أفادت نادية فتاح، وزيرة الاقتصاد والمالية خلال تقديمها مشروع قانون المالية لسنة 2025 بالبرلمان، أن نسبة النمو الاقتصادي التي تضعها الحكومة ستصل لـ4.6 %، -وهو الرقم الذي لم يتحقق منذ 2021 (تسجيل نسبة نمو بلغت 8%)-، مع بلوغ التضخم لنحو 2 %، وتسجيل عجز في الميزانية يقدر بـ 3.5 %، مشيرة إلى مواصلة الحكومة تعزيز أسس الدولة الاجتماعية من خلال استكمال التنزيل الفعال لورش تعميم الحماية الاجتماعية، باعتباره أحد رهانات هذا المشروع، ويصطدم هذا الأخير بمجموعة من الإكراهات والتحديات المحلية كالجفاف؛ وما يرتبط بالصراعات والإشكاليات الإقليمية والدولية، ما يطرح تساؤلات عديدة عن واقعية عن هذه المؤشرات الاقتصادية وإمكانية بلوغها وتحقيق البرامج المرتبطة بها.
♦ المؤشرات الاقتصادية
اعتبر عبد الخالق التهامي، الخبير والمحلل الاقتصادي، في تصريح لجريدة “شفاف”، أن نسبة التضخم المتوقعة في 2 % تبقى واقعية نظرا للدور الذي يلعبه بنك المغرب في كبح جماح تواصل ارتفاع الأسعار، عبر سياساته النقدية الناجعة، مثلما هو الأمر مع سعر الفائدة الرئيسي؛ المحدد من طرفه اليوم في 2.75 %.
وأوضح التهامي أن المغرب ناجح لحدود اللحظة في محاربة التضخم، وذلك بالرغم من العوامل الخارجية المتغيرة باستمرار خلال الآونة الأخيرة، مبرزا أن ذلك يتمثل جليا في مواصلة دعم الحكومة لبعض السلع الأساسية، وفيما يقوم به بنك المغرب من مجهودات جبارة، مشيرا إلى أن بلوغ هذا المؤشر لمعدل 2 % أو ما يقارب ذلك يبقى أمرًا قابلا للتحقق.
وقال الخبير والمحلل الاقتصادي، إن توقع نسبة نمو بمقدار 4.6 % فيها بعض التفاؤل المبالغ فيه ونوع من المغالاة من طرف الحكومة في هذا الجانب، موضحا أن هذه القيمة من الصعب الوصول لها في ظل الظرفية الحالية والتحديات المحلية والدولية المطروحة، مبرزا أنها لن تتجاوز على الأرجح 4 %.
أخنوش يطالب وزراءه بترشيد النفقات.. فهل تنجح الحكومة في تنزيل سياسة “شد الحزام” على أرض الواقع؟
وتابع أن هناك أماني من أجل أن يكون الموسم الفلاحي القادم جيد مقارنة بالسنوات الماضية التي ساد فيها الجفاف وقلة التساقطات؛ ما أثر سلبا على المحصول الزراعي الوطني ودفع بالرباط لاستيراد كميات كبيرة من القمح وغيره من المنتجات الغذائية الرئيسية، لافتا إلى أن ذلك قد يؤدي للوصول لنسبة 4 %، موضحا أن المؤشرات الماكرواقتصادية تشير لصعوبة بلوغ الرقم المطروح (4.6 %).
وأبرز أنه بالنسبة للعجز المتوقع في 3.5 % يمكن تحقيقه؛ وذلك ارتكازا على واقع ارتفاع المداخيل، مشيرا إلى أن المعطيات المحيطة بذلك قد تؤثر سلبا على هذا المؤشر الاقتصادي، مثلما هو الحال مع إمكانية ارتفاع سعر غاز البوتان (البوطا) والبترول في الأسواق الدولية، موضحا أن هذه الأمور يمكن أن تزيد من نفقات الدولة وبالتالي تؤثر على ميزانها التجاري وتدفع لتقليص مداخيلها.
