أكدت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، زكية الدريوش، أن الحكومة تعمل على معالجة إشكالية ارتفاع أسعار الأسماك عبر إجراءات تهدف إلى تقليص عدد الوسطاء وضمان استقرار الأسعار وتشجيع الاستهلاك المحلي.
وأوضحت الدريوش، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، أن هذه المقاربة تعتمد على تعزيز شبكة أسواق البيع بالجملة، وتعميم استعمال الصناديق الموحدة، ورقمنة المعاملات التجارية، إلى جانب تنزيل برنامج وطني لتطوير بنيات التسويق الداخلي بشراكة مع الجماعات الترابية.
كما أبرزت أن هذه الجهود تندرج ضمن استراتيجية شاملة لتقوية رواج المنتوجات السمكية وضبط الأسعار والحد من المضاربات، مع مراجعة الإطار القانوني المنظم لمهنة بائع السمك بالجملة بما يعزز الشفافية في القطاع.
أسعار السمك في المغرب.. كيف كشف “مول الحوت” لعبة المضاربات والاحتكار؟
♦شح المنتوج وغياب المراقبة
أوضح بوشعيب شادي، رئيس الكونفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة، أن ارتفاع أسعار الأسماك بالمغرب مرتبط بعوامل بنيوية تتجاوز الإجراءات الحكومية الحالية، مؤكدا أن ما تقوم به وزارة الصيد البحري من خطوات يبقى غير كافٍ لضبط الأسعار في ظل واقع ميداني تحكمه الممارسات اليومية داخل أسواق البيع الأول والثاني.
وأبرز رئيس الكونفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة في تصريح لجريدة “شفاف”، أن الواقع الحالي يحدده حجم المنتوج السمكي وتوفره في الأسواق أكثر مما تحدده المراسيم أو القرارات الإدارية، مشيرا إلى أن البلاد تعاني من تراجع الإنتاج بسبب شح الأمطار، والتغيرات المناخية، والممارسات البشرية المدمّرة للثروة البحرية على طول السواحل الوطنية.
واعتبر شادي أن تدهور الشعب المرجانية، واستنزاف الأصناف الصغيرة من الأسماك، وغياب مراقبة صارمة في بعض مناطق الصيد، كلها عوامل أسهمت في تراجع العرض الوطني، مضيفا أن المغرب بات مضطرا لاستيراد ما يناهز 120 ألف طن سنويا من المنتوجات البحرية لتعويض النقص المحلي، وهو ما يعكس اختلالا في منظومة الإنتاج والتوزيع.
وأكد أن وزارة الصيد البحري بذلت مجهودات تشريعية من خلال إطار القانون 15-12 المتعلق بمحاربة الصيد غير القانوني والجائر، إلا أن النصوص وحدها لا تكفي ما لم تُفعّل على أرض الواقع بمسؤولية وضمير مهني لدى البحارة والمسؤولين.
وشدد على أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من احترام القوانين المنظمة للصيد وعدم استغلال الفترات أو المناطق المحمية، معتبرا أن بعض الممارسات غير المسؤولة تضعف فعالية الرقابة وتعرقل توازن السوق.
بيع السمك بثمن زهيد بمراكش.. كيف فضحت الواقعة تضخم سلسلة الوسطاء وغياب الرقابة وجشع التجار؟
وذهب إلى أن المراقبة في البحر يجب أن تكون آنية ومرقمنة، تسمح بتتبع الكميات المصطادة قبل وصولها إلى اليابسة، مبرزا أن الرقمنة أصبحت أداة ضرورية يمكنها أن تمنح السلطات صورة دقيقة عن المنتوج لحظة خروجه من البحر بدل انتظار التصاريح الورقية بعد وصوله إلى الموانئ.
♦رقمنة المراقبة وتطبيق القوانين
بيّن شادي أن تطوير آليات الرقابة يجب أن يواكب التحول الرقمي الذي تعرفه مختلف القطاعات، مشددا على إمكانية توظيف التكنولوجيا في مراقبة المراكب وتتبع المصطادات بدقة عالية، موضحا أن المغرب يتوفر على وسائل مراقبة متقدمة تمكن من تتبع المراكب في حالات الخطر أو العطب، وهو ما يثبت أن الإمكانيات التقنية موجودة ويمكن توسيعها لتشمل مراقبة نوع وكميات الأسماك المصطادة بشكل لحظي.
واسترسل قائلاً: إن تطوير الرقمنة في هذا المجال سيسمح بمعرفة الكميات الموجودة في السوق الوطنية بشكل فوري، مما سيحد من التلاعب بالأسعار والاحتكار، ويساهم في الشفافية داخل المزادات العلنية، مبينا أن المراقبة الحالية، رغم المجهودات المبذولة، ما زالت تتطلب سنوات من العمل الميداني الجاد والعزيمة المؤسساتية لضمان نتائج ملموسة.
وكشف رئيس الكونفدرالية أن المشكل لا يكمن في النصوص القانونية، بل فيمن يطبقها، موضحاً أن القطاع بحاجة إلى تدابير وآليات جديدة للحد من التهريب والفوضى التي تضعف مراقبة المنتوج السمكي، مشيرا إلى أن ضعف المراقبة القبلية والبعدية يجعل من الصعب على الدولة التحكم في مسار المنتوج وتثمينه بالشكل الأمثل.
