يعود النقاش حول الحق في الحصول على المعلومات إلى واجهة الاهتمام العمومي بالمغرب مع تخليد الذكرى السابعة لدخول القانون رقم 31.13 حيز التنفيذ، باعتباره أحد أبرز الأوراش المرتبطة بتكريس مبادئ الشفافية والانفتاح التي جاء بها دستور 2011، ورغم ما تحقق على المستوى التشريعي والمؤسساتي، فإن تقييمات الفاعلين تكشف استمرار فجوة واضحة بين النص القانوني والتطبيق الفعلي داخل الإدارة.
وتبرز هذه الفجوة من خلال استمرار ممارسات بيروقراطية وتأويلات موسعة للاستثناءات القانونية، فضلاً عن محدودية نجاعة بعض الآليات التقنية والمؤسساتية، وهو ما يعيد طرح سؤال الإرادة السياسية والإصلاح الإداري كشرطين أساسيين لتحويل هذا الحق من مجرد مقتضى قانوني إلى ممارسة يومية تعزز ثقة المواطن في المؤسسات.
❖ عقلية التحفظ
من منظور حقوقي ودستوري، يرى إدريس السدراوي، رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، أن المعيق الجوهري لتفعيل الحق في الحصول على المعلومات لا يكمن في النص القانوني في حد ذاته، بل في البيئة الحاضنة لتطبيقه.
وأبرز السدراوي في تصريح لجريدة “شفاف”، أنه بالرغم من توفر إطار قانوني متقدم نسبيًا، لا تزال الإدارة العمومية؛ محكومة بعقلية التحفظ التي تعرقل الانفتاح المطلوب على المواطنين.
المغرب يتذيل ترتيب مؤشر التنمية البشرية بشمال إفريقيا.. أين يكمن الخلل وما هو الحل؟
وأردف رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، أن غياب ترسيخ ثقافة الحق في المعلومة باعتباره حقًا أصيلاً، وليس مجرد امتياز إداري، يحد بشكل كبير من فعالية هذا الورش.
وأشار إلى أن التعامل مع المعلومة كملكية حصرية للإدارة بدل اعتبارها ملكًا عموميًا، يعكس استمرار رواسب إدارية تقليدية لم يتم تجاوزها بعد، رغم التحولات الدستورية التي عرفها المغرب.
ونبه لوجود توسع مقلق في تأويل الاستثناءات القانونية، حيث يتم اللجوء إليها بشكل واسع لتبرير رفض تسليم المعلومات، وهو ما يؤدي عمليًا إلى إفراغ القانون من مضمونه، ويحول دون تحقيق الغاية الأساسية منه، المتمثلة في تعزيز الشفافية والانفتاح.
❖ اختلالات التفعيل
إلى جانب الإشكالات المرتبطة بالعقليات، يشير السدراوي إلى مجموعة من الاختلالات العملية التي تعيق التفعيل السليم لهذا الحق الدستوري.
وذكر أن من أبرزها ضعف التكوين لدى الموظفين المكلفين بتدبير طلبات الحصول على المعلومات، الأمر الذي ينعكس سلبا على جودة التعامل مع هذه الطلبات وعلى آجال معالجتها.
ولفت إلى غياب جزاءات حقيقية في حالة الامتناع غير المبرر عن تقديم المعلومات، وهو ما يشجع على استمرار بعض الممارسات السلبية داخل الإدارة، في ظل غياب آليات ردع فعالة تضمن احترام القانون.
وشدد رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، على أنه بدون مساءلة واضحة، يظل الالتزام بتطبيق النص رهينًا بالإرادة الفردية أكثر منه بواجب قانوني ملزم.
المغرب يتراجع في مؤشر العدالة العالمية… فهل بات إصلاح التعليم ضرورة استعجالية لا خيارا مؤجلا؟
ولا يغفل السدراوي الإشارة إلى محدودية الرقمنة وعدم توحيد بوابات النشر الاستباقي للمعلومات، حيث يظل الولوج إلى المعطيات العمومية معقدا في كثير من الحالات.
