عادت الإنتاجات التلفزيونية الرمضانية هذه السنة لتتصدر واجهة النقاش العمومي، مع انطلاق عرض المسلسلات على القنوات الوطنية خلال الشهر الفضيل، ومنذ الحلقات الأولى، توالت التعليقات المنتقدة لما اعتبره جزء من الجمهور تكرارًا للشخصيات النمطية، وضعفا في البناء الدرامي، وميلاً إلى الإثارة المجانية على حساب العمق الفني.
وغير أن هذا الجدل يطرح أسئلة أعمق حول طبيعة التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، ومدى قدرة الدراما على عكسها بجرأة ومسؤولية في آن واحد، وحول إن كانت تكمن المشكلة في جرأة الطرح أم في أسلوب المعالجة، وعن مدى عكس هذه الأعمال فعلاً واقعًا اجتماعيًا مسكوتًا عنه، أم أنها تعيد إنتاج قوالب سطحية لا تنصف تعقيد الشخصية المغربية.
❖ تنميط الأدوار
يرى عبد الكريم واكريم، الكاتب والناقد الفني، أن أدوار الشر في الدراما التلفزيونية المغربية ما تزال حبيسة تصور تقليدي صارم، يقوم على بناء شخصية أحادية البعد، لا تقبل المناطق الرمادية ولا تسمح بأي انزياح إنساني يمكن أن يضفي عليها عمقا ومصداقية.
وأبرز واكريم في تصريح لجريدة “شفاف”، أن ”الشرير” في كثير من الأعمال يظهر عابسًا وصارخًا ومتجهما، بلا خلفية نفسية واضحة، ولا تاريخ شخصي يفسر سلوكاته، وكأن الشر اختيار فج لا تعقيد فيه ولا جذور.
وأكد أن هذا النمط من الكتابة يحرم الشخصية من بُعدها الإنساني، إذ لا يترك لها هامش لتكشف عن لحظات ضعف أو فتات خير قد يطفو من بين ركام صدماتها الماضية.
وأردف أن الدراما بطبيعتها، تقوم على الصراع الداخلي بقدر ما تقوم على الصراع الخارجي، وعلى إبراز التناقضات التي تجعل الشخصيات نابضة بالحياة.
وأوضح الكاتب والناقد الفني، أنه عندما تختزل الشخصية في سلوك واحد ثابت، فإنها تفقد قدرتها على الإقناع، وتتحول إلى قناع جامد لا يتطور من الحلقة الأولى إلى الأخيرة.
وأضاف أن هذا الفقر في التركيب الدرامي ينعكس مباشرة على أداء الممثلين، إذ يجدون أنفسهم أمام شخصية مسطحة لا تتيح لهم سوى تعبير وجهي واحد ونبرة صوت واحدة، فيغيب التنوع في الأداء وتختفي التحولات النفسية التي تمنح التمثيل ألقه.
ولفت إلى أنه هكذا يصبح العمل بأكمله محكوما بسطحية في البناء، لا تسمح بفتح السرد على آفاق أرحب ولا باستكشاف تعقيدات النفس البشرية كما يفترض أن تفعل الدراما.
❖ أزمة الكتابة
يربط واكريم هذه الإشكالات بغياب كتابة درامية حقيقية تمنح لها المكانة التي تستحقها داخل منظومة الإنتاج، مبرزًا أن السيناريو هو العمود الفقري لأي عمل تلفزيوني، وأي خلل فيه ينعكس على الإخراج والتمثيل والإيقاع العام.
وأشار إلى أن شركات تنفيذ الإنتاج والقنوات التلفزيونية، لا تولي الكتابة العناية الكافية؛ سواءً من حيث الوقت المخصص لتطوير النص أو من حيث الاستثمار في كُتاب يمتلكون أدوات الاشتغال على الشخصيات المركبة.
واعتبر أن التركيز غالبًا ما ينصب على سرعة الإنجاز واحترام آجال البث؛ خاصة خلال الموسم الرمضاني الذي يعرف ضغطًا زمنيًا وإعلانيًا كبيرًا، فيتم اللجوء إلى حلول سردية جاهزة، وإلى شخصيات نمطية يسهل تسويقها.
ونبه الكاتب والناقد الفني، إلى أن هذا المنطق الإنتاجي، وإن كان يضمن ملء الشبكة البرامجية، فإنه لا يضمن جودة فنية قادرة على الصمود أمام النقد أو المنافسة.
