تتواصل زيارات وزير الصحة إلى عدد من المستشفيات المغربية، في إطار جولات رسمية تهدف إلى الاطلاع على أوضاع المؤسسات الصحية وتتبع مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
وتأتي هذه الزيارات في سياق نقاش واسع حول واقع المنظومة الصحية وما تعانيه من اختلالات مرتبطة بنقص الموارد البشرية وضعف التجهيزات الأساسية واكتظاظ الأقسام.
ورغم الطابع الميداني لهذه الجولات، يثير استمرار أعطاب القطاع تساؤلات لدى جزء من الرأي العام حول مدى قدرتها على إحداث تغيير ملموس، خاصة وأن مشاكل الولوج إلى العلاج ما تزال قائمة في العديد من المدن والقرى.
ويعتبر متتبعون أن تحسين وضعية المستشفيات يتطلب إصلاحات هيكلية شاملة، تشمل بناء وتجهيز مؤسسات جديدة، وتوفير الموارد الطبية الكافية، وضمان وصول الأدوية والفحوص التشخيصية بشكل منتظم.
في المقابل، يطرح آخرون إشكالية ترتيب الأولويات العمومية، إذ يتساءلون عن أسباب بطء الإصلاح الصحي مقارنة بالاستثمارات الضخمة التي وُجهت في السنوات الأخيرة إلى مشاريع رياضية كبرى.
بين وعود الإصلاح وواقع المستشفيات.. هل تتحول احتجاجات أكادير إلى كرة ثلج وطنية؟
وبين الجولات الرسمية وانتظارات المواطنين، يظل السؤال المركزي مطروحاً حول كيفية الانتقال من المبادرات الظرفية إلى رؤية استراتيجية واضحة تجعل الحق في العلاج محور السياسات العمومية.
♦تناقض الأولويات بين القطاعات
شدد محمد رشيد الشريعي، رئيس الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان بالمغرب، على أن الوضع الصحي في البلاد يكشف عن مفارقة صارخة بين ما يُنجز في مجال البنيات الرياضية وما يعيشه قطاع الصحة من أزمات حادة.
وأوضح الشريعي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن الدولة تُشيّد الملاعب في وقت قياسي وبمواصفات عالمية استعداداً لتنظيم كأس العالم 2030، بينما تبقى المستشفيات في وضع متأزم؛ بعضها متوقف عن العمل بسبب غياب التجهيزات الأساسية، وبعضها الآخر يظل عالقاً في طور البناء لسنوات طويلة دون أن يُفتح في وجه المواطنين.
واعتبر أن هذا التفاوت يبرز أن الدولة تنشغل بالمشاريع ذات الطابع الاستعراضي على حساب الحاجيات الأساسية المرتبطة بحق المواطن في العلاج والرعاية الصحية.
وأضاف الشريعي أن هذه المفارقة تعكس سير القطاعات بسرعتين مختلفتين؛ إذ يسير قطاع الرياضة بسرعة صاروخية، بينما يظل قطاع الصحة متعثراً، وكأن هناك أولويات متناقضة.
وأبرز أن المواطنين يرون بأم أعينهم كيف تُخصص المليارات لتشييد الملاعب، بينما يجدون أنفسهم مضطرين للبحث عن أبسط الخدمات الطبية دون جدوى، مما يُشعرهم بأن صحتهم لا تُوضع في مقدمة الاهتمامات.
وأظهر أن هذه الصورة تُبين بجلاء أن ما يحدث ليس مجرد خلل عابر، بل هو نتاج سياسات حكومية غير معقلنة، إذ التدبير الحكومي الحالي يفتقر إلى رؤية استراتيجية واضحة، وهو ما أدى إلى استفحال الفقر المدقع الذي يعيشه المواطن المغربي.
وبيّن أن المواطن لم يعد يبحث عن رفاهية أو خدمات طبية بخمس نجوم، بل يريد فقط مستشفى مجهزاً بجميع التخصصات، يجد فيه الدواء والتشخيص والتحاليل دون أن يُجبر على اللجوء إلى المصحات الخاصة أو دفع تكاليف باهظة.
وأورد أن الغلاء الفاحش الذي تعرفه الأسواق اليوم، إلى جانب تدهور الخدمات الصحية، جعل المواطن البسيط عاجزاً عن العيش بكرامة، حيث لم يعد يستطيع حتى أن يشتري الخضر بأسعار في المتناول، فما بالك بالقدرة على تدبير تكاليف العلاج أو متابعة أبسط الفحوص الطبية.
