في قراءة تحليلية موسعة، سلطت صحيفة “لا راثون” (La Razón) الإسبانية الضوء على المضامين الجوهرية للمقترح المغربي الموسع للحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، بوصفه تصورًا سياسيًا ومؤسساتيًا يهدف إلى إعادة هندسة تدبير ملف الصحراء ضمن إطار سيادي موحد.
وهذه القراءة لا تكتفي بعرض بنود المبادرة، بل تتوقف عند أبعادها التطبيقية وانعكاساتها على الممارسة السياسية، وعلى توازن العلاقة بين المركز والجهة، فضلًا عن موقعها داخل النقاش الدولي حول الحلول الواقعية للنزاع.
وهذا التحليل يضع المقترح في سياق إعادة تعريف مفهوم الحكم الذاتي داخل الدولة المغربية، مبرزًا أن هذا النموذج يمنح صلاحيات واسعة للجهة مع الحفاظ على ثوابت السيادة.
وتبرز القراءة كذلك ملاحظات أكاديمية قدمتها الباحثة إيرين فرنانديز مولينا (Irene Fernández Molina) من جامعة إكستر (University of Exeter)، والتي اعتبرت أن الطرح ينسجم نظريًا مع نماذج حكم ذاتي مقارنة، لكنه يثير نقاشًا حول ضمانات التنزيل المؤسساتي.
???????? El plan de Marruecos para el Sáhara: presidente elegido por el Rey y autonomía votada por un referéndum.
????️ Se ratificará con un referéndum en Marruecos. https://t.co/CNtH4VAyqg
— La Razón (@larazon_es) February 14, 2026
❖ توزيع الصلاحيات
تظهر القراءة أن جوهر المبادرة يقوم على توزيع دقيق للاختصاصات بين الدولة والجهة، فالمجالات المرتبطة بالدفاع والأمن والسياسة الخارجية والعملة والرموز السيادية تبقى ضمن الاختصاص الحصري للدولة، وهو ما يعكس حرصًا على تثبيت وحدة القرار السيادي.
وفي المقابل، تمنح الجهة صلاحيات واسعة في تدبير التراب والتخطيط العمراني والتنمية الاقتصادية والسياحية، إضافة إلى قطاعات اجتماعية كالصحة والتعليم، وهذا التوازن يهدف إلى خلق فضاء تدبيري مرن يسمح بتكييف السياسات العمومية مع خصوصيات المنطقة.
تحيين المغرب لمبادرة الحكم الذاتي بمشاركة الأحزاب السياسية.. مقاربة تشاركية أم تحول استراتيجي؟
وتتضمن الهندسة المقترحة آليتين قانونيتين أساسيتين؛ مبدأ التفريع (subsidiarité) الذي يفضل معالجة القضايا على المستوى الأقرب للمواطن، وبند الحماية الدستورية الذي يسمح في حالات استثنائية، بتعليق بعض الصلاحيات حفاظًا على الاستقرار المؤسسي.
❖ هندسة مؤسساتية
على المستوى المؤسساتي، يقترح التصور إنشاء حكومة جهوية يقودها رئيس يُنصب رسميًا من قبل الملك، في خطوة تبرر بضمان الانسجام الدستوري ووحدة الدولة، وتُفهم هذه الآلية كجسر يربط بين الشرعية الانتخابية والمرجعية السيادية.
كما ينص المقترح على إحداث برلمان جهوي أحادي الغرفة، يجمع بين ممثلين منتخبين بالاقتراع العام المباشر وممثلين عن القبائل الصحراوية المعترف بها، وفق نظام تنظيمي خاص، مع تشجيع تمثيلية النساء، وهذه الصيغة تسعى إلى إدماج البعد التمثيلي الحديث مع البنية الاجتماعية التقليدية.