وفي سياق حديثه عن الجزء الثالث من مسلسل “بنات لالة منانة”، يرى واكريم أنه الأضعف مقارنة بالأجزاء السابقة، مبرزًا أنه إلى حدود الحلقات المعروضة، لا يبدو أن هناك خطًا دراميًا ناظمًا للأحداث، بل تتوالى الوقائع بشكل متقطع، دون رابط عضوي واضح يشد المشاهد إلى مسار تصاعدي.
والشخصيات في هذا العمل، حسب تقييمه، تتصرف أحيانًا بعشوائية، لا انطلاقًا من دوافع نفسية أو خلفيات ذاتية محددة، مما يضعف منطق السرد ويجعل بعض الأحداث تبدو وكأنها أُدرجت فقط لملء زمن الحلقة.
ويطرح الناقد سؤالا جوهريا حول قدرة العمل على الحفاظ على تماسكه عبر ثلاثين حلقة إذا استمر الإيقاع على هذا النحو، متسائلاً عن كيفية استكمال العدد الكامل من الحلقات دون تطوير حقيقي في الصراع أو تعميق في بناء الشخصيات.
واعتبر الكاتب والناقد الفني، أن الإيقاع الخاص بمسلسل “بنات لالة منانة”، يبدو بطيئًا وخاليًا من دراما حقيقية تبقي المشاهد في حالة ترقب.
❖ الجدل الأخلاقي
على مستوى الانتقادات ذات البعد الأخلاقي التي وجهت إلى المسلسل، يعبر واكريم عن عدم اتفاقه مع كثير منها، فهو لم يلحظ في الحلقات التي تابعها، تجاوزًا صريحًا لقيم الأسرة والمجتمع كما جرى الترويج لذلك على مواقع التواصل الاجتماعي.
وشدد على أن تقييم العمل الدرامي ينبغي أن يستند إلى عناصره الفنية من كتابة وإخراج وأداء وتمثيل، لا إلى مقاربات أخلاقوية قد تحمله ما لا يحتمل.
وأقر في الآن ذاته بأن للتلفزيون خصوصيته، باعتباره وسيلة جماهيرية تشاهد داخل البيوت وفي أوقات ذروة، بخلاف السينما التي يقصدها الجمهور طواعية بعد اختيار مسبق لنوعية الفيلم.
وغير أن هذا الاعتبار في نظره، لا يعني تضييق مساحة التناول الدرامي أو مصادرة حق العمل في ملامسة قضايا حساسة، ما دام ذلك يتم ضمن إطار فني متماسك ومن دون سقوط في الابتذال.
وأبرز أن الإشكال لا يكمن في الجرأة بحد ذاتها، بل في مستوى المعالجة، فحتى المشاهد التي أثارت جدلا يمكن احتواؤها داخل بناء درامي محكم يبرر وجودها ويمنحها معنى، أما حين تأتي في سياق سردي ضعيف، فإنها تتحول إلى مادة سهلة للتأويل والانتقاد، خصوصا في شهر رمضان حيث ترتفع حساسية التلقي.
❖ وعي الجمهور
في تقييمه لموجة الانتقادات الواسعة التي تطال الإنتاجات الرمضانية، يعتبر واكريم أن جزءًا كبيرًا منها يعكس تحولاً إيجابيًا في وعي الجمهور وربما حتى في ذوقه الفني.
وأردف أن المشاهد المغربي لم يعد متلقيًا سلبيًا يقبل أي منتج يعرض عليه، بل أصبح يقارن ويتابع ما ينتج عربيا، ويكون رأيًا مبنيًا على تجربة مشاهدة أوسع وأكثر تنوعًا.
وغير أن هذا الوعي المتنامي بحسب تعبيره، لا يقابله دائمًا إنصات فعلي من الجهات المسؤولة عن القنوات التلفزيونية أو من شركات الإنتاج.
والملاحظ في نظره، أن الانتقادات تتكرر كل موسم تقريبًا، دون أن ينعكس ذلك بوضوح على تحسن ملموس في جودة النصوص أو على تجديد حقيقي في مقاربات السرد.
وشدد على أن تطوير المنتوج الدرامي المغربي يمر حتمًا عبر الاستثمار في الكتابة، وتوسيع هامش الاشتغال على الشخصيات المركبة، والرهان على نصوص قادرة على منافسة ما ينتج عربيًا على الأقل.
ولفت إلى أن الدراما ليست مجرد ملء لفراغ برامجي في موسم رمضاني، بل هي صناعة ثقافية تعكس صورة المجتمع وتساهم في تشكيل وعيه، وهو ما يقتضي تعاملاً أكثر جدية مع هذا المجال الحيوي.

