في سياق تداعيات الاضطرابات الجوية الاستثنائية التي شهدتها مناطق واسعة من سهل الغرب واللوكوس، أعلنت الحكومة برنامجا شاملا للمساعدة والدعم لفائدة الأسر والساكنة المتضررة، تنفيذًا لتعليمات ملكية سامية، وبميزانية توقعية تصل إلى ثلاثة ملايير درهم، ويشمل البرنامج إجراءات اجتماعية واقتصادية وبنيوية تهدف إلى إعادة الإسكان، وتعويض المتضررين، وتأهيل البنيات الأساسية، في محاولة لتسريع عودة الحياة الطبيعية بالمناطق المصنفة منكوبة.
وهذا التدخل العمومي الواسع يفتح نقاشا حول طبيعة مقاربة الدولة في تدبير الكوارث، وحدود قدرتها على تحويل الاستجابة الاستعجالية إلى ورش تنموي مستدام، كما يثير تساؤلات ضمنية بشأن جاهزية المؤسسات للتعامل مع أزمات مشابهة مستقبلاً، ومدى كفاية الآليات المعتمدة لضمان نجاعة التنفيذ، وتحقيق توازن بين الإغاثة الفورية وإعادة البناء طويل المدى.
❖ تحول مفاهيمي
يعتبر محمد العمراني بوخبزة، أستاذ القانون العام بجامعة جامعة عبد المالك السعدي، أن ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن مسار متراكم يعكس تطور دور الدولة في تدبير الأزمات والوقائع الكارثية؛ سواءً على المستوى القانوني أو المؤسساتي أو الاجتماعي.
وأكد بوخبزة في تصريح لجريدة “شفاف”، أن تخصيص برنامج بميزانية تناهز ثلاثة ملايير درهم ليس إجراءً معزولاً، بل حلقة ضمن تحول أوسع في فلسفة التدبير العمومي، فرضته التغيرات المناخية وتزايد المخاطر الطبيعية.
ولفت إلى أن الدولة المغربية أصبحت تتعامل مع الكوارث الطبيعية باعتبارها معطى بنيويًا وليس حدثًا استثنائيًا عابرًا، مبرزًا أن التغيرات المناخية جعلت الوقائع الكارثية، من فيضانات وزلازل وحرائق ومواسم جفاف حاد؛ جزءًا من الواقع الذي يفرض نفسه على السياسات العمومية.
وشدد على أن هذا التحول في الإدراك يعني أن التدبير لم يعد يرتبط بردود فعل ظرفية، بل أصبح يستوجب رؤية استباقية تقوم على الاستعداد والتخطيط.
ويرى المتحدث ذاته، أن هذا التطور يعكس انتقالاً من منطق المعالجة اللاحقة للأزمات إلى منطق التدبير المندمج للمخاطر.
إعلان زلزال الحوز واقعة كارثية.. ماذا يعني ذلك وماهي الآثار القانونية للقرار؟
وأوضح أن الدولة في هذا السياق، لم تعد تنظر إلى الكارثة باعتبارها حادثًا طارئًا، بل باعتبارها ظاهرة متكررة تتطلب أدوات قانونية ومؤسساتية واضحة، وهو ما يفسر تسريع وتيرة التقنين والتأطير القانوني.
وأضاف أن هذا الوعي الجديد يعكس تطورًا في فلسفة الدولة الحديثة، حيث أصبح المواطن في قلب السياسات الوقائية، ولم يعد متروكًا لمواجهة آثار الكوارث بمفرده.
وأبرز أستاذ القانون العام أن التدخل العمومي بات جزءًا أساسيًا من التزامات الدولة تجاه حماية الأمن الاجتماعي والاقتصادي.
❖ إطار قانوني
يوضح العمراني بوخبزة أن المغرب انتقل من منظومة قانونية قديمة تعود إلى سنة 1984 إلى إطار أكثر حداثة مع صدور القانون رقم القانون 110.14 سنة 2016، الذي يشكل اليوم المرجعية القانونية لتدبير الوقائع الكارثية.
وأشار أستاذ القانون العام إلى أن هذا القانون جاء استجابة لمستجدات بيئية ومناخية لم تكن مطروحة بنفس الحدة في العقود السابقة.
بعد فيضانات الجنوب الشرقي.. أيّ دور سيلعبه صندوق التضامن ضد الكوارث؟
وأكد أن أهمية هذا الإطار القانوني تكمن في تحديد المساطر التي يتم عبرها إعلان حالة الكارثة، وضبط المجال الجغرافي المعني، وتنظيم آليات التعويض والمساعدة.
