استقبلت أسواق السمك بالمغرب أولى أيام شهر رمضان على وقع مفارقة لافتة، إذ تراجعت أسعار السردين مقارنة بالفترة التي سبقت عودة نشاط الصيد البحري، لكنها ظلت في مستويات تعتبر مرتفعة بالنسبة لشريحة واسعة من الأسر، وهذا التراجع النسبي جاء بعد انتهاء فترة الراحة البيولوجية واستئناف الأساطيل الساحلية نشاطها، في سياق يتسم باستمرار ضغط الطلب وتذبذب العرض.
وفي المقابل، برز مسار مؤسساتي جديد يراهن على الشفافية الرقمية لضبط السوق، عبر إعلان أثمنة الجملة بشكل يومي، ما يفتح نقاشًا ضمنيًا حول قدرة هذه الآليات على الحد من المضاربات، وإن كانت تكفي وفرة المعطيات لإعادة الثقة بين المستهلك والمهني، وعن انعكاس هذه الخطوات سريعًا على الأسعار النهائية، أم أن توازن السوق يظل رهينًا بعوامل ميدانية تتجاوز منطق التنظيم.
❖ منطق السوق
يرى سعيد لبطرون، المندوب الجهوي للكونفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة بسيدي إفني، أن العامل الحاسم في تحديد أسعار السمك يظل هو التوازن بين العرض والطلب، معتبرًا أن أي محاولة لتفسير الأسعار خارج هذا الإطار تبقى قاصرة، مبرزًا أنه إذا كان العرض وفيرًا، تنخفض الأسعار تلقائيًا، أما إذا كان ضعيفا فإنها ترتفع بشكل طبيعي، دون حاجة إلى تدخل مباشر.
وشدد لبطرون في تصريح لجريدة “شفاف”، على أن سوق السمك لا يمكن التحكم فيه بقرار إداري أو إعلان رقمي، لأن المنتوج نفسه غير ثابت، ويتأثر بتقلبات البحر والمواسم ومناطق الصيد، لافتًا إلى السوق محكوم بآليات اقتصادية واضحة لا يمكن تجاوزها.
الراحة البيولوجية بالصيد البحري.. هل توازن الدولة بين حماية المخزون وحقوق البحارة؟
وأضاف أن تحديد الأثمان يتم لحظة بلحظة داخل أسواق الجملة، حيث يتنافس المشترون عبر آليات رقمية حديثة، إذ أصبح التجار يعتمدون على وسائل إلكترونية في المزايدة، ما يجعل الثمن النهائي نتيجة تفاعل مباشر بين الفاعلين، لا نتيجة قرار مركزي.
❖ حدود الرقمنة
بخصوص إعلان أثمنة الجملة عبر المنصة الرسمية، يوضح لبطرون أن الرقمنة خطوة تنظيمية مهمة، لكنها لا تلغي واقع السوق، فحتى مع توفر المعلومة، يبقى السعر مرتبطًا بكمية السمك المعروضة وجودتها وحجم الطلب عليها.
وضرب مثالاً بأسعار بعض الأنواع الرائجة اليوم الجمعة بسيدي إفني، حيث تراوحت أثمنة “الميرنا” بين 60 و65 درهما للكيلوغرام، بينما بلغ ثمن “الصول” ما بين 70 و75 درهما، مبرزًا أن هذه الأرقام، تعكس ببساطة مستوى العرض الحالي وليس نتيجة مضاربة ممنهجة.
وشدد على أن المنصة الرقمية تتيح الشفافية، لكنها لا تستطيع فرض سعر موحد وطنيًا، لأن كل سوق جملة له خصوصياته المرتبطة بالموقع الجغرافي، وتكاليف النقل، وحجم الاستهلاك المحلي.
❖ أسماك سطحية
فيما يتعلق بالسردين وباقي الأسماك السطحية، يؤكد لبطرون أن سيدي إفني لا تعرف نشاطًا مكثفا في هذا الصنف حاليًا، باستثناء عدد محدود من القوارب التي تجلب كميات صغيرة من “الأنشوجة” (لانشوبة) الرقيقة.
