في تقرير تحليلي مطول نشرته مجلة “أتالايار” (Atalayar) الإسبانية، تم تسليط الضوء على أحد أكثر الملفات حساسية في السياسة الدولية المعاصرة، وهو النزاع حول الصحراء المغربية، الذي ما زال يثير نقاشًا محتدمًا داخل أروقة الأمم المتحدة، بعد مرور ما يقارب خمسة عقود على انسحاب إسبانيا من الإقليم سنة 1975، حيث إن هذا التقرير يقدم قراءة معمقة في التباين القائم بين موقف اللجنة الرابعة التابعة للجمعية العامة، المسؤولة عن تصفية الاستعمار، واستراتيجية مجلس الأمن باعتباره الهيئة الأممية العليا المكلفة بحفظ السلم والأمن الدوليين.
وأكدت المجلة أن تعاطي الأمم المتحدة مع هذا الملف يجسد صراعًا دائمًا بين منطق الشرعية التاريخية والسيادة الوطنية من جهة، والقراءات الانتقائية لمبدأ تقرير المصير من جانب آخر، مشيرة إلى أن المرحلة الحالية، مع اقتراب الجلسة السنوية لمجلس الأمن هذا الشهر، قد تمثل منعطفاً حاسمًا في مسار التسوية، إذا ما تم تثبيت مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الإطار الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق.
#POLÍTICA | La resolución del conflicto en el #SáharaOccidental: análisis entre la postura de la Cuarta Comisión de la #ONU y la estrategia del Consejo de Seguridad
Escrito por @Hasnaoui33 https://t.co/Cmp6sbeuNe
— Atalayar (@Atalayar_) October 10, 2025
❖ خلفية تاريخية
يُعد النزاع حول الصحراء المغربية من أكثر الملفات تعقيدًا التي واجهتها الأمم المتحدة منذ انسحاب إسبانيا من المنطقة بعد توقيع اتفاق مدريد سنة 1975، فبينما اعتبرت الرباط أن استرجاع الأقاليم الجنوبية يدخل ضمن استكمال وحدتها الترابية، أعادت الجزائر بناء تحالفها السياسي والعسكري مع جبهة البوليساريو لإبقاء خيار الانفصال مطروحاً على المستوى الدولي.
وساهمت قرارات الأمم المتحدة، خاصة القرارين 1514 و1541، في إرساء إطار قانوني لمبدأ تقرير المصير، لكنها في الوقت نفسه أكدت على مبدأ سلامة الأراضي الوطنية، ما جعل القضية تتأرجح منذ ذلك الحين بين التفسير القانوني الصرف والرؤية السياسية الواقعية.
❖ دور اللجنة الرابعة
تُعنى اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة تقليديًا بملفات تصفية الاستعمار والنزاعات التاريخية التي ترتبط بإرث الاحتلال، ومنذ إدراج الصحراء ضمن قائمة “الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي” في ستينيات القرن الماضي، أصبحت هذه اللجنة فضاءً دائماً للنقاش حول الملف، إلى جانب لجنة تصفية الاستعمار المعروفة بـ “C-24”.
ومع مرور السنوات، شهدت طبيعة هذا النقاش تحوّلاً ملحوظًا، حيث باتت الوفود الجزائرية وممثلو جبهة البوليساريو يركزون على خطاب “الاستقلال وتقرير المصير”، بينما قدم المغرب في المقابل مقاربة جديدة تقوم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل سياسي متوافق عليه.
تقرير غوتيريش بخصوص الصحراء.. هل يفتح مسارًا جديدًا أم يكرس لجمود الملف؟
ويبرز التقرير أن الرباط اعتمدت في مرافعتها أمام اللجنة على منطق الواقعية السياسية، مستندة إلى البعد التنموي والاجتماعي والاقتصادي الذي تعرفه الأقاليم الجنوبية، في حين تصر الجزائر على استحضار مفاهيم تعود إلى سياقات استعمارية سابقة، رغم أن الواقع الميداني والسياسي تجاوزها منذ اتفاق مدريد.
ولذلك، يدعو العديد من المتتبعين، كما تشير المجلة، إلى ضرورة إعادة تصنيف الملف داخل الأمم المتحدة باعتباره نزاعاً سياسياً إقليمياً أكثر منه قضية تصفية استعمار.
❖ استراتيجية مجلس الأمن
خلافًا للجنة الرابعة، تولى مجلس الأمن خلال العقود الأخيرة قيادة العملية السياسية الخاصة بالصحراء، حيث عمل على الانتقال من فكرة الاستفتاء إلى البحث عن حل سياسي تفاوضي يضمن الاستقرار الإقليمي ويحافظ على السيادة الوطنية.