ولفت إلى أن معدل العجز يمكن أن يتم تجاوزه بنسبة طفيفة عن 3.5 % التي أشارت لها الحكومة في مشروع قانون المالية لسنة 2025، مشيرا إلى أن هذه التوقعات بالرغم من كونها تُعتمد يناءً على دراسات ومعطيات تكون على اطلاع واسع بها الجهات الحكومية الوصية إلا أنه لا يمكن تأكيد تحقيقها بنسبة 100 %، نظرا للتغيرات التي تشهدها الأسواق الدولية وما تعرفه المنطقة والعالم من أحداث وصراعات تتسارع حدتها.
♦ الأولويات الحكومية
يشير عبد الخالق التهامي إلى أن الأولويات التي جاءت بها الحكومة في إطار مشروع قانون مالية السنة 2025، المرتبطة بتعزيز ركائز الدولة الاجتماعية، وتوطيد دينامية الاستثمار وخلق فرص الشغل، ومواصلة تنزيل الإصلاحات الهيكلية، والحفاظ على استدامة المالية العمومية، لا يمكن تحقيق بالكامل في عام واحد.
وأبرز أن الركائز الأربع التي ينبني عليها هذا المشروع المالي سيتم تنزيل بعض الأجزاء منها أو زوايا معينة تتعلق بذلك وليس جميعها، لافتا إلى أن مشروع الدولة الاجتماعية من المرتقب أن تهم في الخطوات القادمة استمرار تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، والرفع من نسبة الدعم الاجتماعي المباشر للأسر المعوزة.
ارتفاع أسعار العقار.. فما الأسباب وما دور الحكومة في توفير السكن بأثمنة مناسبة للمغاربة؟
وأوضح الخبير والمحلل الاقتصادي، أن هذه الأولويات المذكورة ستطرحها الحكومة من جديد في إطار مشروع قانون المالية لسنة 2026، معتبرا أنها مرتبطة بأوراش كبرى يتطلب تنزيلها سنوات وليس عاما واحدا فقط.
وأردف أن ضمان استدامة المالية العمومية، التي تتعلق بالأنشطة والعمليات المالية والمحاسبية للأشخاص العمومي؛ من دولة وجماعات ترابية وبنيات مرفقية ولتدخلاتها من أجل تأمين التدبير المالي والمحاسبي لإدارة المرافق العمومية، يتطلب إحداث مجموعة من التغييرات بشكل تدريجي وتصاعدي مع مرور الزمن.
المغرب يتذيل ترتيب مؤشر التنمية البشرية بشمال إفريقيا.. أين يكمن الخلل وما هو الحل؟
وشدد على أن الغايات التي تسعى لها الحكومة من خلال هذه الوثيقة المالية تدخل في خانة الأسس التي لا يرتبط تحقيقها بسنة واحدة، وهي الأمور المعمول بها في مختلف الميزانيات أو الموازنات السنوية لدول العالم، مشيرا إلى أن ما يتم إدراجه في مشاريع قوانين مالية السنة مجرد مؤشرات واتجاهات وسياسات الممكن الاشتغال عليها لعدة سنوات.
ولفت إلى أن الحكومة لا تحسم من خلال مشروع هذا القانون بشكل قطعي في إمكانية تحقيق بعض الأسس المبني عليها هذا الأخير، موضحا أن هناك بعض الأهداف المذكورة لا يمكن بلوغها من خلال ما هو معتمد في سنة مالية واحدة، مبرزا أن وزيرة الاقتصاد والمالية أشارت بشكل واضح إلى أن تنفيذ واكتمال بعض البرامج في هذا الإطار يرتبط بسنة 2030.
استثمارات المونديال.. هل ستضيف أعباءً إضافية على ميزانية الدولة وما أثرها على الاقتصاد الوطني؟
وذكر أن مشروع قانون المالية لسنة 2025 الذي جاءت به الحكومة يبقى في عمومه معقولا، لافتا إلى أن التغييرات الممكن أن يشهدها خلال مرحلة مناقشته والمصادقة عليه داخل البرلمان لن تتجاوز الجوانب الهامشية، مبرزا أن هذا المشروع شهد مراجعة هامة للمستويات الضريبية المعمول بها في عدد من القطاعات الاقتصادية والتجارية المهمة والحيوية.