ولفت إلى أن عملية التثمين اليوم تتم بشكل غير متوازن بسبب المنافسة بين التجار الصغار والمتوسطين على المنتوجات ذات الجودة العالية، في حين تظل بعض الجهات تحتكر المنتوج عبر التحكم في مسار بيعه وتوزيعه.
ارتفاع أسعار السمك في الأسواق الوطنية.. كيف يفسر المهنيون الغلاء ومن يتحمل المسؤولية؟
وانتقد شادي ما سماه بـ«الاحتكار الممنهج» لبعض الفاعلين الذين يعرقلون تطبيق نظام المزاد العلني الرقمي في الموانئ الجنوبية، مبرزا أن هذه الفئة تفتعل عراقيل للحفاظ على مصالحها الخاصة على حساب الشفافية والمنافسة المشروعة.
♦الإصلاح ومحاربة الاحتكار
دعا شادي السلطات إلى التعامل بحزم مع هذه الاختلالات وقطع الطريق أمام أي ممارسات احتكارية، مؤكدا أن الفساد في بعض مفاصل القطاع لا يزال قائماً رغم الخطاب الملكي لسنة 2017 الذي شدد على محاربة جميع أشكاله، مبينا أن مشروع الصناديق البلاستيكية الملكي، الذي كان يهدف إلى الحد من الهيمنة وضمان الشفافية في عمليات التسويق، تم تعطيله بفعل مقاومة بعض المصالح الضيقة.
وأفاد المتحدث أن المغرب يتوفر اليوم على 14 سوقا من الجيل الجديد وما يزيد عن 70 سوقا للبيع الأول والثاني، وهي مشاريع كلفت مبالغ مالية مهمة من المال العام، ما يستوجب تقييما شفافا ومحاسبة المسؤولين عن تدبيرها، معتبرا أن المواطن المغربي، باعتباره الحلقة الأساسية في الاقتصاد الوطني، يستحق أن تصل إليه الأسماك بأقل تكلفة ممكنة، وهو ما يتطلب إصلاحاً هيكلياً في آليات التسويق والرقابة.
وأبان أن ارتفاع الأسعار يعود إلى ارتفاع كلفة الإنتاج، وغياب مراقبة فعالة، وتعدد قنوات التهريب، مما يخلق اختلالات مستمرة في السوق، مضيافا أن الكونفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة تتابع هذه التطورات عن كثب، وتشارك بفعالية في اللقاءات المهنية والحوارات المؤسساتية من أجل تقديم تصورات عملية لإصلاح القطاع.
ارتفاع أسعار الأسماك بالأسواق في رمضان.. ماهي الأسباب ومن المستفيد؟
وأكد شادي أن الكونفدرالية تمثل أغلب الموانئ الوطنية وتضم فاعلين من تجار السمك الأبيض وتجار السمك الصناعي، وتسعى إلى توحيد المهنة والدفاع عن مصالحها من الصغير إلى الكبير، مشددا على أن الهدف المركزي للكونفدرالية هو ضمان ولوج عادل إلى الثروة السمكية ومحاربة كل أشكال الاحتكار، ومبرزا أن الدفاع عن المهنة يتم بروح المسؤولية وبانفتاح على جميع المبادرات التي تخدم المصلحة العامة.
وخلص المهني إلى أن الكونفدرالية راكمت تجربة تفوق 14 سنة، ستواصل الدفاع عن مهنيي القطاع وعن المصلحة الوطنية بروح التعاون مع مؤسسات الدولة، من أجل قطاع صيد شفاف، منظم، ومتوازن، يخدم الاقتصاد الوطني ويضمن حق المواطن في الحصول على منتوج بحري بجودة عالية وسعر عادل.
وقال شادي أن الإدارة تواصل العمل بعزيمة لتطبيق القانون على مختلف المستويات، مع التركيز على معالجة الملفات الشائكة في قطاع الصيد البحري.
وكشف أن الإدارة منفتحة على النقاش مع جميع المهنيين لضمان حلول عادلة ومسؤولة تتيح لهم الوصول إلى الثروة السمكية بشكل متوازن، مشددًا على أن الأولوية هي المصلحة الوطنية وليس المصالح الخاصة.
وأضاف أن الجهود تشمل متابعة إشكالية الصيد السطحي بالتعاون مع المكتب الوطني، في إطار سعي الإدارة لتأطير القطاع وتحسين ظروف العمل لكافة الفئات المهنية.
وصرح بوشعيب بأن الإدارة والمكتب الوطني للصيد والوزارة تعمل على البحث عن حلول للقطاع البحري، مع التركيز على معالجة الملفات المطروحة لضمان مصالح المهنيين.
ونبه إلى أن الإدارة منفتحة على النقاش مع جميع الفئات لضمان تنظيم القطاع بشكل مسؤول ومتوازن، مشددا على أهمية ممارسة النقد البناء تجاه الإدارة عند الحاجة، بهدف تحسين ظروف العمل وضمان استفادة كافة الأطراف من الثروة السمكية بما يخدم المصلحة العامة.
أزمة غلاء السمك.. كيف يؤثر تحكم المضاربين في ارتفاع الأسعار ؟

