تتجه بوصلة الأسرة المغربية نحو تحولات جذرية، حيث تشير الإحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة العدل إلى تراجع ملحوظ في عدد عقود الزواج مقابل ارتفاع مقلق في معدلات الطلاق. هذه الظاهرة لا تعكس مجرد تغيير في الأرقام، بل هي مؤشر على تغيرات عميقة في النسيج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للمجتمع المغربي.
ووفقًا لإحصائيات وزارة العدل، انخفض عدد عقود الزواج بأكثر من 25% خلال العقد الأخير، مما يسلط الضوء على تراجع إقبال الشباب على هذه المؤسسة. وفي المقابل، ارتفعت نسب الطلاق بشكل مستمر، لتصل إلى ربع إجمالي الزيجات على المستوى الوطني، وتتجاوز الثلث في المدن الكبرى، وهو ما يدفع إلى التساؤل عن الأسباب الكامنة وراء “تسونامي الطلاق” هذا.
♦عزوف نسبي
وتعليقا على الموضوع، أفادت بشرى المرابطي الأخصائية النفسية والباحثة في علم النفس الاجتماعي، أن عزوف الشباب عن الزواج حاليا في المملكة لم يرقى بعد إلى أن يكون ظاهرا في المجتمع المغربي، مؤكدة أنه رغم الأرقام التي قدمتها المندوبية السامية للتخطيط بخصوص الموضوع إلا أنه لازال هناك إقبال كبير للراغبين في الزواج على إنشاء العقود الزوجية في البلاد.
وأكدت الأخصائية النفسية في تصريح لجريدة “شفاف”، أنه بالعودة إلى الدراسة التي قامت بها المندوبية السامية للتخطيط لسنة 2019 أي قبل جائحة كورونا وقبل تداعيات التأثيرات الاقتصادية الجديدة، فقد أظهرت هذه الدراسة أن اثنين من كل ثلاثة يؤيدون فكرة الزواج ومتزوجون، لكن شخص واحد فقط من كل ثلاثة أشخاص لا يرفض فكرة الزواج لكنه ليس متزوجا في الفترة التي أقيمت فيها الدراسة، وهذا يعني وفق الباحثة في علم النفس الاجتماعي أن المملكة لازالت أمام مجتمع طبيعي شبابه يقبل على الزواج.
وأرجعت الباحثة في علم النفس الاجتماعي، سبب التراجع النسبي في الإقبال على الزواج في المغرب وفق الدراسة التي قامت بها المندوبية السامية لسنة 2022، إلى العامل الاقتصادي الذي يعتبر أساسي وللبطالة بالإضافة إلى فقدان الشباب لمناصبهم والهشاشة ثم إلى الجفاف وتداعياته على مجموعة من القطاعات، التي أدت إلى ارتفاع نسبة البطالة في البلاد إلى 12% في المدن و16% في البوادي.
وكشفت المتحدثة، أن الأزمة الاقتصادية التي سجلتها المملكة في فترة جائحة كورونا والجفاف، تسببت في فقدان مناصب شغل للكثيرين من الشباب، حيث سجلت الأرياف الحصة الأكبر بخصوص الوظائف المفقودة بنحو 295 ألف منصب شغل بسبب تضرر القطاع الزراعي الأهم في البلاد من تداعيات الجفاف وكورونا كما ذكر سابقا، وجراء ذلك بلغ مجموع العاطلين عن العمل في المغرب إلى مليون وأربعمئة وتسعة وعشرون ألف عاطل بزيادة نحو 322 ألف منصب شغل، وبالتالي ارتفع معدل البطالة إلى 12% مسجلا بذلك أعلى ارتفاع بالمقارنة مع سنة 2019، وهذا بطبيعة الحال سيكون له أثر ظاهر على الزواج في البلاد.
♦الاقتصاد والزواج
وشددت المرابطي، على أن عزوف الشباب عن الزواج في المغرب حاليا له علاقة بالسياقات الاقتصادية المتمثلة وفي الأزمات التي مرت منها المملكة المغربية في السنوات الأخيرة خاصة ما بعد عام 2020 المتعلق بآثار بجائحة كورونا والتي لازالت تنخر في الاقتصاد المغربي بالإضافة إلى ارتفاع مؤشر التضخم وكذا التقلبات المناخية التي أثرت بشكل كبير على مناصب العمل في القطاع الفلاحي سواء الدائمة أو الموسمية.
وتابعت الباحثة في علم النفس الاجتماعي، أن سوق الشغل خلال سنة 2022 وفق التقارير الرسمية للبلاد والدولية في إطار رصدها لواقع المغرب، فقد سجلت تدهورا كبيرا حيث بلغ مجموع المناصب المفقودة إبان الأزمة إلى 432 ألف منصب شغل، مبينة على أن هذا الرقم ليس بالهين وآثاره سيكون على مختلف المجالات والقطاعات وكذا على الفرد نفسه اجتماعيا ونفسيا وماديا.