وأوضح أن الوزارة الوصية، تزامنا مع شهر رمضان، سمحت بجلب هذه الكميات في حدود 10 أطنان لكل باخرة، في محاولة لتغطية حاجيات السوق الوطنية وتخفيف الضغط على مائدة المستهلك المغربي.
ارتفاع أسعار السمك في الأسواق الوطنية.. كيف يفسر المهنيون الغلاء ومن يتحمل المسؤولية؟
ولفت إلى أن هذه الكميات تبقى محدودة ولا يمكنها وحدها إعادة التوازن الفوري للأسعار؛ خاصة في ظل ارتفاع الطلب خلال الشهر الفضيل، ما يجعل أثرها ظرفيًا أكثر منه بنيويًا.
❖ أثر المناخ
من أبرز العوامل التي شدد عليها لبطرون عامل المناخ، معتبرًا أنه كان له تأثير كبير خلال الأشهر الأخيرة، حيث شهد شهرا دجنبر ويناير نشاطًا ضعيفًا جدا، إذ لم تشتغل الموانئ سوى مرات معدودة بسبب اضطراب الأحوال الجوية.
وأبرز أن هذا التوقف شبه الكلي أدى إلى نقص حاد في العرض، انعكس مباشرة على الأسعار؛ خاصة في الأسماك السطحية التي تعتمد على انتظام الخروج إلى البحر.
وأشار إلى أن ارتفاع درجة حرارة المياه تدريجيًا قد يسهم في تحسن وفرة السمك ابتداء من شهر ماي، ما قد ينعكس إيجابا على السوق إذا استقرت الظروف الطبيعية.
❖ “توزيع مختل”
يتوقف لبطرون مطولاً عند إشكالية توزيع الكميات بين المدن، معتبرًا أن غياب دراسة دقيقة لحاجيات كل منطقة يساهم في خلق تفاوتات حادة في الأسعار.
وضرب مثالاً بتباين الأثمان في اليوم نفسه، حيث تراوح سعر السردين في أكادير ذات مرة بين 5 و8 دراهم، بينما بلغ في مراكش 25 درهما، وفي بعض أحياء الدار البيضاء 17 درهما مقابل 12 درهما في مدن أخرى.
ويعزو هذا التفاوت إلى تركيز الشاحنات نحو أسواق بعينها، خصوصا الدار البيضاء، ما يؤدي إلى وفرة هناك وانخفاض نسبي في مناطق ثانية، مقابل ندرة في مدن أخرى، التي ترفع الأسعار فيها تلقائيًا.
❖ منطقة جديدة
في سياق معالجة النقص، أشار لبطرون إلى فتح منطقة بحرية بين طانطان والعيون بداية من غد السبت؛ كانت مصنفة سابقا كمجال محمي لتوالد السردين، وذلك بشكل مؤقت للسماح بالاستغلال المنظم.
ويرى أن نجاح هذه الخطوة رهين بوجود كميات كافية بالحجم القانوني التجاري، إذ إن استمرار الصيد مشروط باحترام المعايير البيولوجية.
وأكد أن التجربة ستحدد مستقبل الأسعار خلال الأيام المقبلة، فإذا تبين توفر المخزون المناسب سيستمر النشاط، أما إذا ثبت العكس فسيتم التوقف حفاظًا على الثروة.
❖ استدامة مهددة
يذكر لبطرون بأن قطاع الصيد البحري عاش في السابق مرحلة صعبة، حين كانت بعض اللوبيات تتحكم في استغلال البحر دون اعتبار للاستدامة.
استنزاف الثروة السمكية.. كيف تهدد لوبيات الصيد البحري الموارد البحرية في جنوب المملكة؟
وأشار إلى أن كميات كبيرة من السمك كانت توجه نحو معامل الدقيق والزيت أو يتم إتلافها، في غياب رؤية بيئية بعيدة المدى، مما ساهم في استنزاف المخزون.
واعتبر أن الراحة البيولوجية، رغم انعكاسها المؤقت على الأسعار، تبقى إجراء ضروريًا لحماية الثروة السمكية للأجيال المقبلة، وأن أي نقاش حول الغلاء يجب أن يوازن بين حق المستهلك في سعر مناسب وواجب الحفاظ على الموارد البحرية.

