سلطت صحيفة “إل إسبانيول” (El Español) الإسبانية الضوء على تطور لافت في مسار العلاقات المغربية-الأمريكية، عقب توقيع الرباط وواشنطن اتفاقًا جديدًا يهم الاستثمار في المعادن الحرجة بالسواحل الأطلسية، في مناطق بحرية موسعة تتداخل جزئيًا، مع المجال البحري القريب من جزر الكناري.
ويعكس هذا الاتفاق بحسب الصحيفة، انتقال الشراكة الثنائية من بعدها السياسي والأمني التقليدي إلى أفق اقتصادي-جيواستراتيجي أكثر تعقيدًا، مرتبط بإعادة تشكيل سوق المعادن النادرة عالميًا.
والاتفاق الجديد لا يقرأ، وفق التحليل الإسباني، بمعزل عن التحولات الدولية المتسارعة في مجال الموارد الطبيعية، ولا عن سعي الولايات المتحدة إلى تقليص اعتمادها على منافسين استراتيجيين، عبر بناء تحالفات مع شركاء تاريخيين، وفي مقدمتهم المغرب.
Esta semana #Trump reunió en Washington a 54 ministros para firmar acuerdos sobre minerales críticos. No estuvo España, sí #Marruecos. Con #Rabat cerró 1 de 9 tratos: exploración en las aguas territoriales ampliadas que se solapan con las de #Canariashttps://t.co/gUsVJcIr3V
— Sonia Moreno (@sonietamb) February 8, 2026
❖ اجتماع المعادن
جاء الاتفاق المغربي-الأمريكي في سياق الاجتماع الوزاري حول المعادن الاستراتيجية لسنة 2026، الذي انعقد في 4 فبراير الجاري بدعوة من وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وضم ممثلين عن 54 دولة، إلى جانب المفوضية الأوروبية، وشارك في هذا الاجتماع 43 وزيرًا، في خطوة تعكس الوزن المتزايد لهذا الملف في الأجندة الدولية.
وغير أن اللافت، كما تشير “إل إسبانيول”، هو غياب إسبانيا عن هذا الاجتماع، رغم مشاركة دول أوروبية وازنة مثل بلجيكا وألمانيا وإيطاليا وهولندا، وهو غياب تراه الصحيفة مثيرًا للتساؤلات؛ خاصة في ظل تداخل المصالح البحرية والمواردية في المنطقة.
❖ مذكرات تفاهم
أسفر الاجتماع عن توقيع 11 اتفاقًا ثنائيًا ومذكرات تفاهم (MOU) حول المعادن الحرجة، شملت دولاً من قارات مختلفة، من بينها الأرجنتين والإكوادور وغينيا والفلبين والإمارات العربية المتحدة وأوزبكستان، وكان المغرب الدولة الإفريقية الوحيدة ضمن هذه القائمة.
وأكدت وزارة الخارجية الأمريكية أن هذه الاتفاقيات تشكل “أسسًا للتعاون الدولي في مواجهة تحديات استقرار الأسعار، وتحفيز التنمية، وسد الثغرات في سلاسل التوريد ذات الأولوية، وتوسيع فرص الولوج إلى التمويل”، مع التحذير من أن السوق العالمية الحالية للمعادن الاستراتيجية “شديدة التركز”، ما يجعلها أداة للضغط السياسي وتهديدًا للأمن الاقتصادي.
❖ المغرب وإفريقيا
اعتبرت الصحيفة أن اختيار المغرب كالفاعل الإفريقي الوحيد يحمل دلالات سياسية وجيواستراتيجية واضحة، إذ ينظر إليه كاعتراف أمريكي بثقله الإقليمي وقدرته على لعب دور محوري في تأمين الموارد الاستراتيجية.
وأشارت إلى أن حسابات مغربية على منصة “إكس”، ذهبت إلى أن هذا الاختيار يعد “ضوءًا أخضر” لمواصلة مسار ترسيم الحدود البحرية بين المغرب وجزر الكناري، وكذا استثمار الثروات المعدنية المتاحة في هذا الحيز البحري، وهو ما يفسر القلق الإسباني المتزايد.
❖ كنوز الأعماق
تشير “إل إسبانيول” إلى أن المعادن الحرجة الموجودة بالساحل الأطلسي المغربي لا تقتصر على جبل تروبيك (Monte Tropic)، المعروف كواحد من أهم احتياطات التيلوريوم والكوبالت عالميًا، بل تشمل أيضًا عددًا من الجبال البحرية الأخرى.
