تطرق الدكتور خالد الشرقاوي السموني، الأستاذ الجامعي ومدير مركز الرباط للدراسات السياسية والاستراتيجية، في مقال جديد له، توصلت جريدة “شفاف” بنسخة منه، للعمل الذي تقوم به كل من “البوليساريو” والجزائر في الظل والعلن من أجل التأثير في نتائج الانتخابات البرلمانية الإسبانية، التي ستجرى هذا الشهر، وذلك طمعا في أن تغير مدريد موقفها من قضية الصحراء المغربية.
وجاء المقال على الشكل الآتي:
تقوم جبهة “البوليساريو” بمناورات وتحركات بتنسيق مع الجزائر للتأثير في نتائج الانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها بإسبانيا يوم 23 يوليوز الجاري، من أجل صعود تكتل برلماني يدعم تقرير المصير عن طريق الاستفتاء وفق الطرح الجزائري وتغيير الموقف الإسباني من الصحراء.
غير أن تصريح الرجل الثاني بحزب “سومار” الإسباني، والسفير الإسباني السابق لدى الأمم المتحدة أوغستين سانتوس مارافر، في حوار له مع وكالة الأخبار الإسبانية “إيفي – EFE”، عندما وصف المغرب بأنه “نظام سيادة مشتركة” بين الملك والشعب، ونفى حدوث تغيير في الموقف الإسباني من نزاع الصحراء المغربية، بل أعلن دعمه لمبادرة الحكم الذاتي لحل نزاع الصحراء تحت السيادة المغربية، واعتبر استفتاء تقرير المصير في الصحراء حلا غير واقعي بعثر أوراق جبهة البوليساريو وحليفتها الجزائر.
لقد أحبط أغوستين سانتوس مارافير، الذي يدخل غمار الانتخابات العامة الإسبانية كوصيف ليولاندا دياز، زعيمة الائتلاف اليساري “Sumar”، آمال جبهة “البوليساريو” بخصوص إمكانية اتخاذه لموقف جديد من قضية الصحراء المغربية.
رغم ذلك، مازالت تطالب الجزائر وجبهة “البوليساريو” بأن يترجم زعيم الحزب الشعبي الإسباني ألبرتو نونيز فيجو رفضه لدعم بيدرو سانشيز لخطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء بأفعال، تلغي تغيير الموقف من نزاع الصحراء، لدرجة أن وزير الصناعة الجزائري السابق حذر الحزب الشعبي من الانحياز إلى موقف بيدرو سانشيز، معلنا أن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها بلاده لمدة عام على المصدرين الإسبان لن يتم رفعها.
لكن ألبرتو نونيز فيجو لم يخضع لضغوط الجزائر واللوبي الإسباني المدافع عن “البوليساريو”، ولم يعلن موقفا لصالح الأطروحة غير الواقعية للبوليساريو والجزائر المتجلية في تقرير المصير للشعب الصحراوي عن طريق الاستفتاء.
فالجزائر لم تعد تستطيع التأثير الكبير في قرار المعارضة الإسبانية بخصوص مبادرة الحكم الذاتي أو حشد تكتل معاد للمصالح الإستراتيجية للمغرب، الذي أصبح رقما صعبا في معادلة التوازن الإقليمي في منطقة المتوسط وشمال أفريقيا، وفاعلا ومؤثرا في السياسات الإقليمية والدولية والتي تعيها إسبانيا جيدا، بل إن المغرب الآن يملك أوراقا رابحة في محاربة الإرهاب والطاقة والهجرة، لا يمكن لأي حزب أو حكومة قادمة على إثر الانتخابات القادمة تجاوزه، وهو ما يحكم التعاون والاحترام المتبادل الذي رسخته خارطة الطريق بين المغرب وإسبانيا.
لقد فشلت السياسة الخارجية الجزائرية و”البوليساريو” في الضغط لتغيير موقف الإسبان من الصحراء المغربية، في وقت يسعى فيه المغرب لتمتين علاقات قوية مع إسبانيا على جميع الأصعدة، بشكل جدي وفعال، وفي نفس الوقت لا يسمح لأي طرف بأن يمس بسيادته الوطنية أو وحدته الترابية أو باستقراره.
ونشير في هذا الصدد، إلى أن المغرب كان دائما حريصا على إقامة علاقات قوية مع دولة اسبانيا، حيث برهن المغرب دائما على حسن النوايا مع هذه الجارة وعلى التعاون المثمر على عدة أصعدة، خاصة على الصعيد الأمني ومكافحة الهجرة السرية.
فعلى هذين المستويين، يلعب المغرب دورا رائدا، يحظى بإشادة واعتراف من طرف المجتمع الدولي، وعلى هذا الأساس أصبح لازما على إسبانيا أن تعامل المغرب في إطار الشراكة المتكافئة والمصالح المشتركة واحترام مصالحه العليا.
فالمغرب يرفض المساس بمصالحه العليا من طرف أي جهة كيفما كانت، وفي نفس الوقت يسعى إلى ربط علاقات بناءة ومتوازنة خاصة مع دول الجوار ويسعى دائما إلى الحفاظ على الاستقرار بمنطقة البحر الأبيض المتوسط والمنطقة المغاربية.
وهذا ما أكده الملك في خطابه بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب على أن المغرب يتطلع، بكل صدق وتفاؤل، لمواصلة العمل مع الحكومة الإسبانية، من أجل تدشين مرحلة جديدة وغير مسبوقة في العلاقات بين البلدين؛ علاقات يجب أن تقوم على أساس الثقة والشفافية والاحترام المتبادل والوفاء بالالتزامات.
وفي أول رد رسمي خارجي بشأن فحوى الخطاب الملكي أكد رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، أن الخطاب يشكل فرصة سانحة لإعادة تحديد الركائز التي تؤطر العلاقات بين إسبانيا والمغرب.
وأضاف سانشيز: “لقد رأينا دائما في المغرب شريكا استراتيجيا لإسبانيا، ولكن أيضا لكل الاتحاد الأوروبي”، مسجلا أن “المغرب وإسبانيا حليفان وجيران وأصدقاء”. وأعتقد في هذا الخصوص، أن نتائج الانتخابات التشريعية القادمة بإسبانيا لن تغير الموقف الرسمي الإسباني من الصحراء المغربية.
المغرب دولة ذات مواقف ثابتة لن يقبل بأي سلوك أو تعامل يمس بوحدة الترابية وسيادته الوطنية، ويرفض المساس بمصالحه العليا، لكنه في نفس الوقت يحترم العلاقات التاريخية التي تربطه بإسبانيا ويحترم حسن الجوار ويسعى دائما إلى الحفاظ على الاستقرار بمنطقة البحر الأبيض المتوسط.

