رصد الدكتور إدريس قصوري، أستاذ التعليم العالي والمحلل السياسي، في مقال له؛ توصلت جريدة “شفاف” بنسخة منه، سيمياء (العناصر والعلامات والدلالات) صورة قوة الملكية بالمغرب.
-نص المقال:
مرة أخرى، يتأكّد أن قوّة المَلكية المغربية تَكمُنُ في مِخيالها العبقري المقدّس قبل أن تتجلّى في إرادتها السياسية المطلقة، فالملكية المغربية تَزَعُ بإمارة المؤمنين ما لا تَزَعُه بالمُلك، وتزع بالدين ما لا تَزَعُهُ بالسياسة مباشرة وبالقرارات السياسية الصريحة، ذلك أنّها تَزَعُب الرمز ما لا تخطّه الأقلام بالحرف وبالنصّ، وحيث تحضر روح قُدسية وسُموّ شعار المملكة: “الله، الوطن، الملك” في أدقّ رمزيّتها وتجلّياتها وفي أقوى حضورها وفعاليتها،
ويُجَلي إيحاءُ الإخْراجِ سلطةَ السلطان الحقيقي المتجسّدةَ في إمارة المؤمنين – المَلك، بعد السلطان الحقّ، حتى مع غياب الحضور العَيْني لمكوّن الشعب المتضمَّن في جوهر الوطن، أقدسَ حضورا وألمعَسموّا وأعلى علوّا من باقي المؤسّسات والوزارات والكراسي والألقاب والصفات والأشخاص، فرُوح إمارة المؤمنين هي التي تُرتّب بمشيئتها الخالصة الفضاءَ وتؤثّث الأمكنة والمقامات والمقاسات، وتَزِن الأوزانَ وتُنزِلُ كلّا منزلته ومقامه وتُفعِّل هالةَ الجماد وتُعطيه دورا في ضبط كلّ شيء وفي تحجيم القوم؛ كيفما كان ما دام في ضيافة الإمارة وتحت رحمة إلهامها المقدّس وَوَزَعَهَا المُحكَم.
من هذا المنطلق، وحتى وإن كانت صورة إخراج مشهد السيد وزير العدل، وهو في طقس صلاة ليلة السابع والعشرين من رمضان المبارك، في رحاب مناسك إمارة المؤمنين وليلة القدر خيرة الليالي، قد صاغته الأقدار بعفوية أو ضبطته آلة البروتوكول الرسمي بقصديّة، وحتى دون تعيين المكان والموقع والوضع، بشكل مسبق، لشخص معيّن بذاته يمثّل وزارة العدل مثلا ويتشخّص في وزيرها أو في أي مسؤول آخر من الحضور، ودون تخمين مسبق للمدلولات التكوينية للمشهد وما ستستدعيه من قراءات أكاديمية وتفسيرات ثقافية، ومن تأويلات اجتماعية وتداعيات سياسية وإعلامية، فإن تَمثُّلَ رمزيةِ المشهد المُجاز للتداول إعلاميا يخْلُصُ إلى رمزية قويّةِ التشخيص وعميقة التعبير، مُفعَمة بإنتاج المعنى والدلالة سيميائيا، وغنية المدلولات والافتراضات تداوليا، ذلك أن المشهد المتداول إعلاميا قد وَثّق لجُملة نَسقية من الإشارات والأفعال والتمَوْضُعات والتقابلات استلزمت ملاحظة الآتي:
1- وجود وزير العدل في الصف الأخير،
2- حشره وركنه بين الحائط الصّادِّ وراءَه مَعْدُومَ الحركة ومسلوبَ الإرادة الشخصية التي كان يُعبّر عنها في الفضاء العام والمؤسّسات الرسمية وغير الرسمية الأخرى، وبين مُكبّر الصوت الذي وقف أمامه حارسا سجّانا خاصّة مع جلوس الوزير القُرفُصاءَ مُنكفِئا للوراء وهو يضع يديه على ركبتيه بلا قوّة ولا حَوْل، ومكبّرُالصوت يتمدّد عموديا أمامَه راسخا مثل الصولجان،
