضح بدقة، يثير تساؤلات لدى الرباط، ليس بسبب عدائه، بل لعدم مواكبته للتحولات الإقليمية الراهنة وعدم انسجامه مع منطق دعم الحلول الواقعية التي تؤكدها الأمم المتحدة، مبينا على أن المغرب لا يتبنى موقفا عدائيا تجاه كندا، بل يدعوها إلى إعادة تموضع يتوافق مع المتغيرات الجديدة في الجغرافيا السياسية لشمال إفريقيا.
هشام معتضد أوضح أن الرباط تميز بين كندا كدولة ديمقراطية ذات مؤسسات متطورة، وبين موقفها المتردد من قضية أساسية للمغرب. لذلك، لا تستهدف الدعوة إلى المواجهة، بل تهدف إلى تحقيق وضوح الرؤية، خاصة مع تزايد الدول التي تجاوزت الحياد السلبي ودعمت بوضوح مقترح الحكم الذاتي كحل عادل ومستدام.
♦شراكة قابلة لإعادة الهيكلة
استعرض معتضد في تحليله لآفاق العلاقات بين المغرب وكندا في ثلاثة سيناريوهات رئيسية، أولها يرتكز على التهدئة السريعة، عبر إعادة تفعيل قنوات التواصل الرسمية وغير الرسمية، سواء عبر وزارتي الخارجية أو من خلال القنوات البرلمانية والثقافية التي لعبت دورًا مهمًا في تقريب وجهات النظر. مبينا أن هذا المسار يمكّن العلاقات من العودة إلى منطق “الاختلاف داخل الشراكة”، مع إمكانية أن تقدم كندا توضيحا سياسيا يحدد موقفها ضمن التحولات الجارية، دون التخلي عن خطابها المعتدل والمتوازن.
أما السيناريو الثاني، حسب المحلل، يقوم على فرضية استمرار الفتور لفترة أطول، مما قد يؤدي إلى تباطؤ في مستوى التعاون الثنائي، خاصة في المجالات التقنية والتجارية، دون أن يصل إلى حد القطيعة. وبالتالي وفق المتحدث، قد تعتمد الرباط على سياسة التريث والتوجه نحو شركاء جدد أكثر انسجاما مع رؤيتها، الأمر الذي قد يدفع أوتاوا لاحقا إلى مراجعة تدريجية لموقفها، حفاظا على تموقعها في المنطقة.
وعن السيناريو الثالث، فيراه معتضد الأكثر تفاؤلا واستراتيجية، ويتمثل في تحويل هذا التوتر الظرفي إلى فرصة لإعادة بناء العلاقة على أسس أكثر وضوحًا وتكاملًا، من خلال حوار صريح ومباشر يشمل الملفات الحساسة، بما فيها قضية السيادة، والهجرة، والاقتصاد الأخضر.
واعتبر أن الرباط وأوتاوا تمتلكان كل المقومات السياسية والديمقراطية التي تخوّلهما تدشين مرحلة جديدة من التعاون المتقدّم، يكون فيها ملف الصحراء عامل تقارب لا عنصر خلاف.
وشدد معتضد في الأخير على أن المغرب لا يعمد إلى إغلاق الباب أمام أي دولة، بل يدعو إلى بناء شراكات تنسجم مع مصالحه الاستراتيجية وثوابته الوطنية. مضيفا أنه هذا المنطلق، لا يُمكن اعتبار غيابه عن الاحتفال الكندي موقفا عدائيا، بل رسالة سيادية محسوبة تُدرج ضمن مقاربة التحول الهادئ التي تنتهجها الرباط بثبات دبلوماسي، بعيدًا عن الانفعال أو منطق القطيعة.