والقراءة الإسبانية ترى أن هذا المزج يعكس محاولة لتأصيل الشرعية السياسية محليًا، بما يحد من فجوة الثقة بين المؤسسات والسكان، ويمنح الحكم الذاتي قاعدة اجتماعية أوسع.
❖ أبعاد اقتصادية
اقتصاديًا، يمنح التصور الجهة قدرة على تحصيل ضرائب محلية والاحتفاظ بجزء من عائدات استغلال الموارد الطبيعية، حيث تشمل هذه الموارد قطاعات الصيد البحري والفوسفاط والطاقة المتجددة، ما يفتح المجال أمام نموذج تنموي قائم على تثمين الثروات المحلية.
من “المسيرة الخضراء” إلى “عيد الوحدة”.. أي تحول في رمزية السيادة المغربية؟
كما ينص على أن الاستثمارات الأجنبية تخضع لموافقة مزدوجة جهوية ووطنية، في محاولة لتحقيق توازن بين جاذبية الاستثمار وضمان الانسجام مع السياسات الوطنية، وهذه الآلية تعكس تصورًا تنمويًا يربط الاستقلال المالي النسبي بالمسؤولية المؤسساتية.
والتحليل يعتبر أن هذا البعد الاقتصادي يشكل ركيزة عملية للحكم الذاتي، إذ يمنحه أدوات فعلية للتنمية بدل الاكتفاء بإطار رمزي أو إداري.
❖ مسار سياسي
يتضمن المقترح آلية تصديق عبر استفتاء وطني شامل، بحيث يعرض نظام الحكم الذاتي على مجموع الناخبين المغاربة، ثم يدمج في الدستور ضمن باب خاص إذا تمت المصادقة عليه. وتشدد القراءة على أن هذا المسار يمنح المبادرة شرعية دستورية قوية.
ولكن هذا الخيار يثير نقاشًا سياسيًا، حيث ترى بعض القراءات الأكاديمية أن الاستفتاء الوطني يختلف عن صيغ تقرير المصير التقليدية.
الجهوية الموسعة والأحزاب السياسية.. هل يقود تنزيل الحكم الذاتي إلى نظام شبيه بإسبانيا؟
ومع ذلك، يؤكد الطرح المغربي، كما تنقله الصحافة الإسبانية؛ أن الهدف هو تثبيت حل نهائي داخل إطار الدولة، وليس فتح مسار انفصالي.
ويتضمن النص بندًا للارجعية الترابية، يمنع أي تأويل يقود إلى الانفصال، ما يعكس تصورًا للحكم الذاتي كحل دائم لا كمرحلة انتقالية.
❖ أبعاد دولية
من أبرز النقاط التي توقفت عندها القراءة مسألة غياب الوصاية الخارجية، حيث ينص المقترح على أن الاعتراف الدولي بالنظام لا يترتب عنه إشراف دائم، وهذا المبدأ يعني تحويل الملف إلى شأن قانوني وطني بعد اعتماده.
كما يتضمن التصور آلية لعودة اللاجئين الصحراويين من مخيمات تندوف، مع برنامج لنزع سلاح وإعادة إدماج مقاتلي “البوليساريو”؛ استثناء المتورطين في جرائم جسيمة، هذه الخطوة تقدم كجزء من مقاربة شاملة للمصالحة والاستقرار.
والقراءة التحليلية تشير إلى أن هذه الأبعاد تعكس رغبة في إغلاق الملف سياسيًا وقانونيًا، مع الحفاظ على الانخراط الدولي في مرحلة الاعتراف دون تحويله إلى إشراف دائم.
وفي المجمل، تبرز قراءة الصحافة الإسبانية أن المقترح المغربي للحكم الذاتي يمثل تصورًا مؤسساتيًا متكاملًا يمزج بين اللامركزية الموسعة والثوابت السيادية، ويطرح نموذجًا يسعى إلى تحويل النزاع من معادلة جيوسياسية إلى إطار تدبيري داخلي.

