في ظل تواصل الجدل حول اعتماد الساعة الإضافية، تتزايد المؤشرات على تداعياتها السلبية على المنظومة التعليمية، لاسيما في الوسط القروي.
كما يساهم اختلال الإيقاع الزمني اليومي للتلاميذ، إلى جانب ضعف البنيات التحتية وغياب وسائل نقل ملائمة، في تعقيد ولوجهم إلى المؤسسات التعليمية.
ويؤدي التنقل في ظروف غير آمنة، مرفوقا بالإرهاق الناتج عن الاستيقاظ المبكر، إلى التأثير سلبا على التحصيل الدراسي والاستمرارية في التمدرس، بما يفاقم من معدلات الهدر المدرسي داخل هذه المجالات الهشة.
♦تفاقم الهدر بسبب التوقيت
وفي هذا السياق، أكد رئيس الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب، محمد رشيد الشريعي، أن اعتماد الساعة الإضافية ساهم بشكل مباشر في تفاقم ظاهرة الهدر المدرسي، خصوصا في المناطق القروية، حيث تتضاعف معاناة التلاميذ نتيجة ظروف زمنية غير ملائمة.
وأوضح الشريعي في تصريح لجريدة “شفاف” أن التبريرات الرسمية المرتبطة بالاعتبارات الاقتصادية والتوافق مع الشركاء الدوليين تبقى، في نظره، غير مقنعة ميدانيا، لأنها لا تعكس واقع الفئات المتضررة فعليا، وفي مقدمتها التلاميذ.
وشدد على أن هذا الإجراء الزمني لا يقتصر تأثيره على جانب واحد، بل يمتد ليشمل أبعادا اجتماعية واقتصادية وتربوية متداخلة، ما يجعل كلفته المجتمعية أعلى من أي مردودية مفترضة.
وأشار إلى أن أبرز الانعكاسات تظهر على مستوى الحياة اليومية للتلاميذ، إذ يجبرون على الاستيقاظ في ساعات مبكرة جدا، غالبا قبل شروق الشمس، ما يؤثر سلبا على توازنهم الصحي والنفسي.
وأبرز أن هذا الاضطراب في الإيقاع البيولوجي يؤدي إلى تراجع التركيز داخل الفصول الدراسية، ويحد من القدرة على الاستيعاب، خاصة لدى الأطفال في المراحل الأولى من التعليم.
ولفت إلى أن التنقل في ظروف الظلام، خصوصا في المناطق التي تفتقر للإنارة العمومية، يعرض التلاميذ لمخاطر متعددة، تتراوح بين الحوادث والمخاطر الأمنية، وهو ما يفاقم القلق لدى الأسر ويؤثر على قراراتها المرتبطة بتمدرس أبنائها.
ونبه إلى أن هذه الإكراهات تدفع عددا من الأسر، خاصة في العالم القروي، إلى اتخاذ قرارات صعبة قد تصل إلى حد الإبقاء على أبنائها في المنازل حفاظا على سلامتهم، ما يساهم بشكل مباشر في ارتفاع نسب الغياب والانقطاع عن الدراسة.
واعتبر أن هذا الواقع يعكس خللا بنيويا في مقاربة تدبير الزمن المدرسي، حيث يتم اتخاذ قرارات مركزية دون مراعاة الفوارق المجالية والاجتماعية، الأمر الذي يكرس الهشاشة بدل الحد منها.
♦مخاطر التنقل والبيئة القروية
رأى الشريعي أن التلاميذ في المناطق القروية يواجهون تحديات مضاعفة أثناء تنقلهم اليومي إلى المؤسسات التعليمية، حيث تعد المسافات الطويلة أحد أبرز العوائق، في ظل غياب بنية تحتية ملائمة.
وأظهر أن العديد من التلاميذ يضطرون لقطع كيلومترات مشيا على الأقدام في ظروف مناخية صعبة، ما يشكل عبئا جسديا ونفسيا كبيرا عليهم، ويؤثر بشكل مباشر على جاهزيتهم للتعلم.
