صادق مجلس الحكومة، في اجتماعه الأسبوعي المنعقد يوم الخميس برئاسة عزيز أخنوش، على مشروع المرسوم رقم 2.25.539 القاضي بتعديل المرسوم الصادر سنة 2006 بشأن التعويضات عن الساعات الإضافية لأطر هيئة التدريس.
وجاء هذا القرار بمبادرة من وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، في إطار تنزيل القانون-الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين، وتنفيذ البرامج المندرجة ضمن خارطة طريق الإصلاح التربوي 2022-2026.
بين الاستجابة لمطالب الأساتذة وتحريك المتابعات القضائية.. هل يتجه قطاع التعليم إلى أزمة جديدة؟
وبحسب الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، فإن التعديلات تشمل الرفع من قيمة التعويضات المالية، إلى جانب زيادة الحد الأقصى للحصص الأسبوعية الإضافية بساعتين، في خطوة تروم تشجيع الأطر التربوية على الانخراط في تقديم ساعات إضافية، بما يسهم في تعزيز جودة التعليم وتحسين الأداء التربوي داخل المؤسسات العمومية.
غير أن هذا القرار يفتح الباب أمام تساؤلات جديدة تتمثل في هل يشكل تعديل التعويضات استجابة فعلية لمطالب نساء ورجال التعليم وتحسين شروط عملهم، أم أنه يظل إجراء تقنيا يركز على رفع حجم الساعات الإضافية دون معالجة الأعطاب البنيوية التي تعيق إصلاح المدرسة العمومية؟
♦أولوية المطالب الأساسية
شدد عبد الله غميميط، الكاتب العام الوطني للجامعة الوطنية للتعليم، على أن المرسوم الذي صادقت عليه الحكومة والمتعلق بزيادة التعويضات عن الساعات الإضافية لفائدة أطر التدريس لا يمثل في جوهره استجابة حقيقية لمطالب الشغيلة التعليمية، بل مجرد محاولة لتضخيم إجراء هامشي عبر الترويج الإعلامي، لإيهام الرأي العام بوجود إصلاح أو مكسب نوعي.
وأوضح الكاتب العام الوطني للجامعة الوطنية للتعليم، في تصريح لجريدة “شفاف”، أن المطلب الأساسي لنساء ورجال التعليم لا يرتبط بالزيادة في تعويضات الساعات الإضافية، بل بتحسين شروط العمل عبر تخفيض ساعات التدريس الفعلية التي أنهكت الأساتذة وأثّرت سلباً على جودة العملية التعليمية.
وذكّر بأن هذا الالتزام كان واضحا في اتفاق 26 أبريل، غير أن وزارة التربية الوطنية والحكومة لم تشرعا بعد في تنزيله عمليا، مكتفيتين بحديث متكرر عن لجان مراجعة المناهج وتكييفها مع التوقيت، وهو مسار طال دون نتائج ملموسة.
في اليوم العالمي للمُدرس.. ماهي أهم التحديات التي تواجه الأساتذة والمنظومة التعليمية بالمغرب؟
وانتقد غميميط استمرار الحكومة في إضافة ساعات جديدة للأساتذة، في وقت يشتكون فيه أصلا من ضغط كبير، معتبرا ذلك تكريسا للأزمة بدل حلها، مشددا على أن المطلوب هو فتح مناصب شغل جديدة أمام الشباب بدل إثقال كاهل العاملين بمهام إضافية ترهقهم أكثر.
واعتبر أن المقاربة الحكومية سطحية، إذ تتهرب من معالجة الخصاص البنيوي داخل المنظومة التعليمية، مبرزا التناقض في تعامل الدولة مع موظفيها، حيث استفادت قطاعات أخرى، وعلى رأسها وزارة الداخلية، من زيادات معتبرة دون احتجاجات أو مفاوضات طويلة، بينما ما يُمنح للأساتذة لا يتعدى “فتاتاً” تحت يافطة تحسين الوضع.
♦غياب الإرادة السياسية
سجّل غميميط غياب إرادة سياسية حقيقية لدى الحكومة ووزارة التربية الوطنية لمعالجة الملفات الجوهرية، مؤكدا أن الأسلوب المتبع لا يتجاوز حدود الإيهام والاستماع الشكلي، في حين يظل التنفيذ العملي غائبا.