وشكل القرار رقم 1754 الصادر سنة 2014 منعطفًا رئيسيًا، إذ اعتبر مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 مقترحاً جدياً وذا مصداقية.
وفي السنوات الأخيرة، أصبحت مواقف القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة أكثر وضوحًا في دعمها للمقاربة المغربية، معتبرة أن الحكم الذاتي يمثل حلاً عمليًا ومتوافقًا مع روح ميثاق الأمم المتحدة.
كما أن المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا أكد خلال إحاطته الأخيرة أمام المجلس أن مبادرة المغرب تمثل الإطار الأكثر واقعية وقبولاً للتقدم نحو تسوية نهائية للنزاع، في وقت يشهد فيه العالم حاجة ماسة إلى استقرار المنطقة المغاربية.
❖ نقاط الخلاف
رغم أن الخطاب الأممي يوحي بتقارب نسبي في الدعوة إلى حل سياسي تفاوضي، إلا أن الاختلافات الجوهرية ما تزال قائمة بين الأطراف، فالمغرب يتمسك بسيادته التاريخية على الصحراء ويرى في الحكم الذاتي حلاً متوازنًا يحفظ كرامة الجميع، بينما تعتبر الجزائر والبوليساريو أن أي حل لا يتضمن خيار الاستقلال الكامل يعد تفريطًا في مبدأ تقرير المصير.
أما من الناحية المؤسساتية، فتستمر ازدواجية المقاربة بين اللجنة الرابعة ومجلس الأمن، إذ تُوظَّف اللجنة أحيانًا كمنبر سياسي يعيد طرح النقاش في اتجاهٍ مغاير لما تستقر عليه قرارات المجلس، ما يجعل الملف يعيش بين منطقين متناقضين؛ منطقٍ قانوني جامد ومنطقٍ سياسي واقعي.
❖ تأثير القرار السنوي
توقعت مجلة “أتالايار” أن تشكل الجلسة المقبلة لمجلس الأمن لحظة حاسمة في إعادة صياغة الموقف الأممي، خاصة مع اتساع رقعة التأييد الدولي للمبادرة المغربية.
وتشير المعطيات الدبلوماسية إلى أن القرار المنتظر سيؤكد على أولوية الحكم الذاتي ويدعو الأطراف إلى العودة لطاولة المفاوضات دون شروط مسبقة، مع التأكيد على أن الحل يجب أن يكون “سياسيًا وواقعياًا ودائمًا ومتوافقاً عليه”.
كما يتوقع أن تتضمن توصياته إشارة إلى ضرورة تنسيق عمل اللجنة الرابعة مع مجلس الأمن، بما ينسجم مع التطورات الميدانية والسياسية الجديدة.
❖ تقييم فعالية اللجنة
رغم استمرار اجتماعات اللجنة الرابعة حول الصحراء المغربية، إلا أن فعاليتها تبقى محدودة بالنظر إلى طابعها الاستشاري، فقراراتها لا تتجاوز التوصيات الرمزية، ولا تملك قوة الإلزام، الأمر الذي يجعلها أداة سياسية أكثر منها آلية لحل النزاعات.
وترى “أتالايار” أن بعض الدول تستغل هذا الهامش للمناورة الخطابية والدفاع عن مواقف أيديولوجية لم تعد متسقة مع الواقع الإقليمي الجديد.
في المقابل، حقق المغرب تقدمًا ميدانيًا ملموسًا، من خلال تثبيت مؤسسات الدولة في الأقاليم الجنوبية وإطلاق مشاريع كبرى للتنمية والاستثمار، إضافة إلى توسيع دائرة الاعتراف الدولي بسيادته عبر افتتاح أكثر من ثلاثين قنصلية في مدينتي العيون والداخلة، وهو ما يمثل في حد ذاته تأكيدًا عمليًا لواقعية المقاربة المغربية ونجاعة نموذجها التنموي.
وخلصت مجلة “أتالايار” في تقريرها إلى أن المغرب لم يعد في موقع المطالبة بسيادته، بل يمارسها فعليًا من خلال سياسات التنمية والاندماج والاستقرار.
ومع تزايد عدد الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي، وتنامي القناعة داخل الأمم المتحدة بأن الحلول الواقعية هي الطريق الوحيد لإنهاء النزاع، يبدو أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحوّلاً نوعياً في مسار القضية.
ويبقى السؤال الحاسم، كما تختتم المجلة تقريرها، هو ما إذا كانت الأمم المتحدة ستتمكن هذه المرة من حسم الموقف لصالح الحل الواقعي تحت السيادة المغربية، أم أن استمرار التباين بين اللجنة الرابعة ومجلس الأمن سيبقي الملف رهين التجاذبات السياسية إلى أجل غير مسمّى.