♦فشل السياسات الصحية والاجتماعية
انتقد الشريعي السياسة الحكومية التي وصفها بأنها مجرد محاولات لامتصاص غضب الشارع، حيث الزيارات للمستشفيات أو قرارات إعفاء بعض المسؤولين ليست، برأيه، سوى إجراءات شكلية لا تُعالج عمق الأزمة.
وقال إن المواطنين لا يريدون زيارات استعراضية، بل يريدون رؤية منهجية واضحة تعلن عن بناء مستشفيات جديدة، وإصلاح ما هو قائم، وتوفير المعدات الطبية من سكانيرات وتحاليل وتخصصات متعددة، حتى لا يضطر المريض إلى طرق أبواب المصحات الخاصة.
وأكد أن ما وقع في أكادير من احتجاجات بسبب سوء المعاملة وغياب الأدوات الطبية ليس حالة معزولة، بل نموذج لما تعيشه مدن أخرى في المغرب، مشدداً على أن نفس الأصوات الاحتجاجية تتردد في مناطق متعددة، مما يُثبت أن الأزمة وطنية وليست محلية.
وأضاف أن السياسات الحالية تجعل المواطنين يعيشون في أوضاع مزرية، مشيراً إلى أن الاحتجاجات لن تتوقف عند أكادير، بل ستتوسع إلى مدن أخرى إذا لم تُتخذ إجراءات جذرية.
ورأى أن استمرار هدر المال العام في مشاريع الملاعب، مقابل إهمال الأولويات الاجتماعية، سيؤدي لا محالة إلى مزيد من الاحتقان الاجتماعي، منبها إلى أن الإعفاءات التي تُعلن بعد كل زيارة وزير أو بعد كل فضيحة ليست سوى ورقة سياسية وأحياناً انتخابية تُستعمل لإيهام الرأي العام بوجود حلول.
واستطرد موضحاً أن الإرادة الحقيقية غائبة، لأن معالجة الوضع تتطلب استراتيجية متكاملة تمس الصحة والتعليم والشغل والبيئة، بدل الاكتفاء بقرارات جزئية لا تُغير الواقع.
وأوضح أن الرقابة في المستشفيات غالباً ما تكون شكلية، إذ يُعلن عن زيارات المسؤولين مسبقاً، فتُهيأ الإدارات لتقديم صورة مزيفة، بينما يُعاني المواطن يومياً من النقص في التخصصات ومن سوء المعاملة، ومشددا على أن الرقابة الناجعة يجب أن تكون مفاجئة وحازمة، ترافقها إجراءات زجرية ضد كل من يعرقل حق المواطن في العلاج.
♦مواجهة الفساد وبناء الثقة
أشار الشريعي إلى وجود لوبيات فساد داخل بعض المؤسسات الصحية، تضم أطباء ومسؤولين يستفيدون من ضعف المراقبة، ويقفون حاجزاً أمام أي إصلاح حقيقي. ولفت إلى أن مواجهة هذا الواقع تتطلب إرادة سياسية قوية، لأن الإصلاح لا يمكن أن يقتصر على إعفاء مدير أو إصدار مذكرة، بل يجب أن يستهدف جذور الفساد وأسبابه العميقة.
وطالب بتوفير شبكة واسعة من المؤسسات الاستشفائية المجهزة بكل ما يلزم من أطباء وأخصائيين وتجهيزات، حتى تُصبح الخدمة الصحية حقاً مضموناً لكل المواطنين، ومؤكدا أن الصحة ليست امتيازاً، بل هي حق أساسي من حقوق الإنسان، وعلى الدولة أن تتحمل مسؤوليتها في ضمانه.
وخلص الشريعي تصريحه بالتحذير من استمرار الوضع على ما هو عليه، معتبراً أن المواطنين لم يعودوا يقبلون العيش في ظروف مزرية، بينما تُصرف أموال طائلة على مشاريع لا تمس حياتهم اليومية.
وأظهر أن الأولويات يجب أن تتغير جذرياً، وأن الصحة والتعليم والشغل ينبغي أن تُوضع في صدارة السياسات العمومية، وإلا فإن رقعة الاحتجاجات ستتوسع أكثر فأكثر، لأن الأزمة بنيوية ولا يمكن إخفاؤها بخطابات أو زيارات ظرفية.