3- ظُهور الوزير مُكفهرّ الوجه مَكلومًا ليس له مَنْيُناجي ولا مَن يُقاضي ولا لمَن يشكو ولا مَن يعتقل ولا من يهدّد ويتوعّد، ولا مِمَّن يطلب البطاقة كما قال في معرض الاستفسار عن بطاقة الشيطان ليعتقله، حيث سُلبت منه الإرادة الذاتية وسُلطة الوزارة، وغابت عنه ابتسامة الثقة التي كانت تبدو عليه دائما في ما يتناقله الإعلام عنه من صُوَر مبتسمة ساخرة، وأيْدٍ طائرة في السماء وأكتاف نابضة مرتفعة، وعيون ثاقبة وأوداج منتفخة، وَلِسَان مُتأجّج وسُحْنة تستشيط غضبا وتحدّيا وتمرّدا، ولم يستطع التعبير عن غضبه الذي تحوّل إلى غُصّة دفينة ليس لها من مُتنفّس للتنفيس،
4- وَبَدا أنّ مُكبّر الصوت سَحَبَ من الوزير صوْتَه المألوف أمام الميكروفونات، فنزع عنه حريّة وصَخَبَ وَسَخَطَ نَمَطِ الكلام المألوف مادام في حضرة الصلاة والذكر والقرآن وجلالة إمارة المؤمنين،
5- وقد تجلّى مُكبّر الصوت الجماد، ذي الأرجل الثلاث، متعدّد الأبعاد والدلالات بتضييقه المساحة والخناق على الوزير، بتمدده بين مفاصل الوزير وحرمانه من نِعْمَة الجلوس الطبيعي المريح كالمعتاد، أو اختيار الوضع المناسب والمفضّل كما يشاء هو ويرتاد،
6- بيد إن مكبّر الصوت قد تمادى في وظيفته الحازمة والناجمة بحرمان الوزير من السجود ومن نِعمة التسبيح والاستغفار والدعاء كما ينبغي ويَجِبُ، في رحاب وضيافة الصلاة المقدسة وآثارها المضاعفة في ليلة أخذ المظالم واستجابة الدعاء، في ليلة كلّها سلام، والمفتوحة رحمتُها للصغير والكبير ولجميع العباد وضيوف الرحمان وإمارة المؤمنين،
7- ولعلّ وظيفة مكبّر الصوت الجماد هذا قد سَطَعَت في ليلة سلام يُفرق فيها كلّ أمر حكيم، والعباد في اطمئنان وخشوع بكامل زينتهم لتحطيم أسطورة مقولة مول “التقاشر” بإبرازه لجوارب الوزير للعموم بمجرد انتقال سُلطة المشهد من صَدَى مكروفونات الوزير إلى حَتْميَّة فِعْل مُكبّر صَوْتِ حَضْرَةِ الإمارَةِ، الفاعلِ الحقيقي،
8- وقد تَسَلْطَنَت آية مُكبّر الصوت الجماد هذا، وما أدراك ما مكبّر الصوت؟ في مَنْع ملابس الوزير من تأدية وظيفتها كاملةً في لَفِّ جسد الوزير كلّه بالشكل الذي تستلزمه لحظة السجود عادة، وعلى شَكْلِ وغِرَارِ باقي السادة المصلين الحاضرين في المسجد، في حَضْرَةِ الصلاةِبِمَعِيَّة إمارة المؤمنين.
هذه إذن، صورة حَيَّة لنموذج ساطع من نماذج قوّة آثار وتأثير الإشعاع الواسع والنافذ لِرُوحِ وإلهام إمارة المؤمنين والتي لم تكن سلاما على الوزير وَحْدَه.