وأظهرت الأخصائية النفسية، على أن المجتمع المغربي خلال فترة الحجر وبعدها شهد مجموعة من التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي أثرت بشكل سلبي على موضوع عزوف الشباب عن الزواج وأرقام المندوبية السامية للتخطيط تبرز مدى التراجع المتواتر الحاصل في مسألة الزواج، مبينة على أن العامل الرئيسي هو الجانب الاقتصادي الذي يعتبر مرتكز أساسي لبناء الأسرة.
وأوردت المتحدثة، على أن الكثير من الشباب والشابات الذين ارتبطوا ما قبل كورونا عدد مهم منهم لم يتمموا عقود الزواج بعد كورونا، مرجعة السبب إلى العامل الاقتصادي سواء من حيث فقدان الشغل أو انهيار المقاولة التي كان يشتغل فيها ما نتج عنه توقفت مشارعهم الزواجية نتيجة الإكراهات المادية، وبالتالي وفق المرابطي فإن أهم سبب يفسر حاليا بعيدا عن الأسباب العامة والكبرى والكلاسيكية ظاهرة العزوف عن الزواج هو الاقتصاد، خصوصا بعدما لم تتمكن بعض القطاعات التي تعتبر ركيزة للاقتصاد الوطني من العودة إلى ما كانت عليه قبل كورونا أو أفضل مثل القطاع السياحي الذي فقد الكثير من مناصب الشغل، معللة ذلك بما تم الكشف عنه في تقارير المندوبية السامية للقطاعات وذات الارتباط الوطيد بموضوع الشغل تظهر حجم الخسائر التي وقعت في كل قطاع ونسبة الشباب فيه وخاصة الشباب العزب الذين فقدوا مورد الرزق الخاص بهم في هذه المجالات.
واعتبرت الأخصائية النفسية أن الجانب المتعلق بالديجيتال من حيث المحتوى ومستوى حضوره في حياة الأفراد عامل من عوامل عزوف الشباب عن الزواج، مؤكدة على أن الحجر الصحي عزز حضور الإعلام الرقمي بكل أجناسه خاصة تطبيقات التواصل الاجتماعي في حياة الأفراد والأسر وبالتالي أضحى أحد المراجع الأساسية في كل ما يحدث في البلاد وفي إشكالاته وفي رسم اتجاهات للأفراد على المستوى المستقبلي، خصوصا أن هذا الديجيتال أصبح اليوم مليء بالنصائح التي تأتي من المؤثرين، الأمر الذي عزز انتشار قناعة مفادها أن الزواج لا يشكل مصدر سعادة وليس بالضرورة المسار الطبيعي لتطور الأفراد مع الاستفاضة في نقل الخصام الزوجي سواء مع الزوج أو الزوجة أو مع عائلات الأزواج وتقاسمه مع ما يسمى المتابعين، مبينة على أن هذا من شأنه أن يعزز تمثل سلبي للأسرة عند الكثير من الشباب حيث يحضر لديهم نفور ورفض واعي أو غير واعي بمؤسسة الزواج.
♦حلول
وأكدت المرابطي، أن مشكل العزوف عن الزواج يتطلب تدخل الحكومة عبر وضع الشباب في برنامج التشغيل كأولوية باعتباره مكون أساسي لتشكيل الحياة الزوجية رغم أن الزواج هو استعداد نفسي وذهني ورغبة عارمة في العيش المشترك مع الشخص وليس مقاولة ربحية، مبرزة على أن البعد المادي بعد هذه المقومات مسالة أساسية حتى ولو حضر ما تم ذكره سلفا.
وأضافت المتحدثة على الحكومة كذلك أن تيسير قروض خاصة للراغبين في الزواج، وتقدم تسهيلات خاصة لمنشئي المقاولات الصغرى المقبلين على الزواج، بالإضافة إلى مقترح إطلاق حملات لتجميع الزكاة بصندوق خاص بدعم الزواج والذي بإمكان وزارة الأوقاف أن ترعاه وأن تنظمه، مبينة على أن هذا الصندوق من شأنه أن يكون له مآلات إيجابية على رفع نسبة الزواج في المغرب وتقليص الهوة بين الأرقام في السنوات الماضية.
وشددت الأخصائية النفسية، أن جانب الديجتال يجب أن يحظى بضبط من طرف الحكومة وأن تضع له قوانين ناظمة له وأن تكون هناك مراقبة على المحتوى كما هو الشأن في مجموعة من البلدان سواء العربية أو الأسيوية التي تضع قوانين صارمة في متابعة المحتوى وما ينقل على مواقع التواصل الاجتماعي إضافة إلى فرض ضرائب عليهم باعتبارهم أصحاب مداخل.