وأبرز أنه دون هذا السند القانوني، يصبح من الصعب تعبئة الموارد المالية أو تفعيل آليات الدعم بشكل مؤسساتي، في مثل حالة الفيضانات التي شهدتها مجموعة من المناطق بالمملكة.
ولفت إلى أن القانون أقر إحداث صندوق خاص للتعويض عن الوقائع الكارثية، وهو ما يعكس انتقال الدولة من ردود فعل ارتجالية إلى منظومة مؤطرة قانونيًا؛ تضمن استمرارية الدعم ووضوح المساطر، بما يحمي حقوق المتضررين ويؤسس للثقة في التدبير العمومي.
❖ الدولة الاجتماعية
يربط محمد العمراني بوخبزة هذا البرنامج الحكومي باختيار استراتيجي أوسع يتمثل في تكريس نموذج الدولة الاجتماعية.
وأوضح أن الدولة وفق هذا التصور، لا تكتفي بالأدوار التقليدية، بل تتدخل لحماية المواطنين من المخاطر الكبرى، ومنها الكوارث الطبيعية، باعتبار ذلك جزءًا من العدالة الاجتماعية.
الماشية بين الوفرة ومخاطر الفياضانات.. انتعاش القطيع أم استمرار كلفة الإنتاج؟
واعتبر أن تخصيص اعتمادات مالية مهمة للتخفيف من آثار الكوارث يترجم هذا التوجه عمليًا، حيث لم يعد الدعم مجرد مبادرات ظرفية، بل سياسة عمومية تنسجم مع عقيدة الدولة الحديثة التي تجعل الحماية الاجتماعية ركيزة أساسية.
ويرى أن هذا التدخل يعزز الثقة بين الدولة والمجتمع، لأن المواطن يشعر بوجود آليات مؤسساتية تحميه في أوقات الأزمات، وهو ما يرسخ مفهوم التضامن الوطني ويقوي الاستقرار الاجتماعي.
❖ تدبير مالي
يتوقف محمد العمراني بوخبزة عند مسألة الاعتمادات المالية، موضحًا أن تخصيص حوالي ثلاثة ملايير درهم لم يأتي بشكل اعتباطي، بل استند إلى تقييم ميداني دقيق لتحديد حجم الأضرار والاحتياجات.
وأبرز أستاذ القانون العام أن التخطيط المالي في مثل هذه الحالات يتطلب بيانات موثوقة تسمح بتوجيه الموارد نحو الأولويات.
وأشار إلى أن توزيع هذه الاعتمادات على محاور متعددة، تهم السكن وفقدان الدخل والأنشطة الاقتصادية والفلاحة والبنيات التحتية، يعكس مقاربة شمولية تراعي مختلف أبعاد الضرر، بدل الاقتصار على التعويض المباشر.
ولفت إلى أن التمييز بين المساعدة والتعويض مهم قانونيًا وعمليًا؛ فالمساعدة ذات طابع اجتماعي استعجالي، بينما التعويض يرتبط بمساطر قانونية محددة، وهو ما يضمن عدالة توزيع الموارد ونجاعة التدخل.
❖ المسطرة القانونية
يشدد العمراني بوخبزة على أن إعلان حالة الوقائع الكارثية ليس إجراءً شكليًا، بل مسطرة قانونية أساسية تفتح المجال أمام تفعيل آليات الدعم.
وأوضح أستاذ القانون العام، أن القانون كما هو معروف؛ يفرض تحديد طبيعة الكارثة والمجال الجغرافي المتضرر قبل تعبئة الموارد.
“صندوق الزلزال”.. خطوة من بين أخرى اتخذها المغرب لمواجهة الكوارث الطبيعية
وأكد أن هذه المسطرة تمنح سندًا قانونيًا للجوء إلى مؤسسات التمويل أو شركات التأمين، أو الاستفادة من صندوق التعويض في حال عدم وجود تغطية تأمينية، وهو ما يضمن شمولية الحماية.
وذكر أن احترام هذه المساطر يعزز حكامة التدبير، ويحول الدعم من مبادرات ظرفية إلى منظومة مؤسساتية قائمة على الشرعية القانونية والشفافية.
وأبرز أن البرنامج الحكومي الحالي يجسد تطورًا واضحًا في مقاربة الدولة لتدبير الوقائع الكارثية، حيث يلتقي الإطار القانوني مع الاختيار الاجتماعي والتخطيط المالي، ضمن رؤية تجعل من حماية المواطن أولوية استراتيجية، وتؤسس لنموذج أكثر نجاعة واستدامة في مواجهة الأزمات.

