تواصل قضية الصحراء المغربية احتلال موقع مركزي في النقاش السياسي والدبلوماسي، سواء داخل منطقة المغرب العربي أو في المحافل الدولية، وفي سياق هذا الجدل، سلطت مجلة “أتالايار” الإسبانية الضوء على التطورات الأخيرة التي يعرفها هذا الملف، مؤكدة أن المسألة لا تندرج ضمن ما يُسمى بـ”إنهاء الاستعمار”، بل تتعلق بخلاف سياسي وقانوني حول وحدة الأراضي المغربية، وهو طرح يتعارض مع الرواية الجزائرية والاطروحات التي يروج لها انفصاليو البوليساريو منذ عقود.
وهذا التناول الجديد، المدعوم بمقتضيات قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر الماضي، يعيد ترتيب الأوراق داخل المشهد الإقليمي، ويبرز مسارًا سياسيًا أكثر واقعية، يجعل من مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 قاعدة تفاوضية معترفًا بها، بدل الاستغراق في مقاربة الاستفتاء المستحيل الذي طغى على الخطاب الانفصالي طيلة سنوات.
#OPINIÓN | #SáharaOccidental: una solución a la controversia sobre la integridad territorial, no un proceso de descolonización
Por Jamal Eddine Mechbalhttps://t.co/XF95YnPkYu
— Atalayar (@Atalayar_) November 16, 2025
❖ السياق القانوني
تؤكد “أتالايار” أن الجدل الذي أثارته بعض الأصوات في الجزائر، أو داخل بعض المنابر المقرّبة من البوليساريو، بشأن “تحوّل الإطار القانوني” للنزاع، يقوم على قراءة انتقائية واهنة للنصوص الأممية.
وهذه الأطراف تصر على اعتبار الصحراء “إقليمًا غير مُستقل” خاضعًا لمسار تصفية الاستعمار، رغم أن اتفاق مدريد الموقع بتاريخ 14 نونبر 1975 -والمسجل رسميًا لدى الأمم المتحدة- أنهى عمليًا مسؤولية إسبانيا القانونية على الإقليم.
كما أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أخذت علمًا بالاتفاق عبر قرارها A/RES/3458B، الذي لم يعارض نقل صلاحيات الإدارة، ورغم أنه أعاد التأكيد على مبدأ تقرير المصير، فإنه لم ينسف الوضع القانوني الجديد الذي نشأ عن انسحاب القوة الاستعمارية.
❖ رواية الجزائر
ترى المجلة أن الجزائر تسعى إلى تقديم النزاع باعتباره استمرارًا لمعركة “تحرير” من استعمار مزعوم، بينما الحقيقة أنها تدافع عن مشروع جيوسياسي قديم، هدفه إقامة كيان مصطنع على حدود المغرب.
وهذا المنظور يتجاهل أن البوليساريو تأسس سنة 1973 بدعم مباشر من نظامي القذافي وبومدين، ليس دفاعًا عن “الشعب الصحراوي”، بل كأداة لمواجهة استرجاع المغرب لأقاليمه الجنوبية بعد نهاية الحماية سنة 1956.
مستقبل عضوية “البوليساريو”.. هل تعيد قمة أديس أبابا رسم موازين القُوة داخل الاتحاد الإفريقي؟
وتشير “أتالايار” أيضًا إلى مفارقات بنيوية داخل قيادة “الجمهورية” المعلنة من طرف واحد (RASD)، أبرزها أن زعيمها الحالي (إبراهيم غالي) استعاد الجنسية الإسبانية سرًا سنة 2004، وأن تمويلها ووسائلها اللوجستيكية -بما فيها الطائرة الرئاسية- تندرج ضمن موارد وزارة الدفاع الجزائرية.
❖ رهان البوليساريو
يتمسك البوليساريو بإجراء “استفتاء تقرير المصير”، رغم أن هذا الخيار أصبح عمليًا غير ذي جدوى منذ وقف إطلاق النار سنة 1991 ووصول بعثة “المينورسو”.
وبرامج تحديد الهوية التي أشرفت عليها الأمم المتحدة خلال تسعينيات القرن الماضي انهارت تحت ثقل المناورات السياسية ومحاولات فرض خريطة ديمغرافية مصطنعة.
وتبرز المجلة أن الجبهة طالبت منذ البداية بتكريس “الجمهورية” ككيان قائم، بدل المرور بمسار تفاوضي متوافق عليه، وهو ما حول الاستفتاء إلى آلية مفروضة، لا يمكن للأمم المتحدة اعتمادها دون توافق الأطراف؛ وهو توافق لم يتحقق قط.
❖ المسار الإفريقي
تعود “أتالايار” إلى سنة 1981 عندما أعلن الملك الراحل الحسن الثاني، خلال قمة منظمة الوحدة الإفريقية بنيروبي، موافقته على تنظيم استفتاء، رغم مخاطره السياسية، بهدف إنهاء النزاع، ولكن الجزائر والبوليساريو رفضا المقترح وطالبا بالاعتراف الفوري بما يسمى “RASD”.