وأضاف أن غياب النقل المدرسي أو محدوديته يدفع الأسر إلى البحث عن بدائل غير آمنة، مثل اللجوء إلى وسائل نقل غير مهيكلة تفتقر لأبسط شروط السلامة.
وأكد أن الاكتظاظ داخل وسائل النقل المتاحة يشكل خطرا حقيقيا على سلامة التلاميذ، حيث يتم في كثير من الحالات تجاوز الطاقة الاستيعابية بشكل كبير، ما يرفع من احتمالات وقوع حوادث قد تكون عواقبها وخيمة.
وحذر من أن هذه الظروف لا تؤدي فقط إلى تهديد السلامة الجسدية للتلاميذ، بل تترك أيضا آثارا نفسية عميقة، نتيجة الإرهاق اليومي والشعور بعدم الأمان.
وذهب إلى أن هذا الإرهاق المتراكم ينعكس سلبا على الأداء الدراسي، حيث يصبح التلميذ أقل قدرة على التركيز والمتابعة، ما يزيد من احتمالات التعثر الدراسي والانقطاع المبكر عن التعليم.
وأفاد أن التكلفة المالية للتنقل تمثل عبئا إضافيا على الأسر الهشة، التي تعاني أصلا من صعوبات اقتصادية، ما يجعل تمويل تمدرس الأبناء تحديا يوميا.
وأورد أن هذا العامل الاقتصادي، إلى جانب العوامل الأخرى، يساهم بشكل كبير في تعميق الفوارق التعليمية بين الوسطين القروي والحضري، ويكرس عدم تكافؤ الفرص.
♦حلول عاجلة وإصلاحات مطلوبة
دعا الشريعي إلى ضرورة مراجعة قرار اعتماد الساعة الإضافية بشكل عاجل، معتبرا أن العودة إلى التوقيت العادي تمثل خطوة أساسية للتخفيف من الضغط اليومي الذي يعيشه التلاميذ، خاصة في المناطق القروية، مشددا على أن أي إصلاح يجب أن ينطلق من مصلحة التلميذ كأولوية قصوى، بدل الاكتفاء باعتبارات تقنية أو اقتصادية.
وطالب بتوفير نقل مدرسي مجاني وآمن كحق أساسي لجميع التلاميذ، مع ضرورة احترام معايير السلامة والجودة، بما في ذلك الحد من الاكتظاظ وضمان شروط تنقل لائقة.، مبينا أن هذا الإجراء من شأنه أن يخفف العبء عن الأسر، ويشجع على الاستمرار في التمدرس، خاصة لدى الفئات الأكثر هشاشة.
واقترح اعتماد سياسات دعم اجتماعي موجهة للأسر الفقيرة، من خلال تقديم مساعدات مالية مباشرة تساعدها على تغطية تكاليف التمدرس، بما في ذلك النقل واللوازم الدراسية، مؤكدا أن دعم الأسر يجب أن يكون جزءا من استراتيجية شاملة لمحاربة الهدر المدرسي، وليس إجراء ظرفيا أو محدود الأثر.
وشدد على أهمية الاستثمار في البنية التحتية التعليمية، من خلال بناء مؤسسات قريبة من التجمعات السكنية القروية، ما من شأنه تقليص المسافات وتحسين ظروف الولوج إلى التعليم، داعيا إلى تحسين الإنارة العمومية وتطوير الطرق، بما يضمن تنقلا أكثر أمانا للتلاميذ.
وجدد الشريعي تأكيده على أن معالجة ظاهرة الهدر المدرسي تتطلب مقاربة شمولية تشارك فيها مختلف الفاعلين، من مؤسسات حكومية وجماعات ترابية ومجتمع مدني، مشددا على أن نجاح أي سياسة تعليمية رهين بمدى قدرتها على الاستجابة للواقع الميداني، وتحقيق العدالة المجالية والاجتماعية في الولوج إلى التعليم.