وانتقد إصدار مرسوم وصفه بـ “البائس”، بأرقام محدودة لا تستجيب لتطلعات الشغيلة التعليمية، بدل الانكباب على المطالب الكبرى، وفي مقدمتها التعويض التكميلي لأساتذة الابتدائي والإعدادي العالق منذ توقيع الاتفاق، أو اعتماد نظام أساسي عادل للمبرزين يضمن استمرارية تجربة الأقسام التحضيرية باعتبارها مكسباً وطنياً.
وأشار أيضا إلى أن ملف الدكاترة العاملين في القطاع يعكس حجم التماطل، إذ ما زالوا ينتظرون إدماجهم في إطار “الأستاذ الباحث”، رغم استنزاف مؤهلاتهم الأكاديمية دون أي اعتراف رسمي يوازي مستواهم، مضيفاً أن فئات أخرى مهمشة لا تزال تعاني أوضاعاً صعبة، مثل الأساتذة المتعاقدين، أساتذة سد الخصاص، منشطي التربية غير النظامية، والعاملين في التعليم الأولي.
ورأى أن استمرار منح مربيات ومربي التعليم الأولي أجرا لا يتجاوز 3000 درهم يُعد وصمة عار، خاصة عند المقارنة مع أجور موظفي السلطة المحلية التي تتجاوز 4500 درهم، متهما وزير التربية الوطنية بتقديم صورة مغلوطة أمام البرلمان حين قال إن هذه الفئة راضية عن وضعها، بينما الواقع يكشف شعورها بالغبن العميق.
كما استعرض غميميط مظاهر أخرى لغياب الالتزام الحكومي، مشيرا إلى تجاهل مواد قانونية أساسية، من بينها المادة 85 والمادة 76 والمادة 77، التي تكفل حقوق المتصرفين والأطر الإدارية، مؤكدا أن أوضاع هذه الفئات لم تتحسن بل تدهورت أكثر.
ولفت إلى أن الاتفاق الموقع في 10 دجنبر، الذي نص على زيادة قدرها 500 درهم لفائدة المساعدين والمتصرفين التربويين، ظل معلقا رغم توقيع وزير المالية عليه، وهو ما اعتبره استخفافا حكوميا بتعهداتها وتعمقا لفقدان الثقة داخل القطاع.
وأضاف أن متوسط أجور الأساتذة، الذي بالكاد يبلغ 7000 درهم، لم يعد يغطي تكاليف المعيشة المرتفعة بالمدن الكبرى، مما يدفع الكثير منهم إلى العمل الإضافي في القطاع الخاص أو البحث عن مصادر رزق أخرى، بما يؤثر على مردوديتهم.
وذكّر بأن الحكومة وعدت في برنامجها الانتخابي برفع أجور نساء ورجال التعليم بـ 2500 درهم، لكنها لم تنفذ سوى جزء محدود لم يتجاوز 1500 درهم، في وقت استفادت فيه قطاعات أخرى من زيادات أكبر دون إثارة أي نقاش.
♦مسؤولية الدولة الاجتماعية
وربط غميميط أزمة التعليم بالاختيارات الحكومية العامة، التي وصفها بالمنحازة لأرباب العمل عبر الامتيازات والإعفاءات الضريبية على حساب القطاعات الاجتماعية، مؤكداً أن الحكومة لم تُبدِ أي إرادة فعلية لإصلاح المدرسة العمومية، بل تسير في اتجاه تهميشها وتفكيكها عبر حلول ترقيعية لا تعالج أصل الداء.
وطالب بإعادة الاعتبار لمكانة نساء ورجال التعليم عبر تحسين أجورهم بشكل ملموس، وتخفيض ساعات عملهم، وتوفير نظام أساسي منصف يضمن استقرارهم المهني، وداعيا إلى معالجة الملفات العالقة بقرارات جذرية تشمل الدكاترة والمبرزين والمتصرفين والعاملين في التعليم الأولي، ومؤكدا أن احترام الاتفاقات وتنفيذ المراسيم الموقعة هو شرط بناء الثقة بين الحكومة والشغيلة التعليمية.
وحذر من أن استمرار هذا النهج يهدد المدرسة العمومية ويفقدها جاذبيتها، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تعليم قوي لتأهيل الأجيال المقبلة، ومشددا على أن الزيادات الهامشية التي تقدم للأساتذة لا تعوّض حجم معاناتهم ولا ترقى إلى مستوى التضحيات التي يبذلونها، ومؤكدا أن الحكومة اختارت الانشغال بملفات أقل أولوية على حساب التعليم والصحة، في حين كان من المفترض أن يشكّلا الركيزة الأولى لأي سياسة اجتماعية جادة.