من ميناء الداخلة لأنبوب الغاز.. كيف يعزز المغرب مكانة إفريقيا كقوة بحرية عالمية؟
وبعد ذلك، وفي سنة 1982، تمكنت الجزائر من فرض عضوية هذا الكيان في المنظمة القارية، رغم أنه بلا أرض وبلا مؤسسات حقيقية وبلا اعتراف دولي واسع، أما المغرب فقد واصل عرضه السياسي أمام الأمم المتحدة سنة 1984، مجدداً استعداده للجوء إلى الاستفتاء.
❖ الاستفتاء والحكم الذاتي
استمر التفاوض حول الاستفتاء إلى غاية بداية الألفية، حيث وصلت العملية إلى طريق مسدود بسبب رفض الجزائر والبوليساريو للمخارج الوسطية التي اقترحها المبعوث الأممي جيمس بيكر،
وهكذا تراجع خيار الاستفتاء تدريجيًا قبل أن يُدفن نهائيًا، بعد أن تأكدت الأمم المتحدة من استحالته عمليًا.
وفي سنة 2007، قدم المغرب مبادرته لحكم ذاتي موسع تحت سيادته، وهو إطار يعترف بخصوصية ساكنة الأقاليم الجنوبية، ويمنحها صلاحيات واسعة في التدبير المحلي، داخل وحدة الدولة.
تحيين المغرب لمبادرة الحكم الذاتي بمشاركة الأحزاب السياسية.. مقاربة تشاركية أم تحول استراتيجي؟
ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت هذه المبادرة محط ترحيب واسع داخل المجتمع الدولي، باعتبارها “جادة، واقعية وذات مصداقية”.
وتأتي أهمية القرار 2797 لسنة 2025 كونه أول قرار يتم اعتماده دون اعتراض، ويعتبر الحكم الذاتي “أساسًا” للمسار التفاوضي، مع التأكيد على ضرورة العودة إلى طاولة الحوار تحت رعاية الأمم المتحدة.
❖ تحول أممي
توضح “أتالايار” أن الأمم المتحدة لم تعد تتعامل مع الصحراء المغربية بوصفه “إقليمًا غير متمتع بالحكم الذاتي”، بل كقضية نزاع سياسي بين أطراف يجب عليها أن تتفاوض، وهذا التحول لا يمثل خروجًا عن الشرعية الدولية، بل تحديثًا لآلياتها بما يتناسب مع الواقع.
والاستفتاء لم يعد خيارًا، لا في النصوص ولا في الممارسة، والحكم الذاتي -عندما يكون نتيجة اتفاق سياسي- يحقق مبدأ تقرير المصير، كما تنص على ذلك أدبيات القانون الدولي.
وترى المجلة أن البوليساريو يفتقر إلى الأساس القانوني الذي يخول له تمثيل سكان الصحراء، لاسيما أنه نشأ كحركة مسلحة ذات دعم خارجي، واعتمد طيلة سنوات على خطاب ثوري وعسكري، لا يقبل التعددية ولا المشاركة السياسية الحرة داخل المخيمات.
كما أن اعتماد الجبهة على قرار 1514 الخاص بتصفية الاستعمار يعاني من ضعف قانوني واضح، إذ أن القرار 1541 المكمل له يحدد معايير “الإقليم غير المتمتع بالحكم الذاتي”، وهي معايير لا تنطبق على الصحراء المغربية لغياب أي اختلافات ثقافية أو تاريخية أو لغوية أو دينية مع المغرب.
❖ أفق المغرب الكبير
تؤكد المجلة أن مستقبل المنطقة مرتبط بتجاوز هذا النزاع أكثر من أي وقت مضى، فالحلم المغاربي الذي أعلنته الجزائر في بيان ثورتها بتاريخ 1 نونبر 1954 -“الاستقلال في إطار شمال إفريقيا”- يتناقض مع سياساتها الحالية التي تغذي النزاعات بدل حلها.
من “المسيرة الخضراء” إلى “عيد الوحدة”.. أي تحول في رمزية السيادة المغربية؟
وترى أن قرار مجلس الأمن 2797/2025 قد يشكل بداية مسار جديد، ليس فقط نحو حل النزاع، بل نحو إعادة إطلاق مشروع اتحاد مغاربي حقيقي قادر على مواجهة تحديات الأمن والتنمية والاندماج الاقتصادي.
وأبرزت “أتالايار” إلى أن النزاع لم يعد يطرح في الأمم المتحدة كقضية إنهاء استعمار، بل كخلاف سياسي حول السيادة يجب حله عبر تفاوض واقعي يأخذ بمبادرة الحكم الذاتي المغربية أساساً له.
وأشارت إلى أنه ظل التحولات الدولية والإقليمية، باتت الجزائر مدعوة إلى مراجعة حساباتها وإعادة الاعتبار للحوار واستحضار المصير المشترك لشعوب المنطقة.