وأكد أن غياب منصة موحدة وفعالة يسهم في تبسيط المساطر، يعرقل تحقيق مبدأ الشفافية ويحد من استفادة المواطنين من هذا الحق بشكل سلس ومنتظم.
❖ مسؤولية المؤسسات
في تقييمه لمسؤولية الفجوة القائمة بين النص والممارسة، يؤكد السدراوي أن المسؤولية تظل مشتركة، لكنها تقع بالدرجة الأولى على عاتق المؤسسات العمومية.
وأردف أن الدستور المغربي واضح في تكريس الحق في الحصول على المعلومات، غير أن غياب إرادة سياسية حقيقية لدى بعض الإدارات يفرغ هذا المقتضى من محتواه العملي.
وأضاف أن ضعف آليات المراقبة والمساءلة يجعل هذا الحق في كثير من الأحيان مجرد حبر على ورق، خاصة في ظل غياب تتبع دقيق لمدى التزام الإدارات بتطبيقه.
وأبرز أن اللجنة المكلفة بالسهر على ضمان هذا الحق رغم أهميتها، تحتاج إلى تعزيز استقلاليتها ونجاعتها حتى تضطلع بدورها كاملا في حماية هذا المكسب الدستوري.
وشدد على أن أي تقصير في تمكين المواطن من الولوج إلى المعلومة يشكل مساسًا مباشرًا بمبدأ الشفافية، ويقوض أسس ربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتبار أن المعلومة تظل المدخل الأساسي لممارسة الرقابة المجتمعية على أداء المؤسسات.
❖ إصلاح أم تعديل
بخصوص سؤال تعديل القانون أو الاكتفاء بتحسين التنزيل، يرى السدراوي أن الإشكال المطروح اليوم هو بالأساس إشكال تنزيل، أكثر منه قصورًا في النص القانوني.
ومع ذلك، لا يستبعد الحاجة إلى إدخال تعديلات دقيقة تستهدف سد بعض الثغرات التي أبان عنها التطبيق العملي خلال السنوات الماضية.
ومن بين هذه التعديلات المحتملة، يشير إلى ضرورة تضييق نطاق الاستثناءات القانونية حتى لا تستغل بشكل مفرط، إلى جانب تعزيز إلزامية النشر الاستباقي للمعلومات، بما يضمن إتاحة المعطيات الأساسية للمواطنين دون الحاجة إلى تقديم طلبات.
ودعا رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، إلى إقرار عقوبات واضحة في حالات الامتناع غير المشروع عن تقديم المعلومات، لضمان احترام القانون.
وأكد على أن أي تعديل تشريعي لن يحقق الأثر المرجو منه في غياب إصلاح إداري عميق، يقوم على ترسيخ ثقافة الشفافية داخل المرفق العمومي، وتعزيز مبادئ ربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن الانتقال الفعلي من منطق الانغلاق إلى منطق الانفتاح.
تراجع المغرب في مؤشر مكافحة الفساد.. الانعكاسات المرتقبة على حياة المواطنين
ونبه إلى أن الحق في الحصول على المعلومات لا ينبغي اختزاله في كونه إجراء إداريًا تقنيًا، بل هو ركيزة أساسية لدولة القانون والمؤسسات الديمقراطية، فتمكين المواطن من الوصول إلى المعلومة يظل شرطا جوهريا لتعزيز الشفافية ومحاربة الفساد وتكريس الحكامة الجيدة.
وأضاف أنه في المقابل، فإن استمرار الفجوة بين نصوص قانونية متقدمة وممارسة إدارية متأخرة، ينعكس سلبا على ثقة المواطن في المؤسسات، ويضعف من مصداقية مسار الإصلاح.
وشدد رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، على أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تطوير القوانين، بل في ضمان تفعيلها بشكل فعلي يترجم روح الدستور على أرض الواقع.