ويؤكد خبراء أن المنطقة تضم أكثر من عشرة مواقع بحرية تحتوي على كميات معتبرة من الحديد والمنغنيز والنيكل والنحاس والزرنيخ والكروم، وهي معادن ذات قيمة استراتيجية عالية في الصناعات التكنولوجية المتقدمة.
ورغم ذلك، تواصل الدولة الإسبانية حسب الصحيفة، عمليات البحث والتصنيف الجيولوجي لهذه الموارد الموجودة في المناطق المذكورة.
❖ “نزاع قانوني”
في مقابل هذا الطموح المغربي، يبرز الجدل القانوني الدولي، حيث نقلت الصحيفة عن الخبير الجيولوجي الإسباني خوسيه مانغاس قوله إن “المغرب يعرف جيدًا ما يريد، أي توسيع منطقته الاقتصادية الخالصة لتشمل محيط لانثاروتي وفويرتيفنتورا وجزءًا من غران كناريا”.
وأبرز الجيولوجي مانغاس أن ذلك حسب رأيه، “لن تقبله السلطة الدولية لقاع البحار لأنه يتعارض مع القانون الدولي”.
وتشرف السلطة الدولية لقاع البحار على تنظيم استكشاف واستغلال الموارد المعدنية في ما يعرف بـ“المنطقة”، وهي الفضاءات البحرية الواقعة خارج حدود الولاية الوطنية للدول، والتي تمثل أكثر من 50% من قاع البحار والمحيطات في العالم.
❖ دبلوماسية المعادن
تربط الصحيفة بين الاتفاق المغربي-الأمريكي وبين ما تسميه واشنطن “دبلوماسية المعادن الاستراتيجية”، باعتبار هذه الموارد أساسًا للتحول التكنولوجي العالمي؛ خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات والبطاريات، والأنظمة الذاتية.
وأكدت الخارجية الأمريكية أن استراتيجيتها تقوم على “خلق مصادر إمداد جديدة، وتعزيز شبكات نقل آمنة وموثوقة، وتحويل السوق العالمية إلى منظومة متنوعة ومرنة من البداية إلى النهاية”.
❖ تحالفات جديدة
في هذا الإطار، أعلنت الولايات المتحدة عن إطلاق مبادرة “FORGE”، خلفًا لـشراكة أمن المعادن (MSP)، بهدف قيادة الاستجابة العالمية لاختلالات سوق المعادن الحرجة.
وستعمل “FORGE”، التي تتولى كوريا الجنوبية رئاستها إلى غاية يونيو القادم، على تنسيق الجهود التنظيمية والمشاريع الاستثمارية بين الشركاء.
وترى واشنطن أن الحكومات وحدها غير قادرة على مواجهة هذه التحديات، ما يفرض تعزيز التعاون مع القطاع الخاص، خصوصًا عبر مبادرة “Pax Silica” أو ما يعرف بـ“إعلان السيليكون”.
❖ القطاع الخاص
تغطي مبادرة “Pax Silica” كامل سلسلة التوريد التكنولوجية، من المواد الخام إلى التصنيع المتقدم، والبنية التحتية للحوسبة وتخزين البيانات، في إطار استراتيجية أمريكية أوسع للأمن الاقتصادي، تهدف إلى تقليص الاعتماد على القوى المنافسة.
وتضم هذه المبادرة تسع دول في ما يسمى “تحالف القدرات”، حيث كان من المرتقب انضمام قطر والإمارات مطلع 2026.
وكما جمعت عشية الاجتماع الوزاري المذكور؛ قادة من القطاع الخاص مع حكومات من مختلف دول العالم لمناقشة فرص الاستثمار والتحديات المرتبطة بسلاسل التوريد.
❖ قلق إسباني
تلفت “إل إسبانيول” إلى أن الاتفاق المغربي-الأمريكي، وإن كان جزءًا من إعادة ترتيب السوق العالمية للمعادن، يثير مخاوف إسبانية واضحة؛ سواءً على مستوى السيادة البحرية أو على مستوى الثروات الكامنة في أعماق الأطلسي.
وبين طموح الرباط، ودعم واشنطن، وحذر مدريد، يبدو أن معركة المعادن مرشحة لتتحول إلى أحد أبرز ملفات التنافس الجيواستراتيجي في المنطقة خلال السنوات المقبلة.

